* مرشح لتمثيل قطاع الإنشاءات ومواد البناء في غرفة تجارة الأردن
من خبرة الميدان والعمل العام… إلى مسؤولية حماية الحقوق وفتح الفرص
ما زلت أذكر مبنى سكنيًا من سنوات عملي في أمانة عمّان الكبرى. أنفق صاحبه مدخرات عمره في بنائه، ثم تبيّن أن خطأً مساحيًا أزاحه عن موقعه، فتجاوز جزء منه الارتداد المسموح، وبلغ جزء آخر حرم الرصيف.
كان الأسهل أن نقول إن المخالفة تمنع إصدار إذن الإشغال وننتهي عند ذلك. لكنني رأيت خلف المخالفة إنسانًا وجد في ذلك البيت حصيلة عمره وملاذ أسرته. فبحثنا عن معالجة عادلة تحترم القانون ومتطلبات السلامة؛ رُخّصت الأجزاء التي تجيز الأنظمة ترخيصها، واستُوفيت الحقوق والبدلات المستحقة، وبقي الجزء الواقع في حرم الرصيف دون ترخيص، مع تعهد بإزالته عند طلب الأمانة وفق الأصول القانونية.
خرجت من تلك التجربة بقناعة راسخة: احترام القانون لا يعني إغلاق باب الحلول، ومسؤولية صاحب القرار لا تنتهي عند شرح أسباب تعذّر الحل، بل تشمل البحث عمّا يمكن فعله ضمن الصلاحيات. ومن هذه القناعة أترشّح لتمثيل قطاع الإنشاءات ومواد البناء في غرفة تجارة الأردن.
يسألني بعض الزملاء: لماذا تترشح وأنت لست بحاجة إلى منصب جديد؟
جوابي أن المنصب ليس غاية؛ فالمسؤولية الرسمية قد تنتهي، لكن الخبرة تبقى وتزداد قيمتها حين تُوظَّف لخدمة الآخرين. مارست العمل الهندسي سبعة وثلاثين عامًا في التصميم والإشراف وإدارة المشاريع، وخدمت ثماني سنوات في أمانة عمّان وأربع سنوات في مجلس النواب، ضمن تجربة جمعت بين العمل الهندسي والإدارة المحلية والتشريع، وتداخلت بعض مراحلها زمنيًا. وقد علمتني هذه التجارب أن معالجة قضايا القطاع تحتاج إلى فهم القرار من داخل المؤسسات، والقدرة على الحوار معها، ومتابعة ما يُتفق عليه حتى يتحول إلى إجراء ملموس.
أولًا: المستحقات المتأخرة… حين تصبح السيولة قضية قطاع
إن بدأت بملف واحد، فهو تأخر صرف المستحقات. فدفعة تتأخر من صاحب العمل تنتقل آثارها إلى المقاول، ثم التاجر والمورد والمصنع وشركة النقل والعامل، بينما تبقى الالتزامات البنكية قائمة. وقد تحقق المنشأة أرباحًا على الورق، لكنها تواجه خطر التعثر لأن أموالها لم تصل في موعدها.
وللدلالة على حجم المشكلة، أعلن وزير الإدارة المحلية في 19 حزيران 2025 أن مستحقات المقاولين والموردين المترتبة على عطاءات البلديات تجاوزت 70 مليون دينار، وأن بنك تنمية المدن والقرى ووزارة المالية باشرا بصرفها. وهو رقم يعكس حجم الالتزامات التي تراكمت آنذاك، وليس تقديرًا للمستحقات المتأخرة اليوم.
سأركز على أربعة مسارات مترابطة:
التوثيق: تسجيل المطالبات بموافقة أصحابها مع الحفاظ على سريتها، والتمييز بين المستحقات الثابتة والمتنازع عليها.
الحوار المؤسسي: التواصل مع الجهات الحكومية وأصحاب المشاريع والبنوك لتحسين انتظام الدفع وبحث جدولة الالتزامات.
وضوح العقود: الدفع نحو اعتماد عقود توريد تحدد الشروط ومواعيد السداد بوضوح.
الإرشاد القانوني: التعاون مع محامين مرخصين وتشجيع التسويات الودية، مع احترام اختصاص القضاء.
ولا تنحصر أزمة السيولة في المستحقات الحكومية؛ فهناك ذمم تجارية متعثرة، وتسهيلات مصرفية مرتفعة الكلفة، وضمانات يصعب على بعض المنشآت الصغيرة توفيرها. وسأسعى إلى حوار مع البنك المركزي والبنوك والجهات المعنية لبحث حلول عملية للتمويل والتحصيل والضمانات، تحفظ حقوق الدائنين وتساعد المنشآت القابلة للاستمرار على تجاوز أزماتها.
وستحظى المنشآت الصغيرة والمتوسطة، ولا سيما محال مواد البناء في المحافظات، باهتمام خاص. فهي ركيزة للاقتصاد المحلي، توفر فرص العمل وتخدم حركة البناء والصيانة. وأعرف أن تأخر مستحق واحد قد يكون كافيًا لتهديد استمرار بعضها.
ولن أكتفي بتوثيق المطالبات وعقد الاجتماعات. سأتابع الملفات، بموافقة أصحابها، حتى يتحدد لكل منها طريق واضح للتسوية أو المعالجة، مع بيان ما أُنجز وأسباب تعثر ما بقي دون حل.
ثانيًا: الكلفة التي لا تظهر في الفاتورة
كلفة مواد البناء لا تقف عند سعر الشراء من المصدر؛ فهناك الشحن والجمارك والفحوصات والتخليص والتخزين والتمويل. وكل يوم تتأخر فيه بضاعة في التخليص، أو تتعطل فيه معاملة ترخيص دون مبرر، يضيف كلفة جديدة. والنتيجة طلبات توريد مؤجلة، وسيولة مجمدة، وفرص عمل تضيع.
سأعمل على تحويل شكاوى التجار إلى ملفات موثقة تكشف مدد الإنجاز وأعباء التأخير، ومناقشتها مع دائرة الجمارك ومؤسسة المواصفات والمقاييس، كلٌّ ضمن اختصاصه.
وفي أمانة عمّان الكبرى والجهات التنظيمية في البلديات، سأدفع باتجاه برنامج لتحسين إجراءات الترخيص وإصدار أذونات الإشغال، يبدأ خلال الأشهر الثلاثة الأولى بتوثيق مدد إنجاز المعاملات وأسباب تأخرها، تمهيدًا للمطالبة بمؤشرات أولية معلنة للتحسين.
وأرى أن البداية الصحيحة مع أمانة عمّان تكون بتبسيط الإجراءات قبل رقمنتها، وتحديد مدد معلنة لإنجاز المعاملات، وتوحيد تفسير الأنظمة، ومعالجة الملفات المتعثرة دون تجاوز القانون أو متطلبات السلامة. ومن المهم أيضًا دراسة إمكان السير المتوازي في إجراءات الترخيص والتعديل التنظيمي حيثما يجيز القانون، مع المحافظة على حقوق الجوار.
وأعرف من تجربتي أن تعديل الأنظمة والرسوم ليس بيد ممثل القطاع منفردًا. لكن ذلك لا يعفيه من إعداد المقترحات والدفاع عنها ومتابعتها مع أصحاب الصلاحية. فالتاجر لا يعنيه في النهاية عدد الاجتماعات التي نعقدها، بل أن تنخفض مدة الترخيص وكلفته الفعلية، وأن يلمس فرقًا في إنجاز معاملاته.
ثالثًا: «بوابة أسواق الإنشاءات الأردنية»… فرص أوسع للقطاع
قد يمتلك تاجر مواد بناء في إحدى المحافظات منتجًا قادرًا على المنافسة في سوق إقليمية، لكنه لا يعرف متطلبات التوريد أو الشركاء المحتملين. وربما تضيع عليه فرصة جيدة لمجرد أن المعلومات لم تصله في الوقت المناسب.
من هنا جاءت فكرة «بوابة أسواق الإنشاءات الأردنية»، التي أقترح إنشاءها من خلال غرفة تجارة الأردن وبالشراكة مع الجهات المعنية، لربط الشركات بفرص المشاريع والتوريد والتصدير في الأردن والأسواق الإقليمية، ولا سيما العراق وسوريا والسعودية، بالتكامل مع المنصات القائمة.
وأقترح أن تتولى غرفة تجارة الأردن تمويل المبادرة ورعايتها، بالتنسيق مع غرف التجارة في مختلف محافظات المملكة، دون تحميل التجار أي أعباء تأسيسية، وذلك بعد استكمال دراسة الجدوى والحصول على الموافقات اللازمة.
وتُدار البوابة، وفق المقترح، بنموذج تشغيلي مرن يقوده القطاع الخاص تحت إشراف مباشر من الغرفة، بما يضمن عدالة استفادة الشركات في المحافظات. فالغاية ليست جمع المعلومات وعرضها، بل مساعدة الشركات على تحويل الفرص الإقليمية إلى علاقات تجارية وعقود توريد وتصدير فعلية، بأقل وقت وكلفة ممكنين.
ولا تقتصر الفرص على تصدير مواد البناء. فالأردن يمتلك خبرات في التصميم والإشراف وإدارة المشاريع والخدمات الهندسية. ويمكن لهذه الخبرات أن تتكامل مع الشركات التجارية والصناعية، بالتعاون مع المؤسسات المهنية والقطاعية المختصة، لتشكيل تحالفات قادرة على دخول الأسواق الإقليمية والمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار.
وأقترح أن تبدأ المبادرة، خلال عامها الأول وبعد استكمال الموافقات وتوفير التمويل، بأربعة مسارات:
دراسة الأسواق: إعداد دراسة أولية للعراق وسوريا والسعودية لتحديد الفرص ومتطلبات الدخول والمخاطر، على أن يكون المستهدف إنجازها خلال الأشهر الستة الأولى من إطلاق المبادرة.
إزالة العوائق: توثيق الصعوبات التي تواجه الشركات في الجمارك والنقل والرسوم والمواصفات، وطرح الحلول على الجهات الحكومية المختصة.
النسخة التجريبية: إطلاق نسخة أولية بالتعاون مع القطاع الخاص، بعد استكمال الدراسة والمتطلبات اللازمة، وتحديد مؤشرات واضحة لقياس أدائها.
مشاركة الشركات وتمكينها: استهداف نحو 250 شركة في المرحلة التجريبية، من مختلف الأحجام والأنشطة والمحافظات، مع اهتمام خاص بالمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتوزيع عادل لفرص المشاركة بالتنسيق مع غرف المحافظات. ويُراجع هذا المستهدف وفق نتائج دراسة الجدوى والتمويل المتاح، مع توفير معلومات الأسواق والمناقصات والشركاء المحتملين وتشجيع التحالفات بين الشركات.
وأريد لهذه البوابة أن تكون أداة عمل حقيقية، لا مجرد منصة جديدة تُضاف إلى ما هو قائم. فالنجاح لا يُقاس بعدد الشركات المسجلة وحده، بل بالفرص الجادة التي تصل إليها، والشراكات التي تتحول إلى أعمال، والعقود التي تساعد البوابة الشركات على الوصول إليها.
رابعًا: صوت القطاع قبل القرار… مسؤولية التمثيل
لا تكتمل الفرص دون صوت جامع للقطاع. لذلك سأعمل على تعزيز دور غرفة تجارة الأردن في تنسيق هذا الصوت، بالتعاون مع غرف التجارة في المحافظات، ونقابة مقاولي الإنشاءات الأردنية، وهيئة المكاتب الهندسية، وجمعية مستثمري قطاع الإسكان، وسائر المؤسسات المعنية، دون منافستها أو الحلول محلها.
فكثير من القرارات التي تؤثر في أعمال التجار يمكن مناقشة آثارها قبل صدورها. وما نحتاجه هو حضور فاعل للقطاع في الحوار مع أصحاب القرار، بدل الانتظار حتى يصبح القرار أمرًا واقعًا، ثم البحث عن معالجة لآثاره.
لن أهادن في الدفاع عن حقوق قطاع الإنشاءات ومواد البناء ومكتسباته المشروعة، ولن أساوم عليها. فالدستور مظلتنا، والتشريعات النافذة مرجعيتنا، والحوار الجاد والمتابعة المستمرة سبيلنا إلى صون هذه الحقوق.
وهذا بالنسبة إليّ ليس شعارًا انتخابيًا. فقد تعلمت من العمل العام أن الموقف القوي لا يقوم على ارتفاع الصوت، بل على ملف جيد الإعداد، وحجة واضحة، وحوار لا ينقطع عند أول عقبة. وسأحرص على إبقاء مطالب القطاع حاضرة أمام الجهات المعنية، والسعي لتحقيقها، مع توضيح أسباب تعذّر الوصول إلى النتائج المرجوة حين يحدث ذلك.
خامسًا: من الوعود إلى المسؤولية والمساءلة
لا أريد أن تبقى الوعود عبارات انتخابية. لذلك أضع أمامكم ثلاثة التزامات واضحة، في حال نيل ثقتكم:
خلال الأيام المئة الأولى: الاستماع إلى التجار في العاصمة والمحافظات، وإعداد تقرير أولي عن واقع القطاع وخطة عمل بمؤشرات قابلة للقياس، وفي مقدمتها متابعة المستحقات المتأخرة، على أن أنشر التقرير في موعد لا يتجاوز اليوم المئة.
كل ثلاثة أشهر: إصدار تقرير شخصي يوضح ما تحقق وما تعثر وأسباب تعثره، مع التمييز بين جهدي المباشر والإنجاز المؤسسي المشترك، وعرض مؤشرات التقدم في القضايا ذات الأولوية.
كل شهرين: عقد لقاء مفتوح، حضوريًا أو عبر الاتصال المرئي، يتيح المشاركة لزملائنا في مختلف المحافظات ومراجعة نتائج العمل.
فمن حق الزملاء أن يعرفوا ما جرى بشأن مطالبهم، وما تحقق منها، وما لا يزال عالقًا ولماذا. وأؤمن بأن الإعلان عن النتائج، بما فيها ما لم ننجح في تحقيقه، جزء أساسي من احترام ثقة الناخبين.
لماذا الآن؟
لأن آثار تأخر المستحقات وتعقيد الإجراءات وارتفاع الكلف لم تعد تقف عند منشأة بعينها، بل تمتد إلى مختلف حلقات القطاع، من الشركات الكبرى إلى أصغر محال مواد البناء. ولأننا بحاجة إلى تمثيل يجمع الجهود، ويتابع القضايا بجدية، ويفتح أبوابًا جديدة للعمل، دون أن ينشغل بالفرص عن معالجة المشكلات القائمة.
علمتني الهندسة أن الفكرة الجيدة لا تكفي ما لم تتحول إلى تصميم قابل للتنفيذ، وعلمني العمل العام أن الوصول إلى الحل يحتاج أحيانًا إلى صبر أكبر مما يحتاجه تشخيص المشكلة.
وما تعلمته من قصة ذلك المبنى لم يبقَ مرتبطًا بحالة واحدة؛ فقد أدركت أن وراء كل ملف إنسانًا، ووراء كل قرار أرزاقًا ومسؤوليات، وأن قيمة الخبرة تُقاس بما تفتحه من أبواب للحلول.
أضع خبرتي أمام زملائي لا فوق خبراتهم، وأطلب ثقتكم وأصواتكم في انتخابات ممثلي القطاعات التجارية المقرر إجراؤها يوم السبت 5 كانون الأول (ديسمبر) 2026، وفق المواعيد والإجراءات القانونية المعتمدة. لا أطلبها استنادًا إلى المناصب التي شغلتها، بل إلى ما يمكن أن ننجزه معًا، وما ألتزم بأن أكون مسؤولًا عنه أمامكم.
المناصب مراحل، أما العطاء فلا ينبغي أن يكون له موعد تقاعد.
* مرشح لتمثيل قطاع الإنشاءات ومواد البناء في غرفة تجارة الأردن