facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




خطاب العرش .. الأردن في مواجهة الإرهاب العابر للحدود: عقيدة الردع ومناعة الجبهة الداخلية


اللواء الركن المتقاعد طلال فواز العدوان
03-11-2026 01:35 PM

لم يكن خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، مجرد خطاب دستوري يفتتح عاماً برلمانياً جديداً، بل جاء في لحظة إقليمية وأمنية دقيقة، حاملاً رسائل استراتيجية تتجاوز حدود المناسبة، وتؤكد أن أمن الأردن وسيادته ووحدته الوطنية ثوابت لا تقبل الاختبار أو المساومة.

ومن منظور عسكري وأمني، فإن ما تضمنه الخطاب الملكي من موقف حازم تجاه الإرهاب والخوارج، واستحضار تضحيات شهداء الكرك، والإشادة بدور القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي والأجهزة الأمنية، يشكل إعلاناً واضحاً عن ثبات العقيدة الأمنية الأردنية، وقدرة الدولة على حماية أمنها الوطني في مواجهة التهديدات التقليدية وغير التقليدية.

لقد وضع جلالة الملك يده على جوهر التحدي عندما أكد أن الإرهابيين لن يتمكنوا من النيل من أمن الأردن ووحدته، وأنهم خانوا الأسرة الأردنية ولا مكان لهم بين أبنائها. وهذه الرسالة لا تحمل بعداً أمنياً فحسب، بل تؤسس لموقف وطني وفكري وأخلاقي يفصل بوضوح بين المجتمع الأردني وقيمه الأصيلة، وبين الفكر التكفيري الذي يتخذ من العنف وسيلة لضرب الدولة وتفكيك المجتمعات.

الإرهاب لم يعد تهديداً محلياً تحكمه الحدود الجغرافية، بل أصبح منظومة عابرة للحدود تتداخل فيها الأيديولوجيا مع التكنولوجيا، والتمويل مع التجنيد، والشبكات المنظمة مع الأفراد الذين يتبنون العنف.

وهنا تكمن أهمية القراءة العسكرية للخطاب الملكي؛ فالأردن لا يتعامل مع تهديد أمني منفصل عن محيطه، وإنما مع بيئة إقليمية مضطربة تتشابك فيها الصراعات والمصالح، وتتحرك خلالها التنظيمات المتطرفة والشبكات غير المشروعة، مستفيدة من الفراغات الأمنية والتحولات السياسية والتكنولوجية.

من حماية الحدود إلى إدارة التهديدات العابرة للحدود

إن طبيعة التهديدات التي تواجه الأردن اليوم تفرض إعادة النظر في مفهوم الأمن الحدودي بمعناه التقليدي. فلم تعد حماية الحدود تقتصر على منع التسلل أو ضبط عمليات التهريب، بل أصبحت جزءاً من منظومة أمن وطني متكاملة تشمل الرصد الاستخباري، والاستطلاع، والإنذار المبكر، والتحليل المعلوماتي، والقدرة على الاستجابة السريعة.

وتبرز في هذا السياق مجموعة من التحديات التي تستدعي أعلى درجات اليقظة والجاهزية، وفي مقدمتها محاولات استغلال الاضطرابات الإقليمية لتمرير الأسلحة والمخدرات، وحركة العناصر المتطرفة، ونشاط الشبكات التي تقدم الدعم اللوجستي والمالي للتنظيمات الإرهابية.

كما أن تطور وسائل الاتصال والتكنولوجيا أتاح للتنظيمات المتطرفة تجاوز الحدود الجغرافية، والوصول إلى الأفراد والمجتمعات عبر الفضاء الإلكتروني، مستفيدة من الدعاية المضللة وخطاب الكراهية والاستقطاب الفكري.

ومن هنا، فإن مفهوم الأمن الوطني الحديث يجب أن يقوم على الانتقال من الاستجابة للتهديد بعد وقوعه إلى استشرافه ومنع تشكله، من خلال منظومة استخبارية ومؤسسية متكاملة، وتعاون وثيق بين القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والجهات المعنية.

إن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على التعامل مع التهديد عند وقوعه، وإنما بقدرتها على اكتشافه مبكراً وإحباطه قبل أن يتحول إلى خطر يمس أمن المواطنين واستقرار المؤسسات.

الفكر التكفيري.. الخطر الذي يسبق الإرهاب

من واقع الخبرة العسكرية والأمنية، فإن مواجهة الإرهاب لا يمكن أن تنجح إذا اقتصرت على التعامل مع المظاهر المسلحة، وأغفلت البيئة الفكرية التي تنتج التطرف وتمنحه المبررات الزائفة.

فالفكر التكفيري يمثل المرحلة الأخطر في مسار التطرف، لأنه يسعى إلى إحداث قطيعة بين الفرد ومجتمعه، ويعمل على هدم منظومة القيم الوطنية والدينية، وصولاً إلى إقناع أتباعه بأن العنف ضد الدولة والمواطنين واجب أو مبرر.

وهذا الفكر لا يستهدف مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية فقط، بل يستهدف أساس العلاقة بين المواطن ووطنه، ويحاول ضرب الثقة بالمؤسسات، وإضعاف مفهوم المواطنة، وإحلال الولاء للتنظيمات المتطرفة محل الانتماء الوطني.

ومن هنا، فإن مواجهة الفكر التكفيري مسؤولية وطنية مشتركة، تتطلب دوراً فاعلاً للمؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية، إلى جانب المؤسسات الأمنية، من خلال نشر ثقافة الاعتدال، وتعزيز الوعي الديني الصحيح، وتحصين الشباب من محاولات التجنيد والاستقطاب.

ولا بد من التأكيد أن الإسلام دين اعتدال ورحمة، وأن استخدام الدين غطاءً للقتل والتدمير والتكفير يمثل انحرافاً فكرياً وسلوكياً لا علاقة له بجوهر الرسالة الإسلامية.

فالمعركة الحقيقية مع الإرهاب تبدأ من العقل قبل الميدان، ومن تحصين الإنسان قبل مواجهة السلاح.

الجيش العربي والأجهزة الأمنية.. منظومة الردع والحماية

لقد حملت إشادة جلالة الملك بالقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي والأجهزة الأمنية دلالات عسكرية ومعنوية مهمة، فهي تعكس الثقة الملكية الراسخة بالمؤسسات التي تحمل مسؤولية الدفاع عن الوطن وحماية أمنه واستقراره.

إن الجيش العربي ليس مجرد مؤسسة عسكرية تؤدي واجبات الدفاع التقليدية، بل هو ركيزة أساسية في منظومة الأمن الوطني، ويمثل امتداداً لتاريخ الدولة الأردنية وتضحيات رجالاتها الذين قدموا أرواحهم دفاعاً عن الأردن وكرامته وسيادته.

كما أن الأجهزة الأمنية تشكل خط الدفاع المتقدم في مواجهة التهديدات الداخلية والخلايا المتطرفة والشبكات الإجرامية، من خلال العمل الاستخباري والمهني والتنسيق المؤسسي، وفي إطار سيادة القانون وحماية أمن المواطنين.

ومن الضروري في المرحلة المقبلة مواصلة الاستثمار في تطوير القدرات العسكرية والأمنية، ورفع كفاءة التدريب والتأهيل، وتحديث منظومات المراقبة والاتصال والاستطلاع، وتعزيز قدرات الأمن السيبراني، بما يتناسب مع التحولات المتسارعة في طبيعة التهديدات.

كما أن التكامل بين المؤسسات العسكرية والأمنية يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق الردع الفاعل؛ فالأمن الوطني لا يقوم على مؤسسة واحدة، وإنما على منظومة متكاملة تتبادل المعلومات والخبرات، وتعمل ضمن رؤية استراتيجية موحدة.

الجبهة الداخلية.. خط الدفاع الاستراتيجي الأول

لعل من أعمق الرسائل التي حملها خطاب العرش تأكيد جلالة الملك أن قوة الأردن تكمن في شعبه، وأن المحن تزيد الأردنيين وحدة ووعياً وحكمة.

وهذه العبارة تحمل مضموناً استراتيجياً بالغ الأهمية في العلوم العسكرية والأمنية؛ فالجبهة الداخلية ليست مفهوماً اجتماعياً منفصلاً عن الأمن الوطني، بل تمثل أحد أهم عناصر القوة الشاملة للدولة.

إن التنظيمات الإرهابية لا تسعى دائماً إلى تحقيق انتصار عسكري مباشر، وإنما قد يكون هدفها إحداث صدمة مجتمعية، وإثارة الخوف، وزعزعة الثقة، وإنتاج حالة من الانقسام والارتباك داخل المجتمع.

ولذلك فإن إفشال أهداف الإرهاب لا يتحقق فقط بالقبض على المتورطين وملاحقة الخلايا، بل أيضاً بإظهار تماسك المجتمع، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، ورفض خطاب الكراهية والتخوين والانقسام.

إن المواطن الأردني شريك في حماية الأمن الوطني، من خلال وعيه ومسؤوليته، والتزامه بالقانون، وعدم الانسياق وراء الشائعات والمعلومات المضللة التي قد تستغلها الجهات المعادية للنيل من استقرار الوطن.

وهنا تتجلى خصوصية التجربة الأردنية؛ فالتلاحم بين القيادة والشعب والجيش والأجهزة الأمنية شكل عبر عقود أحد أهم مصادر قوة الدولة وقدرتها على تجاوز الأزمات.

الإقليم المضطرب ومسؤولية حماية السيادة الوطنية

لا يمكن فصل الأمن الأردني عن التطورات الجيوسياسية في المنطقة، فالأردن يقع في محيط إقليمي تتداخل فيه الصراعات العسكرية والأمنية، وتنعكس تداعياتها على أمن الحدود والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

إن استمرار الصراعات، وما ينتج عنها من انتشار للسلاح، ونشاط للجماعات المسلحة، وتنامي شبكات الجريمة المنظمة والتهريب، يفرض على الأردن المحافظة على أعلى مستويات الجاهزية والاستعداد.

ومن هنا، فإن الموقف الأردني القائم على عدم السماح باستخدام الأراضي الأردنية منصة للاعتداء على أي دولة، أو تحويل المملكة إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، يمثل خياراً سيادياً واستراتيجياً يحمي المصالح الوطنية ويصون استقلال القرار الأردني.

كما أن التعاون مع الدول الشقيقة والصديقة في مجال مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات والخبرات الأمنية يشكل ضرورة لمواجهة التهديدات التي لا تستطيع دولة بمفردها احتواءها.

وفي هذا الإطار، يجب أن تبقى حماية السيادة الوطنية أولوية مطلقة، وأن تستند السياسة الأمنية إلى تقدير دقيق للمخاطر، والجاهزية العسكرية، والقرار الوطني المستقل.

شهداء الكرك.. ذاكرة وطن وعقيدة تضحية

إن استحضار جلالة الملك لدماء شهداء الكرك في خطاب العرش ليس مجرد استذكار لمناسبة مؤلمة، بل هو تأكيد على أن تضحيات الأردنيين في سبيل الوطن تشكل جزءاً من الذاكرة الوطنية وعقيدة الدولة في مواجهة الإرهاب.

فالشهداء الذين قدموا أرواحهم دفاعاً عن الأردن يمثلون عنواناً للوفاء والتضحية والانتماء، ويؤكدون أن أمن الوطن ليس شعاراً، وإنما مسؤولية يحملها رجال القوات المسلحة والأجهزة الأمنية بكل شرف واقتدار.

ومن موقع المسؤولية العسكرية، فإن الوفاء للشهداء يقتضي مواصلة تطوير قدرات المؤسسات التي دافعوا عنها، وتعزيز جاهزيتها، وتوفير كل ما يلزم لأبنائها للقيام بواجباتهم، إلى جانب ترسيخ ثقافة وطنية تقدر التضحية وتحفظ مكانة الشهداء وذويهم.

خطاب العرش.. عقيدة وطنية تتجاوز اللحظة

إن ما يميز خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أنه لم يتعامل مع الإرهاب بوصفه حادثاً أمنياً عابراً، وإنما وضعه في سياق أوسع يرتبط بأمن الدولة وسيادتها ووحدة شعبها، وبقدرة الأردن على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.

كما أن ربط الأمن بالاستقرار السياسي والاقتصادي، وبالأمن المائي وحماية الموارد الوطنية، يعكس فهماً شاملاً للأمن الوطني؛ فالأمن العسكري لا ينفصل عن الأمن الاقتصادي والمائي والغذائي والاجتماعي، وجميعها تشكل عناصر في منظومة الأمن الشامل للدولة.

إن الأردن يحتاج في هذه المرحلة إلى مواصلة تطوير استراتيجيته الأمنية والدفاعية، وتعزيز قدراته الاستباقية، وتحصين مجتمعه فكرياً، والمحافظة على كفاءة مؤسساته، مع ترسيخ سيادة القانون باعتبارها أساس الاستقرار والثقة بين الدولة والمواطن.

إن الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من خطاب العرش أن قوة الأردن لا تكمن في قدرته على مواجهة الخطر فحسب، بل في قدرته على منع الخطر من التحول إلى تهديد، وفي مناعة مؤسساته، وتماسك شعبه، وصلابة عقيدته الوطنية.

وفي المحصلة، فإن الأردن لم يكن يوماً دولة تبحث عن الحرب أو المواجهة، لكنه دولة تعرف قيمة أمنها، وتحسن تقدير المخاطر، وتمتلك جيشاً عربياً محترفاً وأجهزة أمنية كفؤة وقيادة حكيمة وشعباً يلتف حول وطنه.

وسيظل الجيش العربي والأجهزة الأمنية درع الوطن وسياجه المنيع، وستبقى الوحدة الوطنية خط الدفاع الاستراتيجي الأول، وسيبقى الأردن بقيادته الهاشمية عصياً على الإرهاب والتطرف وكل محاولات النيل من أمنه واستقراره.

حفظ الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وحمى جيشنا العربي وأجهزتنا الأمنية، ورحم شهداء الوطن الذين كتبوا بدمائهم صفحات العزة والكرامة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :