facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الارتقاء إلى الشهادة… هكذا جواد


د.مارسيل جوينات
06-11-2026 02:37 PM

ثمة لحظات لا يمكن قراءتها بوصفها أحداث عابرة في سجل الأيام، لأنها تضع الأوطان أمام أسئلة تتصل بجوهر وجودها، وبالقيم التي تشكّل هويتها، وبالمعنى الحقيقي للانتماء إليها. وشهادة العريف جواد السلايطة واحدة من تلك اللحظات التي يتجاوز فيها الفقد حدود الحزن الشخصي، ليصبح قضية وطنية وإنسانية تستحق التأمل. فليس الشهيد من غادر الحياة فحسب، بل من ترك خلفه سؤال كبير عن الوطن الذي يستحق أن تبذل من أجله الحياة، وعن القيم التي تجعل التضحية موقف لا يمحوه الزمن.

لم يكن جواد يؤدي واجب وظيفي فحسب، بل كان يقف في الموقع الذي تلتقي فيه مسؤولية الفرد بواجب الدولة، وتتحول فيه حماية الناس إلى أسمى معاني الخدمة الوطنية. فحين يواجه رجال الأمن الخطر، فإنهم لا يدافعون عن حدود جغرافية مجردة، بل عن حياة المواطنين، وحقهم في الأمان، وعن فكرة الدولة التي تقوم على حماية الجميع دون تمييز. ومن هنا، فإن استشهاد جواد لا يقرأ بمعزل عن طبيعة المعركة التي يخوضها الأردن في مواجهة التطرف والإرهاب؛ معركة لا تستهدف الأمن وحده، وإنما تحاول النيل من الثقة المجتمعية، وضرب الروابط التي تجعل من التنوع مصدر قوة لا مدخل للانقسام.

وفي هذا السياق، تبرز المواقف الصادرة عن الكنيسة المسيحية بمختلف مكوناتها بوصفها موقف وطني يتجاوز حدود التضامن الديني. إلى جانب مواقف بطاركة ورؤساء الكنائس في القدس، عن إدانة الاعتداءات والوقوف إلى جانب الضحايا، وعن رفض كل ما يستهدف الإنسان ودور العبادة وأمن المجتمع. وهذه المواقف تحمل دلالة عميقة؛ فالكنيسة حين تتحدث في لحظة كهذه، لا تتحدث باسم المؤمنين وحدهم، بل تعبّر عن وجدان شريك أصيل في تاريخ هذا الوطن، وعن إيمان بأن كرامة الإنسان وأمنه لا يتجزآن، وأن الاعتداء على أي أردني هو اعتداء على الأردن كله.

ولعل القيمة الأعمق في هذه المواقف أنها تعيد تذكيرنا بأن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في الأردن ليست مجرد صيغة أننا نعيش معا أو تسوية اجتماعية فرضتها الظروف، بل هي تجربة تاريخية تشكّلت عبر قرون من الشراكة والحياة المشتركة، وأسهمت في بناء الهوية الوطنية. فالمسيحيون الأردنيون ليسوا جزءاً من تاريخ الأردن فحسب، بل هم شركاء في روايته الوطنية، وفي مؤسساته ونهضته وتضحياته. ولذلك، فإن حماية هذا التنوع ليست مجاملة لأحد، بل حماية لجوهر الدولة الأردنية ونموذجها الاجتماعي والإنساني.

إن الإرهاب، في جوهره، لا يستهدف ضحاياه المباشرين وحدهم، بل يسعى إلى إنتاج الخوف، وتوسيع الشروخ، ودفع المجتمعات إلى الارتياب في بعضها بعضاً. والأخطر من الفعل الإرهابي ذاته هو الفكر الذي ينتجه ويبرره، ويمنحه القدرة على التمدد وإعادة إنتاج العنف بأشكال مختلفة. فالتطرف لا يبدأ دائماً بحمل السلاح، بل قد يبدأ بفكرة إقصائية، أو خطاب كراهية، أو وعي مشوّه يرى في الاختلاف تهديد، وفي الآخر خصم له ، وفي التنوع خطر، لذلك، فإن مواجهة الإرهاب لا يجوز أن تقتصر على المعالجة الأمنية وملاحقة مرتكبيه، على أهميتها وضرورتها، بل يجب أن تمتد إلى تفكيك جذوره الفكرية والثقافية، ومواجهة الخطاب الذي يغذيه ويمنحه غطاء أيديولوجي ، وهنا تبرز مسؤولية الوعي بوصفه خط الدفاع الأول عن المجتمع، من خلال ترسيخ التفكير النقدي، واحترام التعددية، وتحصين الأجيال، وتعزيز أدوار الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والإعلامية. فالمعركة الحقيقية ليست على أمن المكان وحده، بل على وعي الإنسان، وعلى القيم التي تمنعه من التحول إلى أداة في مشروع الكراهية والعنف.

ومن هنا، تصبح شهادة جواد مناسبة لاستعادة معنى المسؤولية الجماعية؛ فالشهداء لا يتركون لأوطانهم واجب الحزن وحده، بل يتركون أمانة الحفاظ على القيم التي ضحوا من أجلها. والأمانة هنا ألا تتحول وحدتنا إلى شعار موسمي، وألا تبقى المواطنة عبارة نرددها في المناسبات، بل أن تصبح ممارسة في مؤسساتنا وخطابنا وعلاقاتنا اليومية، وأن يشعر كل أردني بأن أمنه وكرامته ومكانه في وطنه مصونة لا تنتقصها خلفيته الدينية أو الاجتماعية.

إن الارتقاء إلى الشهادة هو انتقال من حضور الجسد إلى حضور المعنى؛ فهناك من تنتهي حكايته برحيله، وهناك من تبدأ حكايته الحقيقية في ذاكرة وطنه بعد رحيله. وجواد من أولئك الذين لا تختصرهم لحظة الاستشهاد، لأن قيمتهم تكمن في الرسالة التي تتركها تضحيتهم للأجيال: أن الوطن ليست أرض نعيش عليها فحسب، بل عهد أخلاقي نحميه، ومسؤولية نتشاركها، وكرامة لا تقبل التجزئة.

هكذا يرتقي جواد إلى الشهادة؛ وتبقى شهادته أكبر من لحظة الفقد، وأعمق من كلمات الرثاء. إنها تذكير بأن الأردن لم يكن يوماً وطناً لأتباع دين دون آخر، بل مساحة تاريخية وإنسانية جمعت المسلمين والمسيحيين في بناء الدولة وصون هويتها. فالدم الذي يُبذل دفاعاً عن الوطن لا تسأله الأرض عن دين صاحبه، بل تحفظه في ذاكرتها بوصفه تضحية من أجل الجميع. وربما تكون أصدق صور الوفاء للشهيد أن نحمي الأردن الذي استشهد من أجله؛ وطن لا ينتصر فيه الخوف على المحبة، ولا الكراهية على الأخوّة، ولا التطرف على الوعي، ولا الاختلاف على وحدة المصير.

دعونا نحافظ على هذه الارض المباركة، ونعيش معا بسلام ومحبه، ونحمل شعار لا للفكر المتطرف الارهابي بيننا.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :