جواد السلايطة شهيد الواجب بيد الغدر
أ.د سلطان المعاني
08-11-2026 10:07 AM
استشهد العريف جواد علي خلف السلايطة وهو يؤدي واجبه الأمني في حراسة سفارة سريلانكا في شارع المدينة المنورة بالعاصمة عمّان، ظهر الخميس الخامس من تشرين الثاني، حين امتدت إليه يد إجرامية غادرة، وباغتته بطعنات أودت بحياته. وقعت الجريمة في وضح النهار، وفي موقع أمني يؤدي فيه أحد أبناء الوطن واجبه المكلف به، فكان الخبر مؤلمًا ومفجعًا، وأثار موجة من الحزن والغضب والاستنكار بين الأردنيين الذين تلقوا نبأ استشهاده، وشاهدوا في هذه الجريمة اعتداءً جبانًا على رجل أمن كان يؤدي عمله في حماية إحدى البعثات الدبلوماسية العاملة في المملكة.
كان جواد في موقع خدمته، مرتديًا بزته العسكرية، ملتزمًا بمهمة حراسة السفارة والمحافظة على أمنها، وهي واحدة من المهمات التي تضطلع بها مديرية الأمن العام في حماية السفارات والمقار الدبلوماسية، وتوفير الأمن للعاملين فيها وزائريها. وقد باغته المجرم في أثناء قيامه بواجبه، مستغلًا وجوده في موقع عمله، ليعتدي عليه بأداة حادة، في جريمة تكشف عن استهتار مرتكبها بحرمة الحياة، واعتدائه على رجل يمثل مؤسسة أمنية تضطلع بمسؤولية حماية المواطنين والمقيمين وضيوف الأردن.
وجاء تدخل رجال الأمن الذين كانوا على مقربة من موقع الاعتداء سريعًا وحاسمًا، حيث تعاملوا مع المعتدي وتمكنوا من السيطرة عليه وإلقاء القبض عليه، بعد مواجهة أصيب خلالها الملازم الثاني فراس العنانزة في وجهه. وقد بذل رجال الأمن جهدهم للسيطرة على الموقف ومنع المجرم من مواصلة عدوانه، فيما جرى إسعاف العريف جواد ونقله إلى المستشفى، حيث فارق الحياة متأثرًا بإصابته، ليلتحق بقافلة شهداء الأمن العام الذين قدموا أرواحهم أثناء أداء واجباتهم.
وتزيد المعلومات الأولية التي أعلنتها مديرية الأمن العام عن وجود تخطيط مسبق لاستهداف رجال الأمن من خطورة الجريمة، وتستدعي الوقوف بحزم أمام هذا العدوان الإجرامي، وملاحقة كل من يثبت تورطه فيه، وكشف دوافعه وملابساته، وإحالة مرتكبه إلى القضاء لينال العقوبة التي يستحقها وفق أحكام القانون. فاستهداف رجال الأمن أثناء قيامهم بواجباتهم جريمة تستوجب الإدانة بأشد العبارات، وتقتضي موقفًا وطنيًا واضحًا يرفض الإرهاب والعنف والغدر، ويؤكد احترام مؤسسات الدولة ورجالها الذين يحملون مسؤولية أمن المجتمع واستقراره.
ولقد كان جواد واحدًا من آلاف الأردنيين الذين يرتدون البزة العسكرية، ويلتحقون بمواقع خدمتهم كل يوم، ويتحملون ما تفرضه عليهم واجباتهم من مسؤوليات ومخاطر. يقفون أمام السفارات والمؤسسات والمرافق العامة، وينظمون حركة السير، ويسهرون على حماية الناس وممتلكاتهم، ويتدخلون عند وقوع الحوادث والاعتداءات، وقد يواجهون في لحظات مفاجئة أخطارًا تهدد حياتهم. ويؤدون هذه المهمات بصبر وانضباط، ويحملون في الوقت نفسه هموم أسرهم وتطلعاتهم إلى حياة آمنة ومستقرة، شأنهم شأن سائر أبناء المجتمع الذين يخدمون وطنهم في مختلف ميادين العمل.
وكان استشهاد جواد في موقع حراسة السفارة السريلانكية تذكيرًا بما ينهض به الأردن من مسؤوليات تجاه البعثات الدبلوماسية المعتمدة لديه، وبالدور الذي يؤديه رجال الأمن العام في الوفاء بهذه المسؤوليات. ويستحق هذا الجانب من عملهم التقدير والاحترام، لما يتطلبه من يقظة واستعداد وانضباط، ولما يحمله من مسؤولية عن سلامة المنشآت والأشخاص الذين تشملهم الحماية الأمنية. وقد دفع جواد حياته وهو يؤدي هذه المهمة، ليكون استشهاده شاهدًا على المخاطر التي قد يتعرض لها رجل الأمن حتى في موقع خدمته الاعتيادي.
وتستحق شجاعة الملازم الثاني فراس العنانزة وزملائه الذين تدخلوا لمواجهة المعتدي التقدير والثناء، فقد أدوا واجبهم في ظروف خطرة، وتمكنوا من القبض على المجرم. ونتمنى للملازم العنانزة الشفاء العاجل والعودة إلى موقع عمله معافى، ونحيي جميع رفاق الشهيد الذين يواصلون أداء واجباتهم رغم الحزن الذي أصاب مؤسستهم بفقد أحد رجالها.
أما أسرة الشهيد جواد السلايطة، فقد أصابها وجع الفقد، وفقدت ابنًا عزيزًا كان يؤدي واجبه تجاه وطنه. ولها من الأردنيين جميعًا مشاعر العزاء والمواساة والتضامن، ولأهله وعشيرته ورفاقه في مديرية الأمن العام خالص التعزية وصادق الدعاء بالصبر والسلوان. وتستحق هذه الأسرة أن تجد من مؤسسات الوطن وأبنائه ما يخفف عنها ألم المصاب، وما يعبر عن الوفاء لذكرى ابنها وتضحياته.
وندين هذه الجريمة الإرهابية الغادرة بكل قوة ووضوح، ونؤكد ثقتنا برجال الأمن العام وقدرتهم على حماية الوطن والتصدي للمجرمين، ووقوف الأردنيين إلى جانبهم في أداء رسالتهم. وستبقى جريمة اغتيال جواد السلايطة صفحة مؤلمة في سجل الاعتداءات على رجال الأمن الذين يقدمون التضحيات في سبيل سلامة وطنهم وأهله.
رحم الله العريف جواد علي خلف السلايطة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته وذويه جميل الصبر والسلوان. فقد اغتال الغدر حياته وهو يؤدي واجبه، وسيبقى اسمه في ذاكرة الوطن شهيدًا ارتقى في موقع الشرف والمسؤولية، وترك وراءه سيرة رجل أدى الأمانة حتى اللحظة الأخيرة من حياته.