الاعتداء على المياه في الأردن .. خيانة للأمانة الوطنية وتهديد للأمن القومي
أ.د. أحمد منصور الخصاونة
05-11-2026 03:27 PM
في وطنٍ كالأردن، حيث تشكّل ندرة المياه أحد أخطر التحديات الاستراتيجية، لا يمكن النظر إلى الاعتداء على مصادر المياه وشبكاتها باعتباره مجرد مخالفة قانونية أو تجاوزًا إداريًا، بل هو اعتداء مباشر على حق المواطن في الحياة، وتهديد للأمن المائي والاقتصادي والاجتماعي، وسلوك يبلغ في خطورته المعنوية مستوى الخيانة العظمى للوطن والمواطنين.
فالمياه في الأردن ليست موردًا طبيعيًا عاديًا، بل ثروة وطنية نادرة، وأمانة في أعناق الجميع. وكل متر مكعب يُسرق من الشبكات، أو يُهدر نتيجة اعتداء متعمّد، هو اعتداء على حق أسرة أردنية، وحرمان لمزارع أو مستشفى أو مدرسة من مورد أساسي لا غنى عنه.
لقد أولى جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم قضية المياه اهتمامًا استراتيجيًا بالغًا، انطلاقًا من إدراك جلالته أن الأمن المائي يشكّل ركيزة أساسية من ركائز الأمن الوطني، وأن توفير المياه للمواطنين ليس مجرد تحدٍّ خدمي أو اقتصادي، بل قضية سيادية ترتبط باستقرار الدولة ومستقبل أجيالها.
وقد جاءت التوجيهات الملكية السامية واضحة وحاسمة في التأكيد على ضرورة إعطاء ملف المياه أولوية وطنية قصوى، والبحث عن مصادر جديدة ومستدامة، وتسريع تنفيذ المشاريع الاستراتيجية الكبرى، وفي مقدمتها مشروع الناقل الوطني للمياه، الذي يُعد أحد أهم المشاريع الوطنية الهادفة إلى مواجهة الشح المائي وتعزيز قدرة المملكة على تلبية احتياجاتها المستقبلية. ومن هنا، فإن حماية الموارد المائية القائمة لا تقل أهمية عن البحث عن مصادر جديدة؛ إذ لا يعقل أن تنفق الدولة موارد مالية ضخمة لتوفير المياه، بينما تتعرض شبكاتها للاعتداء والاستجرار غير المشروع والهدر المتعمد. فكل قطرة ماء تُحمى اليوم هي استثمار في أمن الأردن واستقراره ومستقبل أبنائه.
ولا تقل أهمية الحلول التقنية والتكنولوجية عن الإجراءات القانونية والتشريعية؛ فالأردن بحاجة إلى تبنّي منظومة وطنية ذكية ومتكاملة لإدارة الموارد المائية وحمايتها، تقوم على توظيف أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء وتحليل البيانات الضخمة والعدادات الذكية وأنظمة الاستشعار والمراقبة الرقمية.
وتتيح هذه التقنيات مراقبة شبكات المياه بصورة مستمرة، والكشف المبكر عن التسربات والاعتداءات غير المشروعة، وتحليل أنماط الاستهلاك، ورصد المؤشرات غير الطبيعية التي قد تدل على وجود استجرار غير قانوني، بما يمكّن الجهات المختصة من التدخل السريع والحد من الفاقد المائي. كما يمكن توظيف تقنيات التنبؤ الذكي لتحديد المناطق الأكثر عرضة للتسربات والاعتداءات، وتحسين توزيع المياه ورفع كفاءة تشغيل الشبكات وصيانتها. والأهم من ذلك، ضرورة الانتقال من المعالجة التقليدية للمشكلات بعد وقوعها إلى الإدارة الاستباقية الذكية للأمن المائي ، من خلال التكامل بين وزارة المياه والري وشركات المياه والجامعات ومراكز البحث العلمي، وتطوير حلول وطنية مبتكرة قابلة للتطبيق. إن الاستثمار في التكنولوجيا لحماية المياه لم يعد ترفًا تقنيًا، بل ضرورة وطنية واستراتيجية، لأن حماية الموارد المائية تعني حماية الاقتصاد والمجتمع والأمن الوطني، وضمان حق الأجيال القادمة في هذا المورد الحيوي الذي لا بديل عنه.
وإذا كانت الدولة تسخّر إمكاناتها وتبحث عن حلول استراتيجية لتوفير كل قطرة ماء، فمن غير المقبول أن يقابل بعض المستهترين هذه الجهود بالاعتداء على الشبكات أو الاستجرار غير المشروع أو العبث بالمصادر المائية.
إن حماية المياه مسؤولية وطنية مشتركة، تستوجب تطبيق القانون بحزم، وتشديد العقوبات الرادعة ضمن الأطر الدستورية والتشريعية، وعدم التهاون مع الاعتداءات المتعمّدة، خصوصًا تلك التي تتم بصورة منظمة أو متكررة أو تستهدف البنية التحتية الحيوية.
كما أن مواجهة الأزمة تتطلب تعزيز ثقافة المسؤولية المجتمعية، وتطوير إدارة الموارد، وإعادة استخدام المياه المعالجة، والاستثمار في التحلية والطاقة المتجددة، بما ينسجم مع الرؤية الملكية لتحقيق أمن مائي مستدام.
إن الاعتداء على المياه ليس اعتداءً على مؤسسة حكومية أو شركة مياه فحسب، بل على وطن بأكمله، وعلى مستقبل أبنائه وحق الأجيال القادمة في الحياة الكريمة.
فمن يعتدي على مياه الأردن يعتدي على أمنه واستقراره ومستقبله، ومن يحمي قطرة ماء يحمي وطنًا.
حفظ الله الأردن عزيزًا قويًا منيعًا، في ظل قيادته الهاشمية الحكيمة.