من إدانة الجريمة إلى محاكمة المجتمع
محمد حسام ابو رمان
07-11-2026 07:24 PM
ترددت في الكتابة خلال اليومين الماضيين، احتراماً لألم الفقد وحساسية الموقف. لكن بعد استشهاد البطل جواد السلايطة، وجدت أن هناك جانباً اتصالياً يستحق التوقف عنده، يتعلق بالطريقة التي نتحدث بها عن الجريمة، وما تتركه هذه الأحاديث في وعينا وثقتنا ببعضنا.
في بداية الحادثة، كان ما تابعته من محتوى يعكس الحزن والغضب، والالتفاف حول جلالة الملك عبد الله الثاني والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية، ورفض الإرهاب والفكر الذي يقف وراءه. ثم لفت انتباهي انتقال جانب من النقاش إلى مقاطع كاميرات المراقبة، ومنها إلى أحكام على أشخاص ظهروا بالقرب من موقع الحادثة، وصولاً إلى التشكيك بنخوة الأردنيين وشهامتهم.
والمسافة كبيرة بين مناقشة تصرف فردي وبين تحويله إلى حكم على مجتمع بأكمله، خصوصاً عندما لا نملك تفاصيل المشهد وتسلسله، ولا نعرف ما الذي أدركه الموجودون في تلك اللحظات. فالمقاطع وحدها لا تمنحنا معرفة كافية للحكم على دوافع الأشخاص أو قدرتهم على التدخل.
وللأردنيين صورة راسخة عرفوا بها، فهم النشامى وأهل النخوة والفزعة. وهذه الصورة صنعتها مواقف وتجارب تراكمت عبر عقود، ومن مسؤوليتنا أن نكون منصفين معها، فلا نختزلها في حادثة واحدة، أو نعيد تعريف مجتمع بأكمله استناداً إلى موقف لم تتضح لنا جميع تفاصيله. وأي تقصير فردي يثبت يمكن مناقشته في حدوده، دون تحويله إلى حكم يمس تاريخاً من المواقف المشرفة أو يرسخ صورة مجحفة عن الأردنيين.
هنا تبرز مسؤولية مهمة في اتصال الأزمات. فمتابعة المحتوى الرقمي تشمل اتجاه النقاش وما يتركه في فهم الناس وثقتهم ببعضهم، إلى جانب حجم التفاعل وانتشار الخبر. وعندما ينتقل الحديث من إدانة الجريمة والتضامن مع ضحيتها إلى تبادل الاتهامات والتشكيك بقيم المجتمع، يصبح من واجب المعالجة الإعلامية توضيح الحقائق والإجابة عن التساؤلات، وإبقاء الجريمة ومسؤولية مرتكبها في صلب النقاش. فتحويل الاعتداء إلى اتهام متبادل بين المواطنين يوسع أثره داخل المجتمع، في وقت نحتاج فيه إلى تعزيز التماسك الداخلي والثقة بين المواطن والمؤسسات.
وأعتقد أن المساحة الإعلامية تحتاج في هذه المرحلة إلى حضور أوسع للأئمة والوعّاظ المؤهلين للحوار والإرشاد الديني ومواجهة الفكر المتطرف، بخطاب يعزز حرمة الدم وصون النفس، ويفكك الأفكار التي تبرر العنف، ويرشد الناس إلى التثبت وتجنب التسرع في اتهام الآخرين. نحتاج إلى محتوى يساعد الجمهور على الفهم والتصرف بمسؤولية، ويحول مشاعر الحزن والغضب إلى وعي وتكافل.
فاختيار من يظهر للجمهور جزء من مسؤولية الاتصال. والخبرة السياسية وحدها لا تكفي لتقديم خطاب توعوي قادر على تفكيك الفكر المتطرف والرد على مبرراته. نحتاج إلى أن تتناسب خبرة المتحدث مع طبيعة السؤال، وأن يخرج المتلقي من المحتوى بفهم أو إرشاد يستطيع الاستفادة منه.
ما يعنيني هنا هو أن تضيف المعالجة الإعلامية فهماً ووعياً، وأن تحفظ كرامة الشهيد ومشاعر أسرته، وتدعم من يحمون الوطن، وتصون ثقة الأردنيين ببعضهم وصورتهم التي بنتها مواقفهم عبر السنين. هذا، في تقديري، أحد أهم معايير نجاح الاتصال في الأزمات.
رحم الله الشهيد جواد السلايطة، وحفظ الأردن وأهله.