مياه، مياه، مياه .. يعيش،يعيش،يعيش
د.عبدالفتاح طوقان
03-11-2026 12:40 PM
حين يتحدث جلالة الملك عبد الله الثاني عن المياه والأمن المائي، فإنه يضع يده على واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في الأردن.
فشحّ المياه ليس تحديًا خدميًا فحسب، بل قضية أمن وطني وتنمية واستقرار، تتطلب تخطيطًا بعيد المدى، واستثمارات كبرى، وكفاءات قادرة على تحويل الرؤية إلى مشاريع منجزة.
من واقع خبرتي في قطاع البنية التحتية، أدرك أن الأمن المائي يُبنى عبر منظومة متكاملة تشمل مصادر الإمداد، والتحلية، والتخزين، والنقل والتوزيع، وخطط الطوارئ واستمرارية الخدمة.
لقد عملت مستشارًا للشركة السعودية للمياه، وشاركت في تصميم وتطوير وتنفيذ شبكة مياه جدة، كما عملت على تصميم وتنفيذ اكبر خزانات مياه ضخمة في العالم تعزز قدرة المدينة السعودية على تأمين احتياجاتها لفترة تصل إلى أسبوع في حالات الطوارئ. وشاركت كذلك في تصميم وتنفيذ محطة تحلية في جنوب الهند بطاقة ٤٠٠ مليون لتر يوميًا لتامين المياة بعد ان انتشر المرض وسائت احوال المواطنين وهددت المدينة بالإفراغ والرحيل عنها.
وامتدت خبرتي إلى مشاريع السدود والطاقة الكهرومائية. فقد عملت في مشروع سد Site C بمنطقة فورت سانت جون في كندا، حيث درجة البروده تصل إلي ناقص ٥٥ وبالتعاون مع شركات عالمية، منها سامسونغ وأكسيونا، ثم عملت مستشارًا لحكومة باكستان في مشروع "سد موهمند" ثالث اكبر سد في العالم ، وعُرضت عليّ مشاريع مائية كبرى في نيجيريا وغانا مع شركات فرنسية عالمية، فاعتذرت عن العمل فيها. ومؤخرًا اعتذرت عن فرصة للعمل مستشارًا لمشاريع السدود والطاقة الكهرومائية في بريطانيا، نظرًا لالتزاماتي المهنية في باكستان. لذا ارى اهمية الامن المائي عالميا وفي نفس الوقت اتابع الرؤية الملكية الهاشمية الثاقبة في هذا المجال .
وفي قطاع النقل، شاركت في مشاريع سكك حديد أونتاريو، إلى جانب مشاريع بنية تحتية كبرى، منها مترو الرياض وسكة حديد جدة–مكة. وقد أكدت لي هذه التجارب أن السكك الحديدية لا تقتصر على نقل الركاب والبضائع؛ فهي تربط المدن والمناطق والأسواق، وتسهّل الحركة، وتفتح آفاقًا جديدة للتنمية.
وفي رحلاتي الهندسية حول العالم، وبينما كنت أعمل في قلب المشاريع ، انفذها في وقتها وضمن حدود موازناتها والمبالغ المخصصة لها بالمليارات ، وأتابع تسارع الأحداث السياسية والاقتصادية، رأيت كيف تستقبل الشعوب مشاريع المياه التي تنقذ حياتها، وتساعد المصانع على مواصلة العمل، وتحدّ من الأمراض المرتبطة بنقص المياه والنظافة. رأيت عيونًا بريئة وأجسادًا أنهكها الفقر والمرض، ورأيت كيف يمكن أن يتحول الحرمان من المياه إلى كارثة إنسانية إذا لم تصل الحلول في الوقت المناسب. وكان بعض الناس ينظرون إلى فرق العمل وكأنها جاءت من عالم آخر، لأنها تحمل إليهم موردًا أساسيًا افتقدوه طويلًا.ورايت كيف النقل يسهل الحياة ويساعد في تطوير و تنمية المناطق المحيطة بالمدينة التى يمر بها خطوط السكك الحديدية التى هي شريان الحياة الاقتصادية.
ورأيت كذلك كيف تمنح السكك الحديدية الناس وسيلة انتقال أسهل، وتربط المدن والمناطق، وتدعم حركة الاقتصاد وتوفر الوظائف وتقلل ساعات التنقل ، لم تكن هذه المشاريع أعمالًا هندسية معزولة، بل ثمرة إرادة لدى حكومات ومؤسسات دولية اختارت أن تواجه الكساد والتعطل بمشاريع كبرى تخلق فرص العمل، وتدعم الإنتاج، وتعيد الأمل إلى المجتمعات.
لقد شهدت أثر ندرة المياه في مجتمعات تتفاقم فيها الأمراض، ويضطر سكانها إلى مغادرة مناطقهم، وتتوقف فيها المصانع وتتضرر سبل العيش. وشهدت أيضًا كيف يمكن للتعاون بين الحكومات والمؤسسات التمويلية الدولية أن يسهم في توفير حلول تنقذ الأرواح وتعيد الخدمات إلى مسارها.
لذلك فإن تأخير المشاريع المائية ليس مجرد تأجيل لأعمال إنشائية؛ بل قد يضاعف كلفة الأزمة على الناس والاقتصاد ويهدد البيئة والصحة الإنسانية ويقف حائلا أمام استخدامات الصناعات الكيميائية والتقليدية و يهددها بشكل مباشر .
ومن خلال اجتماعاتي مع الوزراء والمسؤولين الحكوميين وقادة الجيوش والمهندسين في عديد من الدول التى عملت بها ومع مدراء البنك الدولي وووزراء مالية وتخطيط من الدول المانحة ورؤساء الشركات الهندسية و المقاولات تعلمت أن نجاح المشاريع الكبرى يعتمد على تكامل عناصر أساسية: دراسة فنية واقتصادية رصينة، وإدارة دقيقة للمخاطر، وتمويل مستدام، وعقود واضحة ومتوازنة، وتنسيق فعّال بين الجهات المعنية، وقدرة تنفيذية تضمن الجودة والالتزام بالوقت والكلفة، واداره حاكمية وقائد متكامل وقادر على مواجهة التحديات ومحاربة اي فساد في المشاريع . كما يتطلب إعداد المشاريع الكبرى والتفاوض بشأنها خبرة في التعامل مع البنوك العالمية والجهات المانحة، وفهمًا للتفاهمات التمويلية والتعاقدية.
اليوم، يتجه العالم إلى الاستثمار في مشاريع المياه والسكك الحديدية ومراكز البيانات الضخمة، Big Data Centers وهي مشاريع تتطلب استثمارات بمليارات الدولارات وخبرات متعددة التخصصات.
وهذا التوجه يبرز أهمية الرؤية التي يدعو إليها الملك عبد الله الثاني والذي سارعت نقابة المهندسين بإصدار بيان تأييد أعلنت انها جزء من هذه الخطة وعليها تقع مسؤلية المشاركة : أن تكون المشاريع الكبرى رافعة للتنمية، ومحركًا للتوظيف، وأداة لتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات.
والأردن اليوم بحاجة إلى المياه، اكثر من اي وقت مضى ، كما هو بحاجة إلى السكك الحديدية والمشاريع الكبرى التي تحدث عنها " الملك المهندس والسياسي " ، لكن تحقيق هذه الرؤية يتطلب مهندسين يمتلكون الخبرة العملية إلى جانب التأهيل العلمي؛ مهندسين قادرين على التحليل والتصميم واتخاذ القرار وإدارة التنفيذ ومعالجة المشكلات في الميدان.
فالمطلوب ليس مجرد شهادات هندسية، بل كفاءات من داخل الأردن وخارجها تعرف كيف تحوّل الخطط إلى مشاريع آمنة وفعالة ومنجزة.
ومن منطلق خبرة تجاوزت أربعين عامًا في مجالات الهندسة والتعاقدات والخدمات المرتبطة بالمشاريع الكبرى، التي أسهمت في تنمية قطاعات المياه والسكك الحديدية وتطويرها، أتفهم تمامًا التوجه الملكي وتوجيهات جلالة الملك عبد الله الثاني الداعية إلى إنجاز المشاريع الكبرى وتعزيز الأمن المائي. فهذه المشاريع تتطلب رؤية تقوم على التنمية المستدامة، وفهمًا عميقًا لمتطلباتها، والاستفادة من العلوم والتقنيات الهندسية المتقدمة، إلى جانب التخطيط والتمويل والإدارة الفاعلة.
وأؤيد الجهود الوطنية التي يقودها جلالة الملك لتحقيق هذه الأولويات، وأقول: " نعم يا سيد البلاد، مياه، مياه، مياه؛ يعيش، يعيش، يعيش."
aftoukan@yahoo.com