دم الشهداء يفرض مواجهة جذور التطرف
المحامي الدكتور هيثم عريفج
06-11-2026 10:17 AM
برحيل شهيد الوطن جواد علي خلف السلايطة، يتجدد الوجع الأردني، ويتجدد معه سؤال لا يجوز أن يبقى بلا إجابة: كيف نحمي أبناءنا من فكر يستبيح الدماء ويحوّل الكراهية إلى جريمة؟
رحم الله جواد، وألهم أهله ورفاقه الصبر . إن الوفاء له ولشهداء الأردن يقتضي أن يقترن الحزن بعمل يحمي الأرواح، وأن تكون كل جريمة مدخلًا لمراجعة جادة تعزز قدرتنا على منع تكرارها.
لقد كشفت جريمة شهداء الكرك خطورة الفكر التكفيري حين يتحول إلى عنف. واستحضارها اليوم يؤكد ضرورة مواجهة المنطق الذي يبرر القتل ويمنح أصحابه حق الحكم على عقائد الناس وحياتهم، دون استباق التحقيقات بشأن أي صلات تنظيمية بين الجرائم.
تتحمل الدولة الأردنية مسؤولية كشف ملابسات الهجوم الذي أودى بحياة الشهيد جواد، وملاحقة كل من تثبت مسؤوليته عن التخطيط أو التحريض أو التنفيذ، وإطلاع الرأي العام على الحقائق بالقدر الذي تسمح به سلامة التحقيق. فوضوح المعلومات يعزز الثقة بالمؤسسات ويحد من الشائعات والتكهنات.
وإذا تأكدت المعلومات الأولية المتداولة بشأن وجود قيود سابقة مرتبطة بالإرهاب بحق منفذ الهجوم، فإن مراجعة إجراءات المتابعة وتقييم الخطورة تصبح ضرورة.
ينبغي أن تحدد هذه المراجعة مدى كفاية الإجراءات المتخذة، وأي ثغرات في تبادل المعلومات أو التعامل مع مؤشرات التهديد، وصولًا إلى تصحيح الخلل ومحاسبة المقصرين إن ثبت تقصيرهم.
مع ذلك، فإن منع الجريمة يتطلب أيضًا مواجهة البيئة الفكرية التي تبررها. فالتحريض المتكرر، والتكفير، والتشكيك في مواطنة الآخرين بسبب معتقداتهم، كلها ممارسات تضعف حرمة الدم وتهيئ لتقبل الاعتداء. وحين يُترك هذا الخطاب لينتشر، يصبح خطر انتقاله من الكلمات إلى الأفعال أكثر جدية.
نحتاج إلى مراجعة مسؤولة للخطاب التعليمي والديني والإعلامي، تعزز التفكير النقدي والمواطنة المتساوية واحترام التعددية، وتتصدى لتبرير العنف وتمجيد مرتكبيه. كما نحتاج إلى تطبيق القانون على التحريض والتهديد، مع حماية حرية الاعتقاد والتعبير، وتحديد المسؤولية على أساس الأفعال والأدلة.
إن مواجهة التطرف مسؤولية تشترك فيها المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية والأحزاب والأسر ومؤسسات المجتمع المدني، كل ضمن دوره. ويبدأ هذا الدور بموقف صريح يرفض التكفير والكراهية، ويرسخ أن كرامة الأردني وحياته مصونتان، وأن الاختلاف لا يمنح أحدًا حق الإقصاء أو العدوان.
أظهر الأردنيون قدرتهم على التماسك في المحن، وهذه الوحدة تستحق سياسات تحميها وتترجمها إلى وقاية فاعلة وعدالة ومساءلة. فأمن الوطن يصان بقدرة مؤسساته على التصدي للخطر، وبقدرة مجتمعه على رفض الأفكار التي تمنحه المبرر.
رحم الله الشهيد جواد علي خلف السلايطة، ورحم شهداء الأردن جميعا. إن حقهم علينا أن تتحول كلمات الوفاء إلى إجراءات تحمي أبناء الوطن، وتواجه جذور التطرف، وتمنع مأساة جديدة.