facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




التقية في علم الإدارة، بمعنى أن يصبح الصمت استراتيجية ويغدو الغموض أداة للنفوذ


محمد نور الدباس
01-11-2026 10:20 AM

ليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُخطط له يُعلن، وليس كل صمت علامة ضعف، كما أن كل وضوح ليس بالضرورة دليلاً على الحكمة، ففي عالم الإدارة والسياسة، حيث تتصارع المصالح وتتقاطع الطموحات وتتنافس القوى على النفوذ، قد يكون تأجيل المواجهة أكثر فاعلية من خوضها، وقد يكون الاحتفاظ بالمعلومات أكثر أهمية من الإفصاح عنها، وقد يكون التغيير الهادئ أقدر على تحقيق النتائج من القرارات الصاخبة، من هنا تبرز فكرة يمكن تسميتها، على سبيل الاستعارة والتحليل، "التقية في علم الإدارة".

إنها فكرة تستحق التأمل، لا بوصفها مصطلحاً إدارياً مستقراً في الأدبيات الحديثة، بل باعتبارها مدخلاً لفهم العلاقة بين ما يُقال وما يُضمر، وبين الموقف المعلن والهدف الحقيقي، وبين الحكمة في إدارة الصراع والخطر الكامن في تحويل المراوغة إلى أسلوب حياة مؤسسية.

فعندما نتحول من التقية الفقهية إلى المناورة الإدارية، نقول إن التقية ترتبط في أصلها الفقهي بسياقات تتعلق باتقاء الضرر والخوف والإكراه، وفق ضوابط تختلف باختلاف المدارس الفقهية، أما استدعاؤها إلى المجال الإداري، فيتطلب تمييزاً جوهرياً بين حماية النفس أو المصلحة المشروعة من جهة، وبين التضليل والخداع من جهة أخرى.

فالإدارة ليست مطالبة بكشف جميع أوراقها أمام المنافسين، ولا يُشترط في القائد الناجح أن يعلن كل نياته وخططه قبل أن تنضج، غير أن هذا لا يعني أن إخفاء المعلومات أو إظهار خلاف الحقيقة يصبحان فضيلة إدارية في حد ذاتهما، فالمقصود هنا هو القدرة على إدارة توقيت الإفصاح، واختيار اللحظة المناسبة للمواجهة، وحماية المعلومات الحساسة، والتعامل بمرونة مع بيئة قد لا تسمح بإحداث التغيير دفعة واحدة، فهي في جوهرها، إدارة واعية للمعلومات والمخاطر، شريطة ألا تتحول إلى ذريعة لتبرير الكذب أو الالتفاف على المسؤوليات.

والقائد الذكي لا يخوض كل معركة، كونه من الأخطاء الشائعة في فهم القيادة الاعتقاد بأن المدير القوي هو الذي يواجه الجميع، ويعلن مواقفه بلا حساب، ويدخل في صدام مع كل مقاومة، لكن الواقع الإداري أكثر تعقيداً؛ فالقائد لا يُقاس بعدد المعارك التي يخوضها، بل بقدرته على تحديد المعارك التي تستحق الخوض، وتلك التي ينبغي تأجيلها، وتلك التي يمكن تجاوزها من دون خسائر غير ضرورية.

قد يتولى مدير ما مسؤولية مؤسسة ما اعتادت أنماطاً تقليدية في العمل، وتتشبث قياداتها الوسطى بممارسات راسخة، وتقاوم أي محاولة للتطوير، فإذا أعلن منذ يومه الأول حرباً مفتوحة على جميع هذه الممارسات، فقد يوحّد خصومه ضده قبل أن يمتلك أدوات التغيير، أما إذا بدأ بفهم موازين القوى، وتشخيص مواطن الخلل، وبناء التحالفات المهنية، وتحقيق نجاحات صغيرة قابلة للقياس، فقد يتمكن تدريجياً من تغيير المؤسسة من الداخل.

هذا ليس بالضرورة نفاقاً أو تقية بالمعنى السلبي، بل قد يكون صورة من صور إدارة التغيير، بشرط أن تكون الغاية إصلاح المؤسسة، وأن تظل الوسائل مشروعة، وألا تتحول المرونة المؤقتة إلى تواطؤ دائم مع الفساد أو تعطيل المصلحة العامة، فالحكمة ليست في إعلان الحرب على الواقع منذ اللحظة الأولى، وإنما في امتلاك خطة واقعية لتغييره من دون أن يصبح القائد أسيراً له.

والسرية الاستراتيجية تعني حق المؤسسة في حماية أوراقها؛ ففي عالم الأعمال، لا تكشف الشركات عن جميع خططها التنافسية، ولا تعلن المؤسسات عن تفاصيل عملياتها الحساسة قبل أوانها، وفي السياسة، لا تُطرح جميع الأوراق التفاوضية على الطاولة منذ البداية، كما أن الدبلوماسية الناجحة تقتضي أحياناً ترك مساحة من الغموض تتيح للأطراف التراجع عن التصعيد أو الوصول إلى تسوية.

لكن السرية الاستراتيجية ليست مرادفاً للتضليل. فثمة فرق بين أن تحتفظ المؤسسة بسر تجاري مشروع، وبين أن تخفي معلومات يتوجب عليها قانوناً أو أخلاقياً الإفصاح عنها، وثمة فرق بين أن يؤجل المفاوض الكشف عن الحد الأدنى الذي يقبل به، وبين أن يقدم بيانات كاذبة بقصد خداع الطرف الآخر، ومن هنا، فإن القيمة الإدارية للكتمان تتحدد بطبيعة المعلومة، والجهة التي تُحجب عنها، والغاية من الحجب، والمدة التي يستمر خلالها، فالسرية التي تحمي الابتكار وتمنع استغلال المعلومات قد تكون ضرورة، أما السرية التي تحمي الفشل أو الفساد أو تضارب المصالح فهي عبء على المؤسسة، مهما ارتدت من مبررات إدارية.

وإدارة الإدراك تعني أن تصبح الرواية جزءاً من القوة؛ أي لم تعد القوة في المؤسسات والدول مقتصرة على الموارد والقرارات، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بالقدرة على تفسير الأحداث وصياغة الروايات وتحديد الصورة التي تتشكل في أذهان الجمهور، فالمؤسسة التي تمر بأزمة لا تواجه الحدث وحده، وإنما تواجه كذلك الطريقة التي يُفهم بها الحدث، والقيادة التي تتخذ قراراً صعباً تحتاج إلى تفسيره وشرح مبرراته، وإلا تركت المجال للشائعات والتأويلات المتضاربة.

غير أن إدارة الإدراك قد تنزلق إلى التلاعب بالرأي العام، حين تُستخدم المعلومات المجتزأة، أو تُخفى الحقائق الجوهرية، أو تُصنع رواية لا تتفق مع الوقائع، وهنا يظهر الحد الفاصل بين الاتصال الاستراتيجي والخداع؛ الأول يساعد الناس على فهم الواقع ضمن معلومات دقيقة وسياق واضح، أما الثاني فيسعى إلى صناعة واقع بديل في أذهانهم، وفي المؤسسات العامة، تزداد خطورة هذا الانزلاق؛ لأن العلاقة مع المواطنين لا تقوم على المصلحة التجارية وحدها، بل على الثقة والمساءلة والحق في الحصول على المعلومات وفق القانون.

والتقية المؤسسية هي الوجه الآخر للبيروقراطية، فلعل أكثر صور هذه الظاهرة حضوراً في المؤسسات ليست السرية المهنية المشروعة، بل ما يمكن تسميته «التقية المؤسسية»؛ أن يعلن الموظف تأييده للقرار وهو يعمل على تعطيله، وأن يرفع المدير شعارات التطوير بينما يحافظ على أدوات الفشل، وأن تتحدث المؤسسة عن الشفافية في تقاريرها بينما تُدار قراراتها الفعلية في دوائر مغلقة، ففي هذه البيئة، يصبح الخطاب الرسمي شيئاً، والسلوك الفعلي شيئاً آخر، ويتعلم الموظفون تدريجياً أن النجاح لا يتوقف على الكفاءة وحدها، بل على القدرة على قراءة ما يريده أصحاب النفوذ، وتجنب قول الحقيقة التي لا يرغبون في سماعها.

والنتيجة أن المؤسسة قد تبدو مستقرة من الخارج، بينما تتآكل قدرتها على التعلم والتصحيح من الداخل، فالمعلومات التي تصل إلى القيادة تصبح منقحة لإرضائها، والمخاطر تُخفى حتى تتفاقم، والمبادرات تتراجع لصالح المجاملة، وتتحول الاجتماعات إلى طقوس لتأكيد قرارات اتُّخذت مسبقاً، فأخطر ما يمكن أن يصيب المؤسسة ليس وجود خلافات داخلها، بل اختفاء الخلاف من الخطاب العلني مع بقائه في الممارسات الخفية، فالاختلاف الصريح يمكن إدارته، أما الاتفاق الشكلي الذي يخفي مقاومة صامتة فيعطل القرار ويبدد الموارد.

وتصبح التقية خطراً على القيادة عندما يكون الغموض مفيداً في التفاوض، وقد تكون السرية ضرورية في الأزمات، وقد يكون التدرج في التغيير أكثر واقعية من المواجهة المباشرة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والتكتيك إلى ثقافة، والمرونة إلى ازدواجية دائمة.

أخطار التقية الإدارية الرئيسية الثلاثة؛ أولها انهيار الثقة؛ إذ لا يمكن للموظفين والشركاء أن يبنوا علاقات مستقرة مع قيادة تتغير مواقفها وفق الجمهور، وتقدم لكل طرف رواية مختلفة عن الحقيقة نفسها، وثانيها تراجع جودة القرار؛ لأن القائد الذي يحيط نفسه بالمجاملات والمعلومات المنتقاة يفقد القدرة على رؤية المشكلات كما هي، ويصبح أكثر عرضة للمفاجآت التي كان يمكن تفاديها لو وصلت إليه الحقائق في وقتها، وثالثها تآكل المساءلة؛ إذ يصبح من السهل تبرير الإخفاقات بالظروف، وإلقاء المسؤولية على الآخرين، وتقديم الإنجازات في الخطاب الرسمي أكبر من حجمها الفعلي، وهكذا، فإن الأداة التي بدأت لحماية المؤسسة قد تتحول إلى سبب في إضعافها، عندما تصبح المحافظة على الصورة أهم من معالجة الخلل، ويغدو إرضاء القيادة أهم من تحقيق أهداف المؤسسة.

وعند المسير نحو أخلاقيات جديدة لإدارة المعلومات، فلا تحتاج الإدارة الحديثة إلى الاختيار بين الشفافية المطلقة والسرية المطلقة؛ فكلتاهما، إذا أُخذت إلى أقصى حدودها من دون تمييز، قد تقود إلى نتائج غير مرغوبة. ما تحتاج إليه هو التمييز بين المعلومات التي يجب حمايتها، والمعلومات التي ينبغي إعلانها، والمعلومات التي يجوز تأجيل الإفصاح عنها، والمعلومات التي لا يجوز حجبها عن أصحاب الحق في معرفتها.

ويقتضي ذلك أن تكون السرية محددة الغرض والمدة، وأن تخضع للمراجعة والمساءلة، وأن تُحترم الالتزامات القانونية والحقوق الأساسية، وألا تُستخدم لحماية الفساد أو التهرب من المسؤولية، كما يتطلب بناء ثقافة مؤسسية تسمح للموظف بأن يعترض دون خوف، وللمدير بأن يعترف بالخطأ دون أن يفقد مكانته، وللمؤسسة بأن تعلن إخفاقاتها حين تقتضي المصلحة العامة ذلك، وأن تتعامل مع النقد بوصفه مصدراً للتطوير لا تهديداً للنفوذ، فالقائد الذي ينجح في إسكات الجميع قد يحقق هدوءاً مؤقتاً، لكنه لا يضمن سلامة القرار. أما القائد الذي يستطيع الاستماع إلى الحقيقة حتى عندما تكون مزعجة، فهو الأقدر على حماية المؤسسة من أخطائها.

خلاصة القول، ذكاء المناورة لا يبرر أخلاقية الخداع؛ فاستدعاء مفهوم التقية إلى علم الإدارة يفتح باباً مهماً للتفكير في العلاقة بين القوة والمعلومة، وبين الصمت والحكمة، وبين ما ينبغي إعلانه وما يجب الاحتفاظ به حتى يحين أوانه، لكنه يظل استعارة تحليلية تحتاج إلى ضوابط دقيقة، لا نظرية إدارية معتمدة بذاتها، فليس كل كتمان خداعاً، وليس كل إعلان حكمة، وليس كل صمت ضعفاً، لكن ليس كل غموض ذكاءً، ولا كل مناورة نجاحاً، ولا كل من يجيد إخفاء نواياه قائداً ناجحاً.

والفارق بين القائد الحكيم والمتلاعب ليس في قدرة كل منهما على إخفاء أوراقه، بل في الغاية التي يسعى إليها، والوسائل التي يستخدمها، والحدود التي يرفض تجاوزها، والإدارة الناجحة تعرف متى تصمت، لكنها لا تجعل الصمت بديلاً عن الحقيقة؛ وتعرف متى تناور، لكنها لا تجعل الخداع منهجاً؛ وتعرف كيف تحمي مصالح المؤسسة، لكنها لا تنسى أن الثقة هي رأس مالها الأهم، فقد تنجح التقية في إدارة معركة، وقد تنقذ مناورة مؤسسة من أزمة، لكن المؤسسة التي تضطر إلى إخفاء حقيقتها باستمرار لا تكون قد أتقنت الإدارة، بل تكون قد فقدت القدرة على مواجهة الواقع، وحين تصبح المسافة بين القول والفعل أكبر من أن تُردم، لا يعود الغموض أداة للقوة، بل يتحول إلى بداية الانهيار.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :