facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




المياه أولاً .. إدارة الندرة وبناء أمن مائي يحمي الاقتصاد


د. حمد الكساسبة
03-11-2026 01:56 PM

عندما كرر جلالة الملك عبدالله الثاني في خطاب العرش كلمة المياه ثلاث مرات، كانت الرسالة واضحة: المياه لم تعد ملفاً خدمياً فقط، بل قضية أمن وطني واستقرار اقتصادي. فالماء يرتبط بالغذاء والزراعة والصناعة والاستثمار، وأي ضغط على موارده ينعكس على الاقتصاد والمجتمع. ومن هنا تأتي أهمية البناء على ما تحقق، وتسريع المشاريع القائمة، وتوسيع الحلول التي تساعد المملكة على إدارة ندرة المياه بكفاءة أكبر. فالأمن المائي لا يُبنى بمصدر واحد، بل بمنظومة تجمع زيادة الإمداد، وخفض الفاقد، وكفاءة الاستخدام، والحصاد، وإعادة الاستخدام، وحماية الحقوق المائية.

وفي هذا الإطار، تستند المملكة إلى مجموعة من المشاريع والبرامج التي تعزز أمنها المائي، وفي مقدمتها مشروع الناقل الوطني، إلى جانب خفض الفاقد، والتوسع في إعادة استخدام المياه، وتطوير الحصاد المائي. وتزداد قيمة هذه المسارات كلما تكاملت ضمن منظومة واحدة ترفع كفاءة استخدام الموارد وتحقق أفضل عائد ممكن من كل متر مكعب متاح.

ومع بداية هذا الشتاء، تبرز أهمية مواصلة تعزيز جاهزية منشآت الحصاد للاستفادة من الحالات المطرية. فالأردن يمتلك شبكة من السدود والحفائر والبرك والحواجز، ويمكن البناء على هذه البنية من خلال برامج الصيانة الدورية، وإدارة الرسوبيات ومجاري التجميع، والتوسع المدروس في المواقع الجديدة التي تثبت الدراسات جدواها. فبعض أمطار المملكة يأتي خلال منخفضات قوية وفي فترات قصيرة، وكلما ارتفعت جاهزية منظومة الحصاد زادت قدرتنا على الاستفادة من المياه المتاحة في وقتها.

وهنا يمكن توسيع مفهوم الجاهزية المائية قبل كل موسم مطري، بحيث لا يقتصر التقييم على عدد منشآت الحصاد، بل يشمل قدرتها الفعلية على استقبال المياه وتخزينها، والمواقع التي يمكن تحسين الاستفادة من الجريان فيها. ويمكن أن يمتد الحصاد إلى المزارع والمصانع والمدارس والجامعات والمباني العامة، وكذلك المباني الجديدة، إلى جانب تغذية المياه الجوفية في المواقع الملائمة. الفكرة ليست إنشاء منشأة في كل مكان، بل اختيار الحل الأنسب وفق الجدوى والكلفة والحاجة.

ولا تكتمل منظومة الأمن المائي من دون حماية حقوق الأردن في المياه المشتركة، خصوصاً في الشمال وحوض نهر اليرموك، مع استمرار التعاون مع دول الجوار وفق الاتفاقيات القائمة وبما يحفظ مصالح المملكة. وفي بلد محدود الموارد المائية، تصبح إدارة كل مصدر جزءاً من معادلة متكاملة: ما نستطيع تحليته نحليه، وما نستطيع حصاده نحصده، وما يمكن توفيره من الفاقد نوفره، وما يمكن إعادة استخدامه نعيده، وما لنا من حقوق مائية نحافظ عليها.

ولهذه المعادلة قيمة اقتصادية مباشرة. فكل كمية من المياه نوفرها من خفض الفاقد، أو نضيفها من الحصاد وإعادة الاستخدام، تقلل الضغط على المصادر الأعلى كلفة، فيما يمنح استقرار التزويد قطاعات الزراعة والصناعة والسياحة والاستثمار قدرة أكبر على التخطيط والنمو. وفي الزراعة، تبقى التكنولوجيا جزءاً أساسياً من المعادلة؛ فالري الذكي، والاستشعار عن بُعد، واختيار المحاصيل الأعلى إنتاجية وقيمة مقابل المياه المستخدمة، يمكن أن يرفع إنتاجية المياه والعائد الاقتصادي من كل متر مكعب، ويربط الأمن المائي بصورة أوثق بالأمن الغذائي.

ومن هنا تبرز أهمية النظر إلى مصادر المياه ضمن محفظة واحدة، تُقارن فيها كلفة المتر المكعب وموثوقية كل مصدر وسرعة توفيره وأثره الاقتصادي.

فالمسارات المختلفة للأمن المائي يجب أن تعمل بصورة متكاملة، لا كبدائل متنافسة. ويساعد هذا النهج على توجيه الاستثمار نحو الخيارات الأكثر جدوى، مع توسيع مشاركة القطاع الخاص والمزارعين والمؤسسات والمجتمع، من دون أن يحل ذلك محل المشاريع الاستراتيجية الكبرى.

وقد قطع الأردن خطوات مهمة في مواجهة تحدي المياه، وتكمن الفرصة اليوم في تعظيم أثر ما تحقق، وتسريع المشاريع القائمة، وإبقاء المجال مفتوحاً أمام حلول جديدة تثبت جدواها. ففي بلد محدود المياه، لا تُقاس متانة الأمن المائي بحجم الموارد وحده، بل بكفاءة إدارة كل متر مكعب. وكل متر نوفره من الفاقد، أو نحصده من المطر، أو نعيد استخدامه، أو نحافظ على حقنا فيه، يقلل كلفة المستقبل ويعزز قدرة الاقتصاد على الصمود والنمو. وهنا يمكن لإدارة الندرة أن تتحول من عبء تفرضه الجغرافيا إلى عنصر قوة تصنعه الإدارة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :