من حمود الكرك إلى العالم: شهادة أردنية مسيحية لصورة الإسلام السمحة والوحدة الوطنية
القس سامر عازر
28-10-2026 05:51 PM
صحيحٌ أنَّ تغيّرات كثيرة طرأت على مجتمعاتنا، ولا سيما في عالمنا العربي، وصحيح أيضًا أن لغة غريبة ودخيلة على مجتمعنا الأردني أخذت تتسلل إلى فضائنا العام، محمّلة بسموم التطرف والكراهية والتكفير. وقد أصبحنا نلحظ حضور هذه اللغة بأشكال متعددة، ولا سيما في فضاء وسائل التواصل الاجتماعي المفتوح، الذي يُستغل أحيانًا منصةً لزرع بذور الفتنة الطائفية والتحريض، في ظل أجندات مشبوهة لم تعد خافية على أحد.
وقد تجلّى أحد وجوه هذا الخطاب في العمل الإرهابي الذي طال قرية حمود الوادعة في الكرك، المعروفة بأصالتها ووحدة حال أهلها، شأنها شأن بقية قرى الكرك التي جسّدت الوئام الديني والعيش الواحد المشترك عبر تاريخها. ففي هذه الأرض اختلط العرق والدم، وتداخلت تفاصيل الحياة اليومية، وتجلّت معاني الوطنية والانتماء والعروبة ووحدة الحال والمصير، حتى غدت هذه التجربة شهادة حيّة يراها العالم في حياة الناس وعلاقاتهم ومواقفهم.
ومن هنا، لا يمكن أن تزعزع حادثة إرهابية كحادثة كنيسة حمود الأليمة وحدتنا الأخوية أو لحمتنا الوطنيك، ولا يمكن أن تُختزل هذه العلاقة التاريخية بكلمات تنتقص من واقعنا الأردني، أو أن توصف حالتنا التاريخية بأنها حالة ظرفية أو زمنية، أو أن يتم التحدث عنها باعتبارها مجرد تعايش مفروض علينا، وكأننا أجسام غريبة قدمت من كواكب مختلفة، واضطرت إلى العيش معًا. فهذا التصور لا يمتّ إلى واقعنا الأردني بصلة، ولا يعكس حقيقة ما يجسّده أهل الكرك خاصة، والأردنيون عمومًا، من وحدة حال وانتماء مشترك.
ويفوح عطر هذه الحياة المشتركة في تفاصيل الجيرة الطيبة، والعادات والتقاليد المشتركة، والأعراف الاجتماعية التي تجمعنا. ولعل عبارة «أنا كركي يا أستاذ» تختصر كثيرًا من هذه الحقيقة. فقد قيلت ذات يوم عندما حاول أحد المعلمين معرفة ديانة طلابه، لا لغاية سوى تنظيم حصة التربية الدينية. وعندما جاء دور أحد الطلاب، لم يعرّف عن نفسه من خلال انتمائه الديني، بل أجاب بلهجته الكركية: «أنا كركي يا أستاذ». وكأنما أراد أن يقول إن هويته التي يعتز بها، والتي تجمعه بزملائه، هي انتماؤه إلى الكرك، أرضًا وأهلًا وتاريخًا ومصيرًا.
ولعل هذه العبارة، على بساطتها وعمق دلالتها، تكفي للتعبير عن جانب أصيل من الهوية الأردنية؛ هوية لا تلغي الخصوصيات الدينية، بل تحتضنها في إطار أوسع من المواطنة والانتماء المشترك.
وفي خضم تنامي قوى التطرف وتصاعد خطاب الكراهية، يحمل هذا النموذج الأردني - والذي اختبرناه بوقوف كافة العشائر الأردنية وكافة شرائح المجتمع - رسالة نحن اليوم بأمسّ الحاجة إليها، كما يحتاج إليها عالمنا بأسره. ومفادها أن الإسلام الذي عرفناه وعشنا معه في وحدة الحال هو إسلام رسالة عمّان، وكلمة سواء، والوئام الديني، وإسلام الجيرة الطيبة والفزعة الصادقة في الملمات والخطوب؛ إسلام الرحمة والعدل والكرامة الإنسانية، الذي نعرفه من خلال حياة جيراننا المسلمين وأصدقائنا وشركائنا في هذا الوطن والإنسانية.
لقد عبّر كثيرون، عقب جريمة حمود النكراء، عن رفضهم لها بقولهم: «الإسلام مش هيك»، وهذا الفعل الجبان لا يمثل الإسلام السمح ولا المسلمين الذين نعرفهم. وهذه الشهادة، حين تصدر عن مسيحيين أردنيين يعرفون جيرانهم المسلمين ويشاركونهم تفاصيل الحياة اليومية، تحمل دلالة عميقة؛ فنحن لا نتحدث عن الإسلام من بعيد، بل نشهد لما عرفناه وعشناه من أخوة وجيرة ومودة واحترام متبادل. إننا إخوة الدم والحال والمصير، وشركاء في وطن لا يمكن فصل أحدنا عن الآخر في ماضينا أو حاضرنا أو مستقبلنا.
ولن تستطيع يد الإرهاب، ولا الفكر التكفيري، مهما حاول أن يتسلل إلى مجتمعنا الأردني، أن يمحو تاريخنا الطويل من العيش المشترك او أن يقلل من مفهوم المواطنة لدينا، أو أن ينال من لحمتنا الوطنية، أو أن يضعف ولاءنا لقيادتنا الهاشمية وانتماءنا إلى ثرى الأردن الطهور.
وفي أعقاب هذه الحادثة الإجرامية، أمّت حشود غفيرة بيت العزاء في الكرك وخصوصا من مختلف العشائر الأردنية، تعبيرًا عن استنكارها وإدانتها لهذا العمل الجبان، وتأكيدًا على أصالة الأخوة الإسلامية المسيحية. وقد حملت هذه المشاركة رسالة واضحة مفادها أن استهداف أبناء الوطن لا يطال أسرة أو جماعة بعينها فحسب، بل يستهدف الوطن كله، ويحاول النيل من نسيجه الاجتماعي المتماسك ووحدته الوطنية.
وفي موقف آخر يحمل دلالات إنسانية ووطنية عميقة، قدّم الدكتور ضيف الله الحديثات تبرعًا بتخصيص دونمي أرض في منطقة مكاور، من أراضي بني حميدة، وهي إحدى مواقع الحج المسيحي، لبناء كنيسة تخليدًا لذكرى شهداء كنيسة القديس جاورجيوس في قرية حمود بالكرك. إنها مبادرة تتجاوز في معناها حدود التبرع بالأرض، لتصبح تعبيرًا عن التضامن الوطني، وانتصارًا لقيم المحبة والكرامة، ورسالة عملية في مواجهة الإرهاب الذي لا يمتّ إلى الأردن بصلة، ولا إلى قيم الإسلام السمحة في الوئام الديني والعيش المشترك والاحترام المتبادل.
إن مثل هذه المواقف هي التي تكشف حقيقة مجتمعنا، وتؤكد أن ما يجمعنا أعمق من أن تنال منه جريمة إرهابية أو أن يبدده خطاب كراهية. فالإرهاب يريد أن يحوّل الاختلاف إلى عداوة، وأن يزرع الشك بين أبناء الوطن الواحد، بينما تأتي مواقف الأردنيين لتؤكد أن اختلاف الانتماء الديني لا يلغي وحدة الانتماء الوطني، وأن المحبة الصادقة لا تُقاس بالشعارات، بل بما يقدمه الناس بعضهم لبعض في أوقات الشدة والمحنة.
نؤكد، بلا أدنى شك، أن حادثة حمود الإرهابية لن تزعزع وحدة حالنا وعيشنا المشترك ولحمتنا الوطنية، بل ستزيدنا قوة وصلابة في مواجهة كل من يحاول حرف أدياننا عن الغايات السامية التي جاءت من أجلها، والمتمثلة في ترسيخ قيم المحبة والوئام والسلام والرحمة والعدالة والكرامة الإنسانية. وسنقف معًا دفاعًا عن الأردن، في وجه كل من يحاول زعزعة بيتنا الداخلي أو الإساءة إلى قيمنا وعاداتنا الأصيلة التي تربينا عليها، وإلى أخوّتنا التي تجمعنا في الدم والحال والمصير.
وسيظل صوتنا الأردني المسيحي شاهد حق أمام العالم على صورة الإسلام السمحة التي عرفناها وعشنا معها قرونًا طويلة، في ظل المودة والاحترام المتبادل والشراكة في الحياة والوطن. واليوم، ننعم بمواطنة تقوم على الحقوق والواجبات، وتؤكد مبدأ العدالة والمساواة في ظل الراية الهاشمية المظفّرة.
ومن هنا، فإن مسؤوليتنا المشتركة لا تقتصر على إدانة الإرهاب أو رفض خطاب الكراهية، بل تمتد إلى العمل معًا، مسلمين ومسيحيين، للتصدي لكل من يحاول تشويه صورة أدياننا السماوية النقية في المحبة والرحمة والقيم السامية، أو تحويلها إلى أيديولوجيات متطرفة وإقصائية، توظّف الدين لتحقيق أهداف خبيثة تضر بالوطن وبمصالح أبنائه جميعًا.
فالأردن الذي نعرفه وننتمي إليه هو الأردن الذي لا ليس فيه المسلم غريبًا عن المسيحي، ولا المسيحي غريبًا عن المسلم؛ بل كلنا مواطنين تجمعنا كرامة الإنسان، وحقوق المواطنة، وأواصر الأخوة، وتاريخ مشترك، ومستقبل لا يصنعه إلا الجميع معًا. هذا هو الأردن الذي نؤمن به، وهذه هي الرسالة التي نحملها إلى العالم: أننا شركاء الحال والدم والمصير، وأن ما يجمعنا أقوى من كل إرهاب مغلّفٍ برداء الدين، وأبقى من كل خطاب كراهية.