facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأردن وسوريا .. حكاية الدم الواحد والنخوة التي لا تعرف الحدود


م. بسام ابو النصر
29-10-2026 05:04 PM

من ميسلون إلى حماة، ومن مخيمات اللجوء إلى دمشق الجديدة؛ حكاية شعبين جمعتهما الأرض والذاكرة والمصير، وظلّ بينهما من الوفاء ما هو أكبر من السياسة، ومن الأخوّة ما لا تستطيع الحدود أن تفصله.

هناك علاقات بين الدول تصنعها الاتفاقيات، وعلاقات بين الشعوب تصنعها الأيام الصعبة. والعلاقة الأردنية السورية من النوع الثاني، علاقة لم تبدأ عند توقيع اتفاقية، ولم تتوقف عند اختلاف الحكومات، ولم تنتهِ عند الحدود التي رسمتها خرائط السياسة وسايكس بيكو.

إنها علاقة تشكّلت في قرى حوران وحقولها، وفي أسواق دمشق وعمّان وإربد والرمثا، وفي بيوت الفلاحين والعشائر، وعلى طرق التجارة والسفر، وفي لحظات الخوف التي كان فيها الإنسان يبحث عن باب يطرقه ويد تمتد إليه.

وحين نتحدث عن الأردن وسوريا، فإننا لا نتحدث عن دولتين متجاورتين فحسب، بل عن فضاء تاريخي واجتماعي أوسع، هو بلاد الشام، التي تشابكت فيها العائلات والمصالح والذكريات، حتى باتت المسافة بين شمال الأردن وجنوب سوريا أقصر بكثير من أن تفصل قلبًا عن قلب.

في عام 1920، وقفت سوريا أمام واحدة من اللحظات المفصلية في تاريخها، حين واجهت القوات العربية بقيادة يوسف العظمة الجيش الفرنسي في معركة ميسلون، دفاعًا عن استقلال دمشق والحكومة العربية التي قادها الملك فيصل بن الحسين. انتهت المعركة بانتصار القوات الفرنسية، وسقط يوسف العظمة شهيدًا، وبدأ عهد الانتداب الفرنسي على سوريا.

وفي أعقاب سقوط الحكم العربي في دمشق، انتقل إلى شرق الأردن عدد من الوطنيين السوريين والعرب الذين لاحقتهم السلطات الفرنسية، وكان من بينهم رجال ارتبطوا بالحركة الوطنية والاستقلالية. واستقر بعضهم في مدن وقرى شرق الأردن، حيث تشكلت روابط سياسية واجتماعية أسهمت في بناء الحياة الوطنية في الإمارة الناشئة.

لم يكن شرق الأردن آنذاك دولة مكتملة المؤسسات كما نعرفها اليوم، ولم تكن الحدود قد اكتسبت صورتها السياسية النهائية، لكن الناس كانوا يعرفون معنى الجوار، ويعرفون أن من يهرب من بطش الاحتلال لا يصبح غريبًا لمجرد أنه عبر النهر أو اجتاز الطريق.

لقد كان سقوط دمشق جرحًا في الوجدان العربي كله، وكانت مقاومة الفرنسيين في ميسلون جزءًا من ذاكرة مشتركة تجاوزت الجغرافيا.

ومن هنا، فإن الحديث عن الأخوّة الأردنية السورية ليس استدعاءً عاطفيًا للتاريخ، بل تذكير بجذور فعلية من التضامن السياسي والاجتماعي في مرحلة تأسيس الكيانات الحديثة في المنطقة.

لم تتوقف حركة الناس بين الأردن وسوريا بعد الاستقلال والجلاء عن الاستعمار الفرنسي. فقد بقيت الحدود مجالًا للحياة والعمل والتجارة والقرابة، كما ظلت ملاذًا لبعض من اضطروا إلى مغادرة بلدهم بسبب الاضطهاد أو الاضطرابات السياسية.

وفي عام 1982، شهدت مدينة حماة واحدة من أكثر الصفحات دموية في تاريخ سوريا الحديث، عندما شن نظام حافظ الأسد عملية عسكرية واسعة على المدينة، ارتُكبت خلالها انتهاكات جسيمة وقُتل آلاف المدنيين، وسط تقديرات متباينة لأعداد الضحايا. وفرّ بعض السوريين من أهوال تلك الأحداث، ووصل بعضهم إلى الأردن، حيث وجدوا أنفسهم بعيدًا عن مدينتهم وأهلهم، لكنهم لم يكونوا بعيدين عن محيط اجتماعي عربي يعرف لغتهم وعاداتهم وروابطهم.

لم تكن موجات اللجوء في تلك المرحلة بحجم المأساة التي شهدتها سوريا بعد عام 2011، كما أن التوثيق المتاح لأعداد الوافدين من حماة إلى الأردن محدود. لكن هذه المرحلة تذكّرنا بأن النزوح السوري لم يبدأ مع الثورة الأخيرة، وأن السوريين عرفوا طريق الأردن في أوقات المحنة قبل أن تصبح مخيمات اللجوء عنوانًا عالميًا للأزمة السورية.

لقد عبرت عائلات الحدود وهي تحمل ما استطاعت حمله من ذكريات وأوراق وثياب، وتركت خلفها بيوتًا وأرزاقًا وحياة كاملة. وفي مثل هذه اللحظات، لا يسأل الإنسان عن جنسية من يفتح له الباب بقدر ما يسأل عن الأمان.

ثم جاءت الثورة السورية عام 2011، وتحوّلت الاحتجاجات إلى نزاع مسلح طويل، واشتدت أعمال العنف والتهجير، وتدمرت مدن وقرى، واضطرت ملايين الأسر إلى الفرار داخل سوريا وخارجها.

وكان الأردن في مقدمة الدول التي استقبلت السوريين، بحكم الجغرافيا وروابط القربى، وبحكم إدراكه أن من يفرّ من الحرب لا ينبغي أن يُترك لمصيره.

فتح الأردنيون بيوتهم أمام أقارب وجيران وأصدقاء، واستقبلت المدن والقرى الأردنية عائلات سورية تقاسمت معها تفاصيل الحياة اليومية. واحتضنت المملكة مخيمات اللجوء، وفي مقدمتها مخيم الزعتري، إلى جانب مخيم الأزرق، فيما عاش كثير من السوريين خارج المخيمات في عمّان وإربد والمفرق والرمثا والزرقاء وغيرها من المدن.

ولم تكن الاستضافة مجرد قرار إداري أو موقف سياسي؛ فقد كانت امتحانًا اجتماعيًا واقتصاديًا طويلًا. ازدادت الضغوط على المدارس والمستشفيات والمياه والسكن وفرص العمل، وواجهت الأسر الأردنية نفسها تحديات معيشية واقتصادية، في وقت احتاج فيه السوريون إلى الأمان والتعليم والعلاج والعمل وإعادة بناء حياتهم من الصفر.

ومع ذلك، بقيت صور التضامن حاضرة في تفاصيل الحياة: صاحب بيت يؤجر لعائلة سورية، وجار يتقاسم الخبز، وتاجر يمنح مهلة للسداد، وعائلة تستقبل أقاربها لسنوات، وأردني يساعد طفلًا سوريًا على متابعة تعليمه، ومبادرات خيرية تحاول تخفيف قسوة النزوح.

هذه هي النخوة في معناها الحقيقي، لا أن يتحدث المرء عن الشهامة، بل أن يمارسها حين تصبح مكلفة، وأن يمد يده حين لا يكون في الأمر مكسب مباشر.

وقد قدّرت الحكومة الأردنية عدد السوريين المقيمين في المملكة، بمن فيهم غير المسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بنحو 1.3 مليون شخص في مراحل من الأزمة. وهذا الرقم يختلف عن أعداد اللاجئين المسجلين رسميًا، كما تغيرت الأعداد مع عودة بعض السوريين إلى بلدهم بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024. وتؤكد هذه الأرقام حجم التجربة الإنسانية التي عاشها الأردن، من دون أن تختزلها في رقم أو تجعلها منّة على أحد.

وليس من العدل أن ننسى أن الأردن، وهو بلد محدود الموارد ويواجه تحديات اقتصادية ومائية كبيرة، تحمّل سنوات طويلة من أعباء اللجوء، وأن المجتمعات المحلية الأردنية كانت شريكًا أساسيًا في استضافة السوريين إلى جانب جهود الدولة والمنظمات الإنسانية.

في ديسمبر 2024، سقط نظام بشار الأسد، وبدأت سوريا مرحلة انتقالية جديدة بقيادة أحمد الشرع. وقد حمل هذا التحول آمالًا واسعة لدى قطاعات من السوريين في استعادة الأمن، وإعادة بناء المؤسسات، وعودة المهجرين، وفتح صفحة جديدة بعد سنوات من الحرب والقمع والدمار.

وكان الموقف الأردني واضحًا في دعم أمن سوريا واستقرارها ووحدة أراضيها، والعمل على تطوير العلاقات معها بما يخدم مصالح الشعبين. وفي 26 فبراير 2025، التقى الملك عبدالله الثاني الرئيس السوري أحمد الشرع في عمّان، وأكد دعم الأردن للسوريين في إعادة بناء بلدهم على نحو يشمل مكونات المجتمع السوري كافة، ويحفظ وحدة سوريا وأمنها واستقرارها، كما شدد على رفض التعديات الإسرائيلية على الأراضي السورية.

ولم تكن هذه اللقاءات مجرد صور بروتوكولية؛، فقد ناقشت ملفات عملية تتعلق بالتجارة والطاقة والمياه وأمن الحدود ومكافحة تهريب المخدرات والأسلحة، وتهيئة الظروف التي تسمح بعودة اللاجئين السوريين عودة طوعية وآمنة.

وهنا تظهر أهمية الدبلوماسية الأردنية: فالأردن لا يستطيع أن يفرض على العالم خياراته، لكنه يستطيع أن يوظف علاقاته العربية والدولية، وخبرته في التعامل مع ملفات المنطقة، للدفع باتجاه التعامل مع سوريا الجديدة، وإتاحة المجال أمامها لاستعادة علاقاتها الخارجية، ودعم إعادة إعمارها، ومنع انهيارها مجددًا في صراعات داخلية أو تدخلات خارجية.

إن دعم الأردن لسوريا لا ينبغي أن يكون شيكًا على بياض لأي سلطة، بل دعمًا لمسار يحفظ كرامة السوريين، ويمنحهم فرصة لبناء دولة آمنة ومستقرة، تكون فيها المواطنة والعدالة وسيادة القانون أساس العلاقة بين الدولة وأبنائها.

يبقى الجنوب السوري، بما فيه درعا والسويداء والقنيطرة، من أكثر المناطق ارتباطًا بالأمن الأردني المباشر. فأي اضطراب واسع هناك ينعكس على الحدود وحركة السكان والتجارة والتهريب، ويزيد مخاطر التدخلات الخارجية.

وفي ظل التوترات التي شهدتها السويداء عام 2025، وما رافقها من عنف بين جماعات محلية وتدخلات عسكرية وتصعيد إسرائيلي، عمل الأردن على الدفع باتجاه وقف إطلاق النار، والحفاظ على حقوق أبناء المحافظة، ومنع تحول الخلافات المحلية إلى صراع مفتوح يهدد وحدة سوريا.

وفي 12 أغسطس 2025، استضاف الأردن اجتماعًا أردنيًا سوريًا أميركيًا تناول دعم إعادة بناء سوريا، وتثبيت وقف إطلاق النار في السويداء، وحماية حقوق جميع السوريين. ثم شارك في اجتماع ثلاثي آخر في سبتمبر من العام نفسه أفضى إلى خريطة طريق لمعالجة الأزمة وتعزيز الاستقرار والمصالحة المجتمعية.

وتكشف هذه الجهود عن إدراك أردني بأن حماية سوريا لا تتحقق بإشعال التناقضات بين مكوناتها، بل ببناء دولة تستوعب تنوعها، وتحمي مواطنيها، وتضمن مشاركتهم وحقوقهم.

ومن هنا، فإن الدور الأردني الذي يستحق التقدير هو الدور الذي يقرّب وجهات النظر، ويمنع التحريض الطائفي، ويشجع الحوار والمصالحة، ويقف ضد أي محاولة لتحويل الهوية الدينية أو المذهبية إلى ذريعة للقتل أو التقسيم أو التدخل الخارجي.

أما الاعتداءات الإسرائيلية والتوغلات التي تمس الأراضي السورية، فإن رفضها يجب أن يستند إلى مبدأ واضح: احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها، وعدم استغلال مخاوف أي مكوّن سوري لتبرير الاحتلال أو فرض مناطق نفوذ أو إشعال صراع طويل الأمد.

فحماية الدروز لا تكون باستخدامهم ورقة في صراع إقليمي، كما أن حماية وحدة سوريا لا تكون بتجاهل مخاوفهم أو حقوقهم. الطريق الصحيح هو ضمان أمنهم وكرامتهم ضمن تسوية وطنية عادلة تحمي جميع السوريين.

إن الحدود الأردنية السورية ليست مجرد خط أمني، إنها شريان حياة، تمر عبره التجارة والعائلات والمصالح، وتتأثر به حياة سكان المناطق المتاخمة على الجانبين.

لكن هذه الحدود تواجه أيضًا تحديات حقيقية، من شبكات تهريب المخدرات والأسلحة إلى الجماعات المسلحة التي تهدد الأمن والاستقرار. وقد أكد الأردن مرارًا ضرورة التعاون مع السلطات السورية لمواجهة هذه المخاطر، خصوصًا أن استقرار الجنوب السوري يرتبط مباشرة بأمن شمال الأردن.

وفي هذا السياق، ينبغي التمييز بين مكافحة الجماعات المسلحة وبين التعامل مع السكان المدنيين. فمن حق الأردن أن يحمي حدوده ومواطنيه، ومن واجب أي دولة أن تواجه التنظيمات التي تهدد أمنها، لكن حماية المدنيين والتحقق من المعلومات ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات تبقى مبادئ لا يجوز تجاوزها.

وقد أثارت تقارير عن حوادث أمنية حديثة، من بينها الهجوم على كنيسة حمود في الكرك وما أعقبه من عمليات عسكرية أردنية داخل الأراضي السورية، نقاشًا حساسًا حول الإرهاب وأمن الحدود وسلامة المدنيين. ومثل هذه الوقائع تستدعي التثبت من تفاصيلها، والتمييز بين المعلومات المؤكدة والاتهامات، وعدم تحميل شعب كامل مسؤولية فعل جماعة أو أفراد.

إن الإرهاب لا دين له ولا وطن يحميه من المساءلة، لكنه لا يُهزم بتوسيع دائرة الشك والكراهية. كما أن استهداف المدنيين، أيًا كانت هويتهم، لا يخدم أمن الأردن أو سوريا، بل يفتح أبوابًا جديدة للفتنة ويمنح المتطرفين فرصة لتغذية العداء بين الأشقاء.

ومن حق الأردنيين أن يشعروا بالأمان في بلدهم، ومن حق السوريين أن يشعروا بالأمان في بلدهم أيضًا. والمصلحة المشتركة تقتضي أن تعمل الحكومتان معًا، وأن تبقى قنوات التواصل مفتوحة، وأن تُعالج الحوادث الأمنية بالتحقيق والتعاون والمحاسبة، لا بحملات التخوين والتعميم.

في خضم التحولات التي شهدتها سوريا، ظهرت على وسائل التواصل الاجتماعي أصوات أردنية وأخرى سورية دخلت في سجالات قاسية حول اللجوء والأمن والسياسة. وفي بعض الأحيان، تحولت خلافات حول أحداث محددة إلى إساءات شخصية أو تعميمات تمس شعبًا كاملًا أو قيادة دولة.

وهنا لا بد من كلمة صادقة: ليس من الحكمة أن يتحول العتاب بين الأردنيين والسوريين إلى خصومة، ولا أن تصبح المعاناة السابقة مادة للمزايدة .

الأردن لا يحتاج إلى أن يتجمل بما قدمه للسوريين كما لا يحتاج السوريون إلى إنكار ما قدمه الأردنيون. فالبلدان لم يكونا يومًا غريبين أحدهما عن الآخر، وما جمعهما من دم وقرابة وجوار أكبر من أن تختزله منشورات غاضبة أو تعليقات عابرة.

لقد استقبل الأردن السوريين في وقت كان فيه كثيرون يفرون من القصف والخوف، واستضافت أسر أردنية أقاربها وجيرانها وأصدقاءها، وفتحت مؤسسات المملكة أبواب التعليم والعلاج والمساعدة ضمن الإمكانات المتاحة. وكان ذلك موقفًا إنسانيًا وأخويًا قبل أن يكون موقفًا سياسيًا.

وفي المقابل، لم يأتِ السوريون إلى الأردن بلا تاريخ أو كرامة أو قدرة على العطاء. جاءوا بأحلامهم ومهنهم وثقافتهم، وأسهموا في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وحافظ كثيرون منهم على علاقات الوفاء مع المجتمعات التي استقبلتهم. ومن حقهم أن يُعاملوا بكرامة، وألا يُختزلوا في صورة اللاجئ أو في أي خطأ يرتكبه فرد.

أما الحديث عن مواقف الجيش العربي الأردني وأجهزة الدولة في التعامل مع الأخطار الحدودية والعمليات الإنسانية، فينبغي أن يوثَّق كلما أُريد ذكر واقعة بعينها. فالتضحيات لا تنتقص من أحد، والحديث عنها لا ينبغي أن يتحول إلى منّة، بل إلى شهادة على أن أمن الناس وكرامتهم كانا وسيبقيان جزءًا من مسؤولية الدولة.

والعتاب الصادق لا يفسد المحبة، بل يحميها من سوء الفهم. ومن أساء إلى الأردن أو السوريين بتعميم أو اتهام غير موثق، فالأولى أن يعود إلى لغة العقل والاحترام، لأن الشعوب لا تُدان بكلمات أفرادها، ولأن الخلاف السياسي لا يبرر إهانة الناس أو المساس بكرامتهم.

إن الأردن وسوريا وفلسطين ولبنان تشترك في إرث تاريخي وثقافي واجتماعي عميق. وقد تغيرت الحدود والأنظمة والتحالفات، لكن كثيرًا من العائلات ظلت موزعة بين هذه البلاد، وبقيت اللهجات والأغاني والعادات والأكلات والأفراح والمآتم شواهد على تاريخ مشترك.

وعندما يردد الأردنيون «زيّنوا المرجة والمرجة لينا»، فإنهم يستحضرون دمشق في الوجدان الشعبي، بما تحمله من جمال وذاكرة وتاريخ.

وحين يرددون «شدّوا على الركايب يا خواننا تونا على بلد الحبايب سوريا يا وطنا» في الرواية التي تتغنى بسوريا، فإنهم يستحضرون معنى السفر إلى بلد الحبايب، لا إلى أرض غريبة.

وليس المقصود من استعادة هذه الذاكرة إنكار استقلال الدول أو الدعوة إلى تجاوز حدودها السياسية، بل التذكير بأن استقلال الأردن وسوريا لا يتعارض مع الأخوّة بين شعبيهما، وأن احترام السيادة الوطنية هو الأساس الذي يجعل التعاون ممكنًا ومستدامًا.

لقد دفع السوريون أثمانًا باهظة من دمائهم وبيوتهم وأعمارهم خلال سنوات الحرب، ويستحقون أن يعيشوا في وطن آمن، وأن يعود المهجرون إلى بيوتهم طوعًا وبكرامة، وأن تتوافر لهم فرص العمل والتعليم والعلاج، وأن تُصان حقوقهم من دون تمييز.

ويستحق الأردنيون أيضًا أن تُحفظ أمن بلادهم ومواردها واستقرارها، وأن يجدوا في محيطهم السوري دولة مستقرة تتعاون معهم في التجارة والمياه والطاقة ومكافحة التهريب والارهاب، وتفتح آفاقًا جديدة للمنطقة بأسرها.

إن المصلحة المشتركة لا تنتقص من الأخوّة، بل تمنحها أساسًا عمليًا. فكلما استقرت سوريا، تحسنت فرص التجارة وعودة اللاجئين وإعادة الإعمار، وتراجعت المخاطر الأمنية التي تثقل كاهل الأردن. وكلما ازدهر الأردن واستقر، ظل قادرًا على أن يكون جارًا موثوقًا وشريكًا في بناء مستقبل أفضل للمنطقة.

يا أهلنا في سوريا، لم يكن الأردن يومًا بعيدًا عن وجعكم، ولن يكون من مصلحته أن تكون سوريا ضعيفة أو ممزقة أو ساحة لتصفية الحسابات. فاستقرار سوريا جزء من استقرار الأردن، وكرامة السوريين جزء من كرامة محيطهم العربي، وسيادة سوريا ووحدة أراضيها مصلحة لا ينبغي التفريط بها.

ويا أهلنا في الأردن، إن الاعتزاز بما قدمه بلدنا لا يحتاج إلى الإساءة إلى أحد، كما أن الدفاع عن أمننا لا يتطلب التخلي عن إنسانيتنا. لقد كانت النخوة الأردنية، في أبهى صورها، أن نفتح الباب للمحتاج، وأن نحمي الجار، وأن نساعد الملهوف، وأن نتمسك بكرامة الإنسان حتى في أصعب الظروف، وقد كنا ملاذا امنا لكل عربي من اقرب البلدان وابعدها وبقيت الاردن الحضن الدافيء لكل العرب.

لا نريد أن نمنّ على أشقائنا السوريين، ولا أن نطلب منهم شهادة حسن سلوك في مقابل ما قدمناه. نريد فقط أن تبقى الذاكرة عادلة، وأن يكون العتاب أخويًا، وأن نرفض معًا كل خطاب يسعى إلى زرع الكراهية بين شعبين جمعتهما قرون من الحياة المشتركة، ان هناك من يزرع الفتنة بين شعبينا، ولن ابريء كل الذين وجدوا من الحروب والفتن والطائفية في وطننا العربي هم متهمون فيما ياتي على السنة السوريون والاردنيون عبر الحدود بعد ان كانوا وسيبقوا بعون الله اخوة وتحابين ، ان اسرائيل تعتاش على هذه الفتن لاجل موطيء هنا او موطن هناك ولاجل اضعافنا وتناولنا واحدا تلو الاخر، وان ايران تزرعها لاجل استعادة دورها ، وعلينا ان نضع في حسابنا ان داعش لم تمس هاتين الدولتين بسوء الا يعني هذا شكل الفتنة التي يرغبان.

لقد كانت ميسلون شاهدًا على مقاومة الاستعمار، وكانت حماة شاهدًا على مأساة القمع، وكانت سنوات النزوح السوري امتحانًا قاسيًا للإنسانية، وأصبحت المرحلة الجديدة امتحانًا آخر لقدرة السوريين على بناء دولة تحمي جميع أبنائها، وقدرة المنطقة على دعم الاستقرار بدلًا من إشعال الفتن.

أما المستقبل، فلا تصنعه الأغاني وحدها، ولا البيانات السياسية وحدها،بل تصنعه العدالة، واحترام السيادة، وصون الحقوق، والتعاون الصادق، وحماية الإنسان من الخوف والتهجير والإرهاب.

رحم الله شهداء الأردن وسوريا، وكل من ضحّى بحياته دفاعًا عن أهله وكرامته وأرضه. ورحم الله الأبرياء الذين قضوا في الحروب والمجازر والتفجيرات، وحفظ الله أهلنا في البلدين من الفتن والعدوان.

سيبقى الأردن للأردنيين وطنًا عزيزًا، وستبقى سوريا للسوريين وطنًا عزيزًا، وستظل الأخوّة بينهما عهدًا لا منّة، ومحبة لا تبعية، وتعاونًا لا إلغاء للسيادة.

فالأرض قد تقسمها الحدود، لكن القلوب التي عاشت على المحبة لا تفصلها الخرائط.

والسلام على الأردن، أرض النخوة والشهامة، والسلام على سوريا، أرض التاريخ والصبر، والسلام على بلاد الشام، ما بقي فيها إنسان يؤمن بأن الجار أخ، وأن الكرامة حق، وأن الدم لا يصير غريبًا لمجرد أن الطريق عبر الحدود، قد طاله شيئا من ظلم هنا او ظلم هناك، وعلى اشقاءنا الذين يتدخلون في ابعد بقاع العالم ليعقدوا صلحا ويئدون فتنة ، أن يأتوا ليجلسوا الينا في الزلقا بين عمراوة " الاردن" والمزيريب " سوريا" التي لا تفصل بينهما الا مسير المي وشلالات زيزون ، وما زال لنا خؤولة واعمام في تل شهاب وطفس واليادودة وخربة غزالة وغيرها. وحفظ الله وطننا وقيادتنا وحفظ امتنا من الفتنة ما ظهر منها وما بطن.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :