facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




خطاب العرش: من حماية الدولة إلى تجديد عقد الثقة بين المواطن ومؤسساتها


محمد نور الدباس
03-11-2026 12:52 PM

لم يكن خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين مجرد خطاب لافتتاح دورة برلمانية جديدة، أو مناسبة دستورية لاستعراض أولويات المرحلة المقبلة، بل حمل في مضامينه رسائل سياسية ووطنية وحقوقية تتجاوز حدود اللحظة الراهنة، لتلامس طبيعة الدولة التي نريد، وشكل العلاقة التي ينبغي أن تقوم بين المواطن ومؤسساتها، ومعايير الحكم الرشيد التي يجب أن تحكم أداء السلطات العامة.

ففي ظل إقليم مضطرب، وتهديدات أمنية متصاعدة، وتحديات اقتصادية واجتماعية ضاغطة، بدا واضحاً أن الخطاب ينطلق من معادلة أساسية مفادها أن حماية الدولة لا تنفصل عن حماية المواطن، وأن قوة المؤسسات لا تكتمل إلا بقدر ما تحظى به من ثقة المجتمع، وأن الاستقرار الحقيقي ليس مجرد غياب التهديدات، وإنما وجود دولة يشعر مواطنوها بالأمن والعدالة والكرامة وتكافؤ الفرص.

ومن أهم المحاور التي تضمنها الخطاب الملكي أن حماية الدولة تبدأ بحماية مناعتها الداخلية، فلم تكن الإشارات الملكية إلى الإرهاب والتحديات الأمنية مجرد تأكيد على موقف الدولة من تهديدات عابرة، بل حملت تذكيراً بأن الأمن الوطني منظومة متكاملة، لا تقتصر على كفاءة الأجهزة الأمنية والعسكرية، على أهميتها، وإنما تمتد إلى قوة الجبهة الداخلية، ومتانة النسيج الاجتماعي، ومستوى الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.

فالدولة التي تمتلك مؤسسات أمنية قوية، وتتمتع بقدرات دفاعية متقدمة، تحتاج بالقدر ذاته إلى مجتمع متماسك يشعر أفراده بأنهم شركاء في الوطن، وأن حقوقهم مصونة، وأن العدالة متاحة للجميع دون تمييز، ومن هنا، فإن مواجهة التطرف والإرهاب لا ينبغي أن تظل محصورة في المقاربة الأمنية، بل يجب أن تتكامل مع مقاربات تعليمية وثقافية واجتماعية واقتصادية، تعالج البيئات التي تسمح بنمو خطاب الكراهية والتطرف، وتعزز قيم المواطنة والانتماء وقبول الآخر، فالمناعة الوطنية لا تُبنى بالخوف، وإنما بالثقة، ولا تُصان بالقوة وحدها، وإنما بالعدالة أيضاً.

ومن ضمن المحاور والرسائل التي تضمنها الخطاب الملكي السامي أن سيادة القانون ليست شعاراً بل اختبار حقيقي لهيبة الدولة، فلعل من أكثر الرسائل الملكية أهمية وحسماً التأكيد على أنه لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه، أياً كان موقعه أو نفوذه، وأن الوظيفة العامة مسؤولية وواجب وليست امتيازاً، فهذه العبارة تختصر جوهر الدولة القانونية، وتضع المسؤول أمام حقيقة دستورية وأخلاقية لا تقبل التأويل (المنصب العام ليس ملكية خاصة، والسلطة ليست وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية، والنفوذ لا يجوز أن يتحول إلى مظلة تحمي المخطئ من المساءلة)، لكن الأهمية الحقيقية لهذه الرسالة تكمن في ترجمتها إلى ممارسة مؤسسية. فالمطلوب ليس فقط محاسبة من يثبت تورطه في إساءة استخدام السلطة، بل بناء منظومة وقائية تحول دون وقوع التجاوزات أصلاً، من خلال تعزيز النزاهة والشفافية، وتفعيل الرقابة الداخلية والخارجية، وضمان استقلال الجهات الرقابية، وحماية المبلغين، وتكريس مبدأ المساءلة دون انتقائية، ذلك إن هيبة الدولة لا تتعزز بسلطة المسؤول، وإنما بثقة المواطن بأن القانون يطبق على الجميع، وأن الحقوق لا تتوقف عند حدود الموقع الاجتماعي أو السياسي أو الوظيفي.

ومن المحاور والرسائل التي تضمنها الخطاب الملكي السامي أن حقوق المواطن هي المعيار الحقيقي لنجاح السياسات العامة، فحين يضع الخطاب الملكي مصلحة الأردني في صلب القرار، فإنه ينقل النقاش من مستوى الخطط الحكومية والبرامج والموازنات إلى مستوى النتائج التي يلمسها المواطن في حياته اليومية، فليس كافياً أن تعلن الحكومة عن معدلات نمو اقتصادي أو مشاريع تنموية أو خطط إصلاحية، إذا لم تنعكس هذه المؤشرات على فرص العمل، وتحسين مستوى المعيشة، وجودة التعليم، وإمكانية الوصول إلى الخدمات الصحية، والحماية الاجتماعية، والحد من الفقر والبطالة، وهنا تبرز أهمية الانتقال من مفهوم الحكومة التي تقيس نجاحها بما تنجزه من إجراءات، إلى الحكومة التي تقيس نجاحها بما تحققه من أثر في حياة الناس.

ومن منظور حقوق الإنسان، فإن هذا التحول يعني التعامل مع التعليم والصحة والعمل والحماية الاجتماعية والمياه والسكن اللائق باعتبارها حقوقاً والتزامات عامة، وليست مجرد خدمات تقدمها الإدارة متى توافرت الإمكانات، كما يعني أن تكون السياسات العامة مبنية على العدالة في توزيع الموارد والفرص، وأن تصل آثار التنمية إلى المحافظات والمناطق الأقل حظاً، وأن تكون الفئات الأكثر هشاشة حاضرة في عملية التخطيط وصنع القرار، فالمواطن لا يريد أن يكون مجرد مستفيد من سياسة حكومية، بل شريكاً في تحديد أولوياتها، ومراقباً لنتائجها، وصاحب حق في مساءلة المسؤولين عن تنفيذها.

ومن المحاور والرسائل التي تضمنها الخطاب الملكي السامي أن البرلمان أمام اختبار تجديد الثقة بالحياة السياسية، فالرسائل التي وجهها جلالة الملك إلى مجلس الأمة بشأن دوره التشريعي والرقابي، وأهمية الاختلاف في الرأي، والارتقاء بالخطاب البرلماني، تضع المجلس أمام مسؤولية تتجاوز إدارة جلساته وإقرار القوانين، والبرلمان ليس مجرد مؤسسة دستورية تستمد أهميتها من النصوص القانونية، وإنما مؤسسة تستمد شرعيتها العملية من قدرتها على التعبير عن مصالح المواطنين، والدفاع عن حقوقهم، ومراقبة أداء الحكومة، والمساهمة في تطوير التشريعات والسياسات العامة.

ومن هنا، فإن الاختلاف تحت القبة ينبغي أن يكون اختلافاً في البرامج والرؤى والاجتهادات، لا صراعاً على المصالح أو المواقع. كما أن الرقابة البرلمانية ينبغي ألا تتحول إلى ممارسة شكلية أو موسمية، بل إلى رقابة مؤسسية تستند إلى المعلومات والأدلة ومؤشرات الأداء، والأهم أن تكون التشريعات التي يناقشها المجلس منسجمة مع الدستور والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها الأردن، وأن تراعي أثرها على الحقوق والحريات، وألا تكتفي بمعالجة المشكلات الآنية دون النظر إلى انعكاساتها المستقبلية، فتجديد الثقة بالبرلمان يبدأ عندما يشعر المواطن أن صوته الانتخابي لم ينتهِ عند صندوق الاقتراع، وإنما تحول إلى تمثيل حقيقي ومساءلة مستمرة.

ومن ضمن المحاور والرسائل التي تضمنها الخطاب الملكي السامي أن حرية الرأي والاختلاف المسؤول ركيزة من ركائز الاستقرار، فتأكيد جلالة الملك أن التداول في الشأن العام حق يصونه الدستور، وأن التعبير عن الرأي المخلص والمسؤول أمر مرحب به، يحمل دلالة سياسية وحقوقية مهمة، فالدولة الواثقة من مؤسساتها لا تخشى النقاش العام، ولا تنظر إلى النقد باعتباره تهديداً، ولا تخلط بين الاختلاف في الرأي والخروج على القانون، بل إن النقد المسؤول يمثل إحدى أدوات تصحيح المسار، والكشف المبكر عن الاختلالات، وتعزيز جودة القرارات الحكومية.

ومن الضروري هنا التمييز بين حماية الدولة وحماية أداء المسؤولين؛ فالدولة ومؤسساتها ومصالحها الوطنية شأن، وأداء المسؤولين وسياسات الحكومات شأن آخر. ولا يجوز أن تتحول المحافظة على هيبة الدولة إلى مبرر لتقييد النقد المشروع أو الحد من المشاركة العامة، فحرية التعبير ليست نقيضاً للاستقرار، بل أحد شروط استدامته، شريطة أن تمارس في إطار احترام القانون وحقوق الآخرين، وأن تقابلها مؤسسات تتعامل مع النقد باعتباره فرصة للتطوير لا مناسبة للدفاع عن الذات.

ومن ضمن المحاور والرسائل التي تضمنها الخطاب الملكي السامي أن الأمن المائي نموذج للأمن الإنساني والسيادة الوطنية، فتكرار جلالة الملك التأكيد على أهمية المياه يعكس إدراكاً عميقاً لطبيعة التحديات الاستراتيجية التي تواجه الأردن، والمياه لم تعد مجرد قطاع خدمي، بل أصبحت قضية أمن وطني ترتبط بالتنمية والاستقرار والصحة العامة وحقوق الأجيال القادمة.

ومن منظور حقوق الإنسان، فإن ضمان الوصول إلى مياه مأمونة وكافية يشكل جزءاً أساسياً من الحق في مستوى معيشي لائق والحق في الصحة والحياة الكريمة، ولذلك، فإن مشاريع الأمن المائي يجب أن تقترن بحوكمة رشيدة للموارد، وعدالة في التوزيع، وتقليل الفاقد، ومكافحة الاعتداءات على مصادر المياه، وضمان استدامة المشاريع، وإشراك المجتمعات المحلية في حماية هذا المورد الحيوي، والسيادة على الموارد لا تتحقق بمجرد امتلاكها، وإنما بالقدرة على إدارتها بكفاءة وعدالة واستدامة.

ومن ضمن المحاور والرسائل التي تضمنها الخطاب الملكي السامي أن تجديد عقد الثقة يبدأ من الإدارة العامة، فإذا كان الخطاب قد أكد أن الوظيفة العامة مسؤولية وليست امتيازاً، فإن هذه الرسالة تفتح الباب أمام مراجعة أعمق لفلسفة الإدارة العامة في الأردن، فالمواطن لا يتعامل مع الدولة في المجرد، بل يتعامل معها من خلال الموظف العام، والدائرة الحكومية، والمستشفى، والمدرسة، والمحكمة، ومركز الخدمات، ومن هنا، فإن جودة الإدارة العامة ليست مسألة فنية فقط، وإنما مسألة حقوقية وسياسية تتصل بكرامة الإنسان، والمساواة أمام القانون، والحق في الحصول على الخدمات دون تمييز أو تعسف أو تأخير غير مبرر، وهذا يتطلب الانتقال من ثقافة إنجاز المعاملة إلى ثقافة خدمة المواطن، ومن قياس أداء المؤسسات بعدد الإجراءات إلى قياسه بجودة النتائج، ومن الرقابة التي تكتشف الأخطاء بعد وقوعها إلى الإدارة الوقائية التي تمنعها، كما يتطلب أن تكون معايير التعيين والترقية والتقييم قائمة على الكفاءة والنزاهة والإنجاز، وأن ترتبط المسؤولية بالمحاسبة، وأن يشعر الموظف المجتهد بأن جهده مقدر، والمسؤول المقصر بأن موقعه لا يعفيه من المساءلة.

والمطلوب من مؤسسات الدولة أن تكون قادرة على تحويل رسائل الخطاب الملكي إلى سياسات وبرامج وممارسات قابلة للقياس والتقييم، وهنا تبرز الحاجة إلى مؤشرات واضحة لمتابعة تنفيذ الأولويات الملكية، تشمل مستوى إنفاذ القانون، وجودة الخدمات العامة، وفرص العمل، والعدالة في توزيع التنمية، وفاعلية الرقابة البرلمانية، وحماية الحريات العامة، ومدى استجابة المؤسسات لشكاوى المواطنين وتظلماتهم، كما تبرز أهمية المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، والهيئات الرقابية، ومؤسسات المجتمع المدني، في متابعة الأثر الحقوقي للسياسات العامة، ورصد الفجوات بين النصوص القانونية والممارسة العملية، وتقديم التوصيات التي تساعد على تصحيح المسار، فالمساءلة ليست انتقاصاً من هيبة المؤسسات، بل ضمانة لاستمرار فاعليتها، والرقابة ليست عائقاً أمام عمل الدولة، بل إحدى وسائل حماية المال العام والحقوق والمصلحة الوطنية.

خلاصة خطاب العرش السامي أن الدولة القوية هي الدولة التي يثق بها مواطنوها، ففي المحصلة، يمكن قراءة خطاب العرش باعتباره دعوة إلى الانتقال من مفهوم حماية الدولة بمعناه التقليدي، الذي يرتكز على الأمن والسيادة ومواجهة التهديدات، إلى مفهوم أكثر شمولاً يجعل حماية الإنسان وحقوقه وكرامته جزءاً أصيلاً من منظومة الأمن الوطني، فالأردن الذي يواجه تحديات إقليمية واقتصادية وأمنية يحتاج إلى مؤسسات قوية، لكنه يحتاج أيضاً إلى مؤسسات عادلة وشفافة وخاضعة للمساءلة، ويحتاج إلى مواطن يثق بدولته، لا مواطن يكتفي بالتعايش مع مؤسساتها؛ وإلى مسؤول يدرك أن موقعه تكليف لخدمة الناس، لا فرصة لاكتساب النفوذ، وتجديد عقد الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة لا يتحقق بالخطابات وحدها، مهما بلغت أهميتها، وإنما حين يجد المواطن أن القانون يحميه، وأن صوته مسموع، وأن فرصته عادلة، وأن كرامته مصونة، وأن المسؤول يُسأل عن قراراته ونتائج أعماله، فالدولة لا تصبح قوية فقط عندما تستطيع حماية حدودها، وإنما عندما يستطيع المواطن أن يشعر بأنه محمي داخلها؛ ولا تكتمل هيبة مؤسساتها بما تمتلكه من صلاحيات، بل بما تحظى به من احترام وثقة، وتلك هي المعادلة التي ينبغي أن تتحول إلى جوهر المرحلة المقبلة المتضمنة لدولة قوية بمؤسساتها، عادلة بقانونها، رشيدة بإدارتها، ومنحازة إلى مواطنيها؛ فالثقة ليست نتيجة جانبية لنجاح الدولة، بل أحد أهم شروط نجاحها واستمرارها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :