من الحسين بن طلال إلى عبدالله الثاني والحسين بن عبدالله .. ثلاثة أجيال ورؤية هاشمية في زمن تصادم المشاريع
الدكتور علي فواز العدوان
03-11-2026 07:52 PM
خطاب العرش الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، حدد أولويات الدولة و استعرض التحديات التي تواجه الأردن، سياسيا واستراتيجيا و حاضر المنطقة ومستقبلها، وأعاد تأكيد فكر الدولة الهاشمية التي لم تنفصل يوماً عن محيطها العربي، ولم تتخلَّ عن مسؤولياتها التاريخية، مهما تبدلت موازين القوى وتعاظمت الضغوط وتشابكت المشاريع الدولية والإقليمية.
وفي ثنايا الخطاب، يمكن قراءة معادلة سياسية تختصر ثلاثة أجيال من الحكم الهاشمي: الحسين بن طلال، الذي وضع الأسس وبنى الدولة في زمن التحولات الكبرى، وعبدالله الثاني الذي يقود الأردن في مرحلة تتداخل فيها الحروب مع الاقتصاد والجغرافيا مع الأمن، والحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، الذي يمثل امتداداً للمسؤولية الوطنية والاستعداد لمستقبل تتغير فيه طبيعة التحديات وأدوات القوة والنفوذ.
إنها ليست مسألة تعاقب زمني بين أب وابن وحفيد، بقدر ما هي استمرارية لرؤية سياسية تقوم على حماية الأردن، وصون استقلال قراره، والتمسك بالهوية العربية، والدفاع عن قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والقدس، باعتبارها ثوابت لا تخضع لمعادلات الربح والخسارة السياسية.
الحسين بن طلال.. التأسيس في زمن العواصف
حين نستحضر الراحل الكبير الملك الحسين بن طلال، فإننا نستحضر مرحلة لم تكن أقل تعقيداً من واقعنا الراهن؛ حروب عربية، وانقسامات إقليمية، وصراعات دولية، وتبدلات متسارعة في خرائط التحالفات وموازين القوى. ومع ذلك، استطاع الأردن أن يحافظ على كيانه السياسي، وأن يرسخ مؤسساته، وأن يبقى حاضراً في قضايا أمته، رغم محدودية الموارد وصعوبة الموقع الجيوسياسي.
لقد ارتبطت الرؤية السياسية للملك الحسين بمفهوم الدولة التي تحمي نفسها دون أن تنعزل عن محيطها، وتدافع عن مصالحها دون أن تتخلى عن التزاماتها العربية. ومن هذه المدرسة السياسية تشكلت معادلة أردنية قوامها الاعتدال دون التفريط، والانفتاح دون الارتهان، والواقعية السياسية دون التخلي عن المبادئ.
ولم تكن هذه المعادلة شعاراً عاطفياً، بل ممارسة سياسية في التعامل مع الحروب والأزمات، ومع القضية الفلسطينية، والعلاقات العربية والدولية، وصولاً إلى بناء مؤسسات الدولة الأردنية الحديثة.
عبدالله الثاني.. إدارة الحاضر وحماية المستقبل
اليوم، يقف جلالة الملك عبدالله الثاني أمام مشهد إقليمي أكثر تشابكاً؛ فالصراع لم يعد محصوراً في حدود الدول، ولم تعد أدوات القوة تقتصر على الجيوش والسلاح، بل امتدت إلى الممرات البحرية، والطاقة، والمياه، والغذاء، والتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والاقتصاد الرقمي، والتحكم بمسارات التجارة العالمية.
ومن هنا تكتسب كلمات الملك في خطاب العرش دلالاتها الاستراتيجية، عندما تحدث عن الإرهاب والخوارج، وأمن الحدود، ودور القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، ثم انتقل إلى القضية الفلسطينية، والمصلحة الاقتصادية للمواطن، والمشاريع الكبرى، ليضع الأمن الوطني والتنمية والاستقرار الاجتماعي في إطار واحد.
فالملك يدرك أن أمن الدولة لا ينفصل عن أمن المجتمع، وأن حماية الحدود لا تكتمل دون حماية الاقتصاد، وأن قوة المؤسسة العسكرية والأمنية تحتاج إلى جبهة داخلية متماسكة، ومواطن يشعر بأن الدولة حاضرة في حياته ومعيشته ومستقبل أبنائه.
ولعل تكرار عبارة «المياه، المياه، المياه» لم يكن مجرد تأكيد على قطاع خدمي، بل إعلاناً عن مفهوم متقدم للأمن الوطني؛ فالمياه في الأردن قضية سيادة واستدامة واستقرار، ومرتبطة بالأمن الغذائي والزراعي والصناعي، وبحقوق الأجيال القادمة.
وهذا ما يجعل خطاب العرش يتجاوز حدود المناسبة الدستورية إلى تحديد أولويات الدولة في بيئة إقليمية تتعرض فيها الموارد والبنى التحتية والممرات الحيوية لمخاطر متزايدة.
الحسين بن عبدالله.. المستقبل الذي يتشكل الآن
أما سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، فهو يمثل الجيل الذي يستعد لتحمل مسؤولية المستقبل في عالم لم تعد فيه الحدود التقليدية كافية لفهم السياسة أو إدارة الاقتصاد.
فالمستقبل الذي يتشكل أمام المنطقة لن تحكمه فقط الجغرافيا السياسية، بل ستحدده أيضاً القدرة على امتلاك التكنولوجيا، وإدارة المعرفة، وبناء الاقتصاد الإنتاجي، وتطوير الطاقة، وتأمين المياه والغذاء، وتعزيز قدرة الشباب على المنافسة في اقتصاد عالمي سريع التحول.
ومن هنا، فإن حضور ولي العهد في الملفات الاقتصادية والاستراتيجية، ومشاركته في متابعة المشاريع الوطنية الكبرى، يعكس أهمية إعداد جيل القيادة للتعامل مع أدوات القوة الجديدة، دون الانفصال عن الثوابت التي تأسست عليها الدولة الأردنية.
فالماضي يمتد للمستقبل، بخبرة تراكمية تحميه من أخطاء التجارب، والحاضر ليس مرحلة انتظار، بل مسؤولية بناء واستعداد، والمستقبل ليس مجرد انتقال في المواقع، بل استمرار لمشروع الدولة ومؤسساتها ورسالتها.