facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




ابن سكينة لرمضان الرواشدة: أسلوبية السرد وصون الذاكرة والتراث


05-11-2026 04:26 PM

عمون - قراءة الشاعر والمسرحي د. علي الشوابكة - تأخذنا مجموعة «ابن سكينة» لرمضان الرواشدة إلى عوالم إنسانية واجتماعية تتشكل من تفاصيل الحياة اليومية، ومن ذاكرة المكان والناس، ومن الحكايات التي تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها تحمل في داخلها أسئلة تتصل بالهوية والانتماء والتحولات الاجتماعية والسياسية. وقد وجدت أن المدخل الأنسب إلى قراءة هذه المجموعة هو النظر في الطريقة التي يبني بها الكاتب حكايته، وفي علاقته بالبيئة التي يستمد منها شخصياته وأحداثه، ثم في الكيفية التي تتحول بها هذه المادة الحياتية إلى ذاكرة مكتوبة تحفظ شيئاً من ملامح المجتمع الأردني.

منذ القصة التي تحمل المجموعة عنوانها، «ابن سكينة»، يضعنا الكاتب أمام تجربة تتصل بالاسم والنسب والهوية الاجتماعية، وهي تجربة تكشف عن حساسية المجتمع تجاه الألقاب والانتماءات، وما قد تحمله من أحكام مسبقة. يروي الكاتب موقفاً يبدأ بسؤال عابر: «شو اسمك عمّو؟»، ثم تتوالى الأسئلة والإجابات، وصولاً إلى قوله: «أنا ابن إسماعيل»، فيجيبه الآخر: «آه... يعني ابن سكينة؟». ومن هذا الحوار تتولد أزمة الشخصية؛ إذ لا يعود الاسم مجرد وسيلة للتعريف، وإنما يصبح مدخلاً إلى استدعاء تاريخ عائلي واجتماعي، وإلى مواجهة نظرة الآخرين وما تختزنه من تصنيفات وأحكام. ويكشف هذا المشهد عن قدرة الكاتب على التقاط موقف من الحياة اليومية وتحويله إلى سؤال سردي يتصل بالكرامة والهوية والذاكرة العائلية.

واللافت في هذه القصة أن الرواشدة لا يقدم الشخصية من خلال وصف خارجي مطوّل، وإنما يترك الحوار يكشف تدريجياً عن موقعها النفسي والاجتماعي. فالسؤال المتكرر عن الاسم، وما يتبعه من استغراب وإحراج، يصنعان توتراً يتصاعد داخل الشخصية. كما أن انتقال السرد بين الفصحى واللهجة المحكية يمنح الحوار صدقه الاجتماعي، ويجعل القارئ قريباً من طبيعة العلاقة بين المتحدثين. وفي هذا السياق تبدو العامية جزءاً من بناء الشخصية وبيئتها، لا إضافة شكلية إلى النص.

وتتأكد هذه السمة في قصة «أم عودة»، التي أراها من القصص المهمة في المجموعة من زاوية صلتها بالذاكرة الوطنية والاجتماعية. يستعيد الكاتب شخصية امرأة أردنية من بيئة الكرك، ويربط حكايتها بمرحلة تاريخية تتصل بحرب رمضان عام 1973، وبمشاركة الأردن في الدفاع عن سورية، وبسيرة زوجها الذي ارتبط بالجيش وبالتحولات التي عاشتها المنطقة. ثم ينتقل إلى ما تعرضت له الكرك من أحداث لاحقة، وإلى حضور الأم في حياة ابنها عودة، الذي تربى على قيم الوفاء والمسؤولية والانتماء.

وتبرز قيمة هذه القصة في الطريقة التي يربط بها الكاتب سيرة المرأة بسيرة الوطن. فأم عودة لا تظهر شخصية هامشية في حدث تاريخي، وإنما امرأة تحمل ذاكرة أسرتها وبلدها، وتواصل حياتها في ظل غياب الزوج، ثم تربي ابنها على معنى المسؤولية. وفي المشهد الذي تزورها فيه مجموعة من الرجال ويقدمون لها العلم الأردني، تستعيد القصة معنى الشهادة والتضحية، وترد العبارة الواضحة: «شهداء دفاعاً عن الوطن» (ص 19). إن هذا المشهد يضع التجربة الفردية في سياقها الوطني، ويكشف كيف تسكن الأحداث الكبرى داخل البيوت، وكيف تتحول الذاكرة العامة إلى جزء من الذاكرة العائلية.

ومن زاوية الحفاظ على التراث، تتيح لنا «أم عودة» الوقوف عند مجموعة من القيم الاجتماعية التي تشكل جانباً من الموروث الأردني، مثل الكرامة، والوفاء، والاعتزاز بالأسرة، والارتباط بالأرض، ومكانة المرأة في مواجهة المحن. كما أن استحضار البيئة الكركية وأسماء الأمكنة والوقائع يمنح القصة طابعاً محلياً واضحاً. وهنا ينجح الكاتب في وصل الحكاية الشخصية بالسياق التاريخي، من غير أن يفقدها بعدها الإنساني.

وفي قصة «المطحون» يتجه السرد إلى صورة الإنسان القادم من الجنوب، الذي يحمل آمالاً بسيطة في مدينة لا تمنحه بسهولة ما يبحث عنه. نلتقي بسالم، الذي يصل إلى المدينة مثقلاً بالفقر والحاجة، ويبحث عن عمل يتيح له أن يعيش بكرامة. وحين يسأل عن الطريق، تأتيه الإجابة: «اذهب إلى ساحة المسجد الحسيني في وسط البلد» (ص 24). وهذه الإشارة المكانية ذات دلالة؛ فهي تستحضر فضاءً معروفاً من فضاءات عمّان، وتضع الشخصية في قلب المدينة وحركتها اليومية.

ويقدم الكاتب من خلال سالم صورة العامل الذي يطارد فرصة العمل، ويصطدم بواقع اقتصادي قاسٍ، فيما تتسع المسافة بين أحلامه وما يستطيع تحقيقه. وتتحول المدينة في هذه القصة إلى مكان للاختبار؛ فهي تعد بالعمل والحياة، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن وجوه الحرمان والتفاوت الاجتماعي. ويستوقفني هنا أن الكاتب لا يعالج الفقر من خلال خطاب مباشر وحده، وإنما يجسده في حركة الشخصية، وفي بحثها عن العمل، وفي تفاصيل عيشها، وفي العلاقة التي تنشأ بينها وبين المكان.

أما أسلوبياً، فتتسم هذه القصة بوضوح المشهد وتتابع الأحداث، وبحضور الحوار في رسم العلاقات الاجتماعية. كما أن وصف الأماكن والشوارع والمحال يتيح للقارئ أن يتابع حركة الشخصية داخل المدينة. ومن هنا تبرز قيمة المكان في المجموعة؛ فالمدينة ليست خلفية محايدة، وإنما قوة تؤثر في مصائر الشخصيات وتكشف عن أحوالها.

وتتعدد في المجموعة صور الإنسان الذي يواجه ضغوط الحياة، وتظهر هذه النزعة في قصص مثل «المطحون» و«طريد الشوارع» و«القزم» و«الشمعة الأخيرة». وتجمع هذه النصوص، على اختلاف حكاياتها، عناية بالإنسان الذي يجد نفسه في مواجهة ظروف تتجاوز قدرته، وبالأسئلة التي تثيرها علاقته بالمجتمع ومؤسساته. ويبدو أن الرواشدة يميل إلى الاقتراب من الشخصيات التي لا تحظى عادة بمساحة كافية في الخطاب العام، فيمنحها حضوراً سردياً ويجعل من حكاياتها مجالاً للنظر في التفاوت والظلم والهشاشة الإنسانية.

ومن الملامح اللافتة في أسلوب الكاتب اعتماده على التفاصيل اليومية بوصفها مفاتيح للدلالة. ففي قصة «العناكب» تنطلق الحكاية من صورة مألوفة، ثم تتسع هذه الصورة لتصبح علامة على الخوف والاضطراب والشعور بالملاحقة. يقول الراوي: «أرى عنكبوتاً» (ص 80)، وتتكرر صورة العنكبوت في علاقته بالبيت والأسرة والناس، حتى تتحول إلى هاجس يسيطر على الشخصية. ثم يتكشف للقارئ أن ما يبدو في البداية خوفاً من كائن صغير يتصل بحالة نفسية واجتماعية أعمق.

وتكشف هذه القصة عن قدرة الكاتب على الانتقال من الواقعي إلى الرمزي، ومن تفصيل محدود إلى دلالة تتسع مع تطور الحكاية. فالعنكبوت هنا يتجاوز حضوره الطبيعي، ويصبح وسيلة للتعبير عن القلق والعزلة والشعور بالتهديد. وهذه الطريقة تمنح بعض قصص المجموعة بعداً تأويلياً، وتتيح للقارئ أن يقرأ ما وراء الحدث الظاهر.

أما في قصة «المدينة»، فيتسع المشهد ليصبح أقرب إلى لوحة سردية ذات طابع مأساوي. يبدأ الكاتب بوصف المدينة وحركتها، ثم ينتقل إلى مشهد المذبحة، حيث تتجمع الشخصيات ويظهر الرجل المقيد وسط الناس. وتبلغ الحكاية ذروتها في مشهد العنف الذي يتكشف أمام أعين الحاضرين، ثم ينتقل السرد إلى زمن لاحق، فيرد التعبير: «بعد ألف عام يحدث هذا» (ص 99). وتمنح هذه العبارة الواقعة امتداداً زمنياً يتجاوز حدود الحكاية، وتفتح المجال للتأمل في تكرار المأساة وفي ما يتركه العنف من آثار في المكان والذاكرة.

وفي هذه القصة تحديداً تتضح عناية الكاتب بالصورة البصرية وبحركة الجماعة داخل المشهد. فالقارئ يرى المدينة، ويراقب تجمع الناس، ويتابع تصاعد الحدث، وكأنه أمام مشهد مسرحي تتوزع فيه الحركة على فضاء محدد. وهذا الحس المشهدي يتكرر بدرجات متفاوتة في عدد من القصص، ويمنح السرد طاقة تصويرية، خصوصاً حين يعتمد الكاتب على الحوار والحركة والوصف المتتابع.

وإذا تأملنا أسلوب الرواشدة في مجموعته، وجدنا أنه يستند إلى لغة واضحة تميل إلى المباشرة حين تتطلب الحكاية ذلك، وإلى الحوار حين يريد الكشف عن طبيعة الشخصية أو البيئة. كما يتنقل بين الفصحى والعامية، ويستفيد من اللهجة المحلية في رسم الشخصيات وتحديد انتمائها الاجتماعي. وأحسب أن هذه المزاوجة من أبرز سمات المجموعة؛ لأنها تحفظ للغة اليومية حضورها، وتمنح الشخصيات أصواتاً قريبة من واقعها.

وتتصل هذه السمة اتصالاً مباشراً بمسألة الحفاظ على التراث. فالتراث لا يقيم في الحكايات القديمة والأمثال والأغاني وحدها، وإنما يحضر كذلك في طريقة كلام الناس، وفي الألقاب التي يتداولونها، وفي صيغ النداء، وفي طبيعة العلاقات بين أفراد الأسرة والعشيرة والحي والمدينة. ومن هذه الزاوية تكتسب العبارات المحكية في «ابن سكينة» أهميتها؛ فهي تحفظ جانباً من الذاكرة اللغوية والاجتماعية، وتعيد إنتاج نبرة الحياة اليومية داخل النص الأدبي.

ويظهر اهتمام الكاتب بالمكان بوصفه حاملاً للذاكرة في أكثر من قصة؛ فالكرك وعمّان وساحة المسجد الحسيني والقرى الجنوبية وغيرها من الإشارات المكانية تمنح النصوص جذورها المحلية. وهذه الأمكنة لا ترد على سبيل التسمية فقط، وإنما ترتبط بحياة الشخصيات وتجاربها ومصائرها. فالمكان عند الرواشدة يتصل بالعمل والانتظار والذاكرة العائلية والحدث الوطني، وبذلك يصبح جزءاً من بنية الحكاية ومن دلالتها.

ومن المهم، في تقديري، أن نميز بين صون الذاكرة الاجتماعية وتوثيق التراث الشعبي توثيقاً منهجياً. فالمجموعة تقدم شواهد واضحة على اهتمام الكاتب بالبيئة المحلية، وبالقيم الاجتماعية، وبالأمكنة والوقائع التاريخية، وباللغة المحكية. أما القول إنها تقدم سجلاً شاملاً للأمثال والأغاني والحكايات الشعبية والممارسات التراثية، فيحتاج إلى شواهد أوسع مما تتيحه النصوص التي استندت إليها هذه القراءة. لذلك أرى أن إسهام المجموعة في الحفاظ على التراث يتجلى أساساً في حفظ الذاكرة الاجتماعية والوطنية، وفي تسجيل بعض مظاهر الحياة اليومية، وفي إبقاء اللغة المحلية حاضرة في الكتابة.

وعلى مستوى التقاطعات الأدبية، يمكن أن نلمح في اهتمام الرواشدة بالمدينة والطبقات الاجتماعية المهمشة صلات موضوعية ببعض جوانب تجربة نجيب محفوظ، الذي جعل من المكان الحضري مجالاً لكشف العلاقات الاجتماعية وتحولات الإنسان. كما يمكن أن نستحضر زكريا تامر عند النظر في توظيف المفارقة والسخرية في مساءلة الواقع، مع اختلاف طبيعة التجربتين وطرائق التعبير فيهما. وفي الاهتمام بالذاكرة الوطنية ومصير الإنسان تحت ضغط الظروف السياسية والاجتماعية، يمكن أن نعقد مقارنة موضوعية مع بعض أعمال غسان كنفاني. وعلى المستوى العالمي، قد تذكرنا بعض صور الانتظار والاغتراب والاختناق الإنساني بأجواء كافكا، كما يحضر في الاهتمام بتفاصيل الإنسان العادي شيء من عناية تشيخوف بالشخصيات والحياة اليومية. وهذه مقارنات في الموضوع وبعض الملامح الفنية، ولا تعني بالضرورة وجود تأثير مباشر أو اقتباس من تلك التجارب.

ومع ما تحمله المجموعة من قيمة اجتماعية وإنسانية، فإن القراءة النقدية تقتضي الإشارة إلى بعض الملاحظات الأسلوبية. ففي بعض المواضع يميل السرد إلى الشرح والتفسير، ويقدم للقارئ دلالة الحدث بصورة مباشرة، بينما كان يمكن للمشهد والحوار أن ينهضا بجزء أكبر من هذه المهمة. كما أن تفاوت البناء بين قصة وأخرى يجعل بعض النصوص أكثر إحكاماً من غيرها في تطور الحدث وبناء النهاية. وفي مواضع أخرى تتقدم الفكرة الاجتماعية أو السياسية على نمو الشخصية من الداخل، فتبدو الشخصية أحياناً حاملة لموقف أو قضية أكثر من كونها كياناً سردياً متحولاً.

ومع ذلك، فإن هذه الملاحظات لا تحجب الملمح الأهم في تجربة الرواشدة، وهو انحيازه إلى الإنسان وإلى ذاكرته ومكانه. فالكاتب يلتفت إلى شخصيات من بيئات مختلفة، ويمنحها فرصة لأن تروي حكاياتها، ويعيد من خلالها طرح أسئلة تتصل بالعدالة والكرامة والانتماء والهوية. كما أنه يستثمر الحوار والمشهد والتفاصيل المحلية في بناء عالم قصصي له جذوره في المجتمع الأردني.

أخلص من هذه القراءة إلى أن «ابن سكينة» مجموعة تنطلق من الواقع الاجتماعي، وتستمد مادتها من الذاكرة الشخصية والجماعية، وتقدم صورة متعددة الوجوه للمجتمع وتحولاته. وتكمن قيمة تجربة رمضان الرواشدة في عنايته بالتفاصيل التي قد تبدو عابرة، لكنها حين تدخل النص تصبح شاهداً على زمن وبيئة وعلاقات إنسانية. وقد استطاع، من خلال استحضار المكان واللغة والحدث، أن يمنح هذه التفاصيل حياة أخرى في الكتابة.

إن الكاتب الذي يعود إلى حكايات الناس، ويصغي إلى لغتهم، ويستعيد الأمكنة التي عاشوا فيها، يسهم في حماية جانب من ذاكرتهم من النسيان. وهذا ما أراه في هذه المجموعة؛ فهي تفتح أمام القارئ نافذة على وجوه من المجتمع الأردني، وعلى تجارب إنسانية ووطنية تستحق أن تبقى في الذاكرة. ومن هنا تأتي أهمية «ابن سكينة»؛ من قدرتها على جعل الحكاية الفردية مدخلاً إلى رؤية أوسع للإنسان والمجتمع والتاريخ.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :