facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




شخصنة الخلاف في المجالس آفة


د. جهاد يونس القديمات
01-11-2026 10:42 AM

قد يبدأ المجلس بحديث عادي حول موضوع اجتماعي أو فكرة يتبادل الحاضرون الآراء بشأنها، ثم يتحول النقاش تدريجيا إلى خلاف شخصي لم يكن له داع، لمجرد أن أحدهم لم يتقبل رأيا مخالفا لرأيه، أو شعر أن الاعتراض على كلامه انتقاص من مكانته أمام الآخرين، عندها يتراجع الموضوع الذي بدأ الحديث من أجله، وينشغل كل طرف بالدفاع عن نفسه وإثبات صحة موقفه، وكأن الاختلاف في الرأي معركة لا بد أن يخرج منها أحد الطرفين منتصرا والآخر مهزوما، رغم أن المجلس لم يجمع الحاضرين للمنافسة، بل للحديث وتبادل الأفكار والاستفادة من تجارب بعضهم.

الاختلاف في الرأي أمر طبيعي، بل إن تنوع وجهات النظر قد يساعدنا على فهم الأمور بصورة أوسع والاستفادة من خبرات الآخرين، فلكل إنسان تجاربه وطريقته في التفكير ومواقفه التي تؤثر في نظرته إلى الحياة، لكن المشكلة تبدأ عندما نخلط بين الفكرة وصاحبها، فنعتبر مخالفة رأينا إساءة إلينا، أو نفسر الاعتراض على كلامنا بأنه تقليل من شأننا، وعندها لا يعود اهتمامنا منصبا على فهم الموضوع ومناقشة أسبابه، بل يصبح هدفنا إثبات أننا على صواب، حتى لو كان لدى الطرف الآخر ما يستحق الاستماع إليه والتفكير فيه.

قد يظهر هذا التحول في موقف بسيط يتكرر في كثير من المجالس، عندما يقول أحد الحاضرين إن تجربة معينة لم تنجح، فيرد آخر بأنه يعرف أشخاصا نجحوا فيها، ثم يبدأ كل منهما بتقديم الأمثلة التي تدعم رأيه، كان من الممكن أن يبقى الحديث في حدود تبادل التجارب، لكن أحدهما قد يقول (أنت دائما تعارض كلامي، وكأنك تفهم في كل شي)، فيجيبه الآخر (أنا لا أعترض عليك، لكنك لا تقبل أن يخالفك أحد)، لم يعد النقاش حول التجربة أو مدى نجاحها عند هذه اللحظة تحديدا،، بل أصبح حول شخصية كل طرف ونواياه، وقد يمتد إلى مواقف سابقة لا علاقة لها بالموضوع، وهكذا يتحول اختلاف بسيط إلى توتر كان من الممكن تجنبه لو بقي الحديث في حدود الفكرة المطروحة.

تتخذ شخصنة الخلاف أشكالا متعددة، فقد تظهر في رفع الصوت أو مقاطعة المتحدث، وقد تأتي في صورة سخرية أو تلميحات تقلل من قيمة الرأي أمام الحاضرين، وأحيانا تتجاوز ذلك إلى استحضار أخطاء قديمة أو التشكيك في معرفة الطرف الآخر وخبرته، وقد يظن صاحب هذا السلوك أنه يدافع عن نفسه أو يثبت قوته، بينما تكون النتيجة الفعلية إغلاق باب الحوار ودفع الآخرين إلى اتخاذ موقف دفاعي، فلا يعود أحد مستعدا للاستماع أو مراجعة رأيه، لأن كل طرف يشعر بأنه أصبح موضع هجوم شخصي.

يزداد الأمر تعقيدا عندما يعتقد الإنسان أن الاعتراف بالخطأ دليل ضعف، أو أن التراجع عن رأيه قد يقلل من احترام الآخرين له، فيواصل الدفاع عن موقفه حتى عندما تظهر أسباب واضحة تدعوه إلى مراجعته، وقد يتمسك برأيه لا لأنه ما زال مقتنعا به تماما، بل لأنه لا يريد أن يبدو مهزوما أمام الحاضرين، والحقيقة أن الثقة بالنفس لا تعني أن يكون الإنسان على صواب في كل مرة، وإنما أن يمتلك الشجاعة للاستماع إلى ما يخالفه، ومراجعة أفكاره، والاعتراف بخطئه عندما يكتشف أنه لم يكن دقيقا، فالإنسان لا يخسر مكانته عندما يصحح رأيه، بل قد يكسب احترام الآخرين لأنه يقدم الحقيقة على رغبته في الانتصار.

لا تقف آثار شخصنة الخلاف عند انتهاء المجلس، فقد تترك كلمة قاسية أثرا في النفس، ويتحول نقاش عابر إلى عتاب أو جفاء، وربما تتأثر علاقة صداقة أو قرابة بسبب موضوع لم يكن يستحق كل ذلك، وقد يختار بعض الحاضرين الصمت في المجالس اللاحقة، ليس لأنهم لا يملكون رأيا، بل لأنهم لا يريدون الدخول في جدال طويل أو التعرض للسخرية والإحراج، ومع تكرار هذه المواقف تقل المشاركة في الحديث، ويصبح بعض الناس أكثر حذرا في التعبير عن آرائهم، فتفقد المجالس جزءا من قيمتها الاجتماعية التي تقوم على الألفة وتبادل الخبرات وتقبل الاختلاف.

التعامل مع الاختلاف لا يتطلب منا التخلي عن قناعاتنا أو الموافقة على آراء لا نقتنع بها، وإنما يحتاج إلى أن نفرق بين نقد الفكرة والتقليل من صاحبها، فمن حق الإنسان أن يعترض ويقدم حججه ويوضح أسباب اختلافه، لكن دون تجريح أو اتهام أو تشكيك في النوايا. فعندما نقول (أنا أرى الموضوع بطريقة مختلفة، لأن التجربة التي أعرفها تشير إلى نتيجة أخرى)، فإننا نوضح موقفنا ونترك المجال أمام الطرف الآخر لشرح وجهة نظره، أما عندما نقول (أنت لا تفهم، ودائما كلامك غير صحيح)، فإننا لا نقدم حجة تساعد على فهم الموضوع، بل نوجه إهانة تدفع الطرف الآخر إلى الدفاع عن نفسه، والفرق بين الأسلوبين ليس في الكلمات وحدها، بل في النتيجة التي يتركانها في نفوس الحاضرين وفي طبيعة العلاقة بينهم.

يمكن لكل واحد منا أن يسهم في تحسين أجواء المجالس من خلال ممارسات بسيطة، مثل منح المتحدث فرصة لإكمال حديثه، والاستماع إلى فكرته قبل الحكم عليها، وطلب التوضيح عندما لا نفهم مقصده بدلا من افتراض نواياه، ومن المفيد أيضا أن نركز على الموضوع المطروح دون استحضار خلافات قديمة، وأن نبتعد عن السخرية حتى عندما نرى أن الرأي المقابل غير مقنع، لأن قوة الحجة لا تحتاج إلى التقليل من الآخرين حتى تظهر، وإذا شعرنا بأن النقاش بدأ يخرج عن مساره، فقد يكون تغيير الموضوع أو تأجيل الحديث تصرفا حكيما يحفظ الود، فليس من الضروري أن نحسم كل مسألة في مجلس واحد، ولا أن نرد على كل كلمة تقال.

للحاضرين دور مهم في المحافظة على احترام المجلس، لأن الضحك على تعليق جارح أو تشجيع أحد الأطراف على إحراج الآخر قد يحول النقاش إلى استعراض أمام الجميع، ويجعل الانتصار على الطرف المقابل أهم من الوصول إلى فهم أفضل، أما إعطاء الجميع فرصة للتعبير، وعدم مكافأة التجريح بالضحك أو التصفيق، فيساعدان على إبقاء الحوار في حدوده الطبيعية، ومن الجميل أن يبادر أحد الحاضرين إلى إعادة الحديث إلى موضوعه بهدوء عندما يشعر بأن النقاش تحول إلى خلاف شخصي، دون أن ينحاز إلى طرف أو يحرج أحدا، فالمقصود ليس إسكات المختلفين، بل مساعدتهم على التعبير عن آرائهم بطريقة تحفظ احترام الجميع.

من المهم أن نتذكر أن علاقاتنا بالآخرين أكبر من الآراء التي نختلف حولها، وأن الشخص الذي نعارضه في موضوع اليوم قد نتفق معه في موضوع آخر، وقد تجمعنا به صداقة أو قرابة أو مواقف طيبة لا ينبغي أن تختزلها لحظة خلاف، كما أن أفكارنا ومواقفنا قابلة للمراجعة كلما اكتسبنا معرفة جديدة أو مررنا بتجارب مختلفة، ولذلك فإن الاستماع إلى الرأي المخالف لا ينتقص من مكانتنا، بل يمنحنا فرصة لرؤية جوانب ربما لم ننتبه إليها، وليس مطلوبا أن نخرج من كل نقاش متفقين، بل أن نحافظ على الاحترام حتى عندما تبقى وجهات النظر مختلفة.

بكلمات اخرى، لا تقاس قوة الإنسان بقدرته على إسكات من يخالفه، ولا بكثرة ما يقدمه من ردود، بل تظهر في قدرته على الاستماع بهدوء، وضبط انفعاله، والدفاع عن رأيه دون تجريح، والاعتراف بالخطأ عندما يتبين له الصواب، فلنجعل مجالسنا مساحة لتبادل الأفكار وتقريب وجهات النظر والاستفادة من التجارب، لا ساحة لإثبات من هو الأعلم أو الأقوى حجة أمام الآخرين، فيمكننا أن نختلف في الرأي دون أن نخسر الاحترام، وأن نتمسك بقناعاتنا دون أن نجرح غيرنا، وأن ننهي النقاش دون أن ننهي الود بيننا، فقد ننسى مع مرور الأيام تفاصيل الحديث والآراء التي تبادلناها، لكننا قد نتذكر طويلا كلمة جرحتنا أو موقفا شعرنا فيه بأن احترامنا لم يكن موضع تقدير، ومن هنا تبدأ الحكمة الحقيقية في المجالس: هو أن نمنح أفكارنا حقها في النقاش، ونمنح الآخرين حقهم في الاختلاف، ونحافظ على ما يجمعنا حتى عندما لا نتفق على ما نتحدث عنه.

jehadhr@gmail.com





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :