مطالعة في نتائج الانتخابات الإسرائيلية وانعكاساتها
أ.د أحمد بطَّاح
03-11-2026 12:41 PM
إنّ مما لا شك فيه أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية مهمة ليس فقط للجمهور الإسرائيلي بل للعرب في إسرائيل (داخل الخط الأخضر ويشكلون قرابة 20% من السكان) وللدول العربية (وبالذات المجاورة منها لإسرائيل)، وكذلك للدول الإقليمية وبخاصة إيران التي اشتبكت في حربين معها (حرب الـ 12 يوماً في عام 2025 وحرب الـ 40 يوماً في عام 2026).
لقد أنجلت نتائج الانتخابات شبه النهائية عن فوز تجمع اليمين بزعامة نتنياهو (53) مقعداً، وتجمع التغيير بزعامة أيزنكوت (48) مقعداً، والتجمعين العربيين: الموحدة والمشتركة (19) مقعداً، وإذا ألقينا نظرة مُعمّقة على هذه النتائج وانعكاساتها فإننا يمكن أن نسجل ما يلي:
أولاً: أنّ نتنياهو فاز فوزاً غير ساحق في الانتخابات وذلك بمعنى أنه استعاد شرعيته أمام الإسرائيليين ولكنه لا يستطيع تشكيل الحكومة اعتماداً على حزبه "الليكود" فقط (تتألف الكنيست من 120 مقعداً ويتطلب تشكيل الحكومة من الحزب الفائز 61 مقعداً على الأقل)، وبغض النظر عن واقع توزع المقاعد بين نتنياهو وإيزنكوت (زعيم تجمع التغيير) فإنّ تشكيل نتنياهو للحكومة الإسرائيلية الجديدة يظل وارداً من خلال استقطابه لبعض أحزاب اليمين من تجمع التغيير مثل حزب "ليبرمان" أو "بينت" أو غيرهما، وذلك فضلاً عن أنه على الأرجح سوف يبقى على رأس حكومة "تصريف الأعمال" وهي ذات صلاحيات كبيرة حتى مستوى شن الحرب إذا كان ذلك ضرورياً من وجهة نظر المؤسسات الأمنية الإسرائيلية (الجيش وأجهزه الأمن بمختلف مسماتها).
ثانياً: ظل اليمين الإسرائيلي هو المهيمن على المشهد السياسي الإسرائيلي بشكل عام إذْ إنّ أحزاب تجمع التغيير (بزعامة أيزنكوت) هي يمينية في الواقع (ليبرمان، لبيد، بينت) وهذه لا تختلف كثيراً عن أحزاب تجمع الليكود بزعامة نتنياهو إلّا في أنها تريد من أن تزيح نتنياهو عن كرسي رئاسة الحكومة وفي أنها تتبنى بعض المقاربات المختلفة فيما يتعلق باستراتيجيات تحقيق الأمن لإسرائيل. إنّ من غير المبالغة أن نقول بأنّ لا وجود لليسار السياسي في إسرائيل منذ أن عجز حزب "ميرتس" عن اجتياز العتبة الانتخابية (3.25) من أصوات الناخبين، رغم جهود "يائير جولان" لترميم هذا الحزب من خلال تشكيله لحزب "الديمقراطيين الإسرائيليين".
ثالثاً: حقق تجمع التغيير نجاحاً مهماً ولكنه قد لا يكون كافياً لإزاحة نتنياهو عن السلطة إلّا إذا لجأ للاستعانة بالبرلمانيين العرب في الكنيست وهو ما تعهد بتجنبه سلفاً في حملته الانتخابية، أو شكلّ حكومة أقلية تدعمها القوائم العربية بدون أن تدخل في الوزارة، وقد تكون الإشكالية الكبرى التي تواجهه هي أن معظم الأحزاب المؤتلفة داخل تجمعه هي أقرب ما تكون إلى اليمين وقد يكون ممكناً لنتنياهو أن يستقطب بعضها إذا عقد معها بعض الصفقات السياسية، والواقع أن وصول "أيزنكوت" إلى رئاسة الوزراء يظل وارداً في ضوء التجاذبات التي سوف يشهدها الميدان السياسي الإسرائيلي في ضوء نتائج الانتخابات الأخيرة غير الحاسمة والتي قد تمهد لانتخابات أخرى كما حصل قبل عهدة الكنيست الحالية التي أمضت مدتها القانونية.
رابعاً: بروز الوزن الانتخابي للعرب في إسرائيل، إذْ حققوا (19) مقعداً للقائمتين العربيتين: الموحدة (بزعامة منصور عباس)، والمشتركة (بزعامة يوسف جبارين) وقد يرجع هذا إلى إقبال الفلسطينيين الكثيف على التصويت كنوع من "الثأر السياسي" من حكومة نتنياهو التي ارتكبت "إبادة جماعية" في غزة وترتكب فظائع يومية موصوفة في الضفة الغربية، ومن المتوقع أن يكون لهذا الوجود السياسي غير المسبوق للعرب في الكنيست تأثير في تشكيل الحكومة القادمة في إسرائيل وبالذات إذا استعان بها "أيزنكوت" لتشكيل حكومته أو على الأقل لتمريرها إذا احتاج الأمر لذلك.
خامساً: من الواضح أن السيناريوهات المحتملة في ضوء نتائج الانتخابات هي: استمرار نتنياهو في الحكم (من خلال إعادة بناء تجمعه أو اجتذاب نواب من خارجه). أو تشكيل حكومة بقيادة أيزنكوت (الذي يمثل المعارضة) وذلك من خلال التفاهم مع القوائم العربية في الكنيست، أو تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة نتنياهو أو أيزنكوت (أو بالتناوب بينهما) تتألف من تجمّعي الليكود والمعارضة.
أما فيما يتعلق بانعكاسات هذه الانتخابات على الواقع السياسي في المنطقة فلعلّ من المبكر الحديث عنها ولكن يمكن القول بأنه إذا استمر نتنياهو في الحكم فلن يكون هناك تغيير يُذكر على السياسات الإسرائيلية المعروفة والقائمة أساساً على عدم قبول قيام دولة فلسطينية (على أراضي 67 وعاصمتها القدس الشرقية)، والاستمرار في الاستيطان وبالذات في الضفة الغربية، تمهيداً لضمها، وإنشاء مناطق عازلة في جنوب لبنان وجنوب سوريا ومهاجمة إيران بالتعاون مع الولايات المتحدة، أما إذا تسلم أيزنكوت الحكم فإنّ من المتوقع أن تتغير مقاربة تحقيق الأمن الإسرائيلي حيث يتبنى أيزنكوت كما أعلن مراراً عدم الاكتفاء "بالمناطق العازلة" بل محاولة الوصول إلى اتفاقيات سياسية أمنية مع سوريا ولبنان، والتركيز على القضاء على البرنامج النووي الإيراني بدلاً من إسقاط نظامها السياسي وذلك فضلاً عن تمرير صفقة ترامب في غزة وبلورة صياغة أمنية معينة في الضفة الغربية مختلفة عن الصيغة المعتمدة حالياً بحيث لا تنتهي إلى الضم.