شجرة الزيتون الفلسطينية تُقلق الاحتلال .. جذورٌ لا تُقتلع ونورٌ لا ينطفئ
د. بركات النمر العبادي
25-10-2026 11:03 AM
ليست شجرة الزيتون في فلسطين مجرد شجرة تُثمر في الخريف، بل ذاكرة أرض، وحكاية شعب، ورمز لعلاقة تاريخية بين الإنسان ومكانه. وحين يعتدي الاحتلال عليها، فإنه لا يستهدف محصولًا زراعيًا فحسب، بل يعتدي على مصدر رزق المزارع، ويمسّ حقه في أرضه، ويحاول قطع الصلة بين الأجيال وتاريخها.
بحسب ما أوردته وكالة «عمون» نقلًا عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، وُثّق 409) ) اعتداءات على مزارعي الزيتون وأشجارهم وأراضيهم ومعداتهم الزراعية خلال الفترة من الأول إلى الحادي والعشرين من تشرين الأول 2026، نُسب ( 317 ) منها إلى المستوطنين المسلحين و( 92) إلى قوات الاحتلال. وشملت الاعتداءات منع المزارعين من الوصول إلى حقولهم، والاعتداء عليهم، وسرقة الثمار، وتكسير الأشجار واقتلاعها وإحراق الأراضي والممتلكات.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات؛ إنها حكاية مزارع يذهب إلى أرضه ليجني ثمار عام كامل من التعب، فيواجه التهديد أو الحرمان أو السرقة. وقد أورد التقرير استشهاد المواطن علي حسن بزاري، من بلدة برقة شمال نابلس، متأثرًا بإصابته برصاص المستوطنين أثناء قطف الزيتون في السابع من تشرين الأول.
فلماذا تبدو شجرة الزيتون الفلسطينية، بكل ما تحمله من سلام وبركة، وكأنها تهديد تاريخي للاحتلال؟
لأنها شاهد حي على الذاكرة، وجذر يربط الإنسان بأرضه، ودليل على أن الهوية ليست شعارًا يُرفع، بل علاقة تُعاش وتُورّث وتُصان عبر الأجيال. فالاحتلال يستطيع أن يقتلع شجرة، لكنه لا يستطيع بقرار عسكري أن يمحو تاريخًا، أو أن ينتزع من الإنسان ذاكرته وحقه في الانتماء.
يستحضر الزيتون في الوجدان العربي والإسلامي معاني البركة والنور، وقد ورد ذكره في القرآن الكريم في آية النور:
﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ﴾. (سورة النور، الآية 35). إن زيت الزيتون الذي يعصره المزارع الفلسطيني من حبات أرضه هو نور على موائد البيوت، وخلاصة صبر موسم كامل، ورزق لعائلات ارتبطت حياتها بالأرض. وأي مفارقة أشد قسوة من أن يُحرم المزارع من قطاف شجرته، أو تُسرق ثماره، أو تُحرق الأغصان التي انتظر سنوات حتى أثمرت؟
إن اقتلاع الأشجار المعمرة ليس خسارة زراعية فحسب؛ بل إهدار لسنوات من العمل، واعتداء على مصدر رزق، وتهديد لاستمرارية المجتمع في أرضه. وإذا تكررت هذه الاعتداءات ومنع المزارعين من الوصول إلى حقولهم، فإنها تستوجب تحقيقًا جادًا في آثارها على حقوق السكان الفلسطينيين وقدرتهم على البقاء وممارسة حياتهم الطبيعية.
وتتحمل إسرائيل، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، مسؤولية قانونية عن الوفاء بالتزاماتها في حماية السكان المدنيين وممتلكاتهم، ومنع الاعتداءات ومحاسبة المسؤولين عنها. ولا يجوز أن تصبح الحماية أو التغاضي عن الانتهاكات غطاءً لاستمرار الاعتداء على المزارعين ومصادر رزقهم.
مسؤولية العالم: من التوثيق إلى الفعل، إن مسؤولية المنظمات الدولية والإنسانية لا ينبغي أن تتوقف عند تسجيل الاعتداءات وإصدار بيانات القلق؛ بل يجب أن تشمل التوثيق المستقل، والمطالبة بضمان وصول المزارعين إلى أراضيهم، ومراقبة الانتهاكات، ومتابعة التحقيقات والمساءلة. كما تقع على الدول القادرة على التأثير مسؤولية استخدام أدواتها الدبلوماسية والقانونية للضغط من أجل حماية المدنيين وممتلكاتهم. فما قيمة التقارير إذا بقيت الأشجار تُقتلع، والثمار تُسرق، والمزارعون يُهدَّدون كل موسم؟ إن العمل الإنساني الحقيقي يُقاس بقدرته على منع تكرار الانتهاكات، لا بمجرد وصفها بعد وقوعها.
ومن منظور الفكر المحافظ، فإن الأرض ليست ملكية مادية فحسب، بل ذاكرة ومسؤولية ورابطة بين الأجيال. فالمزارع الذي يزرع شجرة اليوم إنما يورّث أبناءه ثمرها ومعنى ارتباطهم بأرضهم. ومن يزرع الزيتون يصون استمرارية الحياة، أما من يقتلعها فيحاول قطع الجذور التي تصل الماضي بالمستقبل.وشجرة الزيتون، وإن لم تنطق، تعرف من زرعها ورعاها، ومن جاء ليحرقها أو يقتلعها بالجرافات أو يسرق ثمارها التي قُطفت ووُضعت في الأكياس. إنها تصرخ بلسان كل مزارع حُرم من تعب يديه، وكل أسرة رأت مصدر رزقها يُدمَّر أمام عينيها.
وفي الخاتم، إن الاعتداء على الزيتون الفلسطيني امتحان لضمير العالم، ومسؤولية لا يجوز أن تضيع بين بيانات الإدانة وحسابات السياسة. المطلوب حماية فعلية للمزارعين، ووقف الاعتداءات، ومحاسبة المسؤولين، وضمان حق الفلسطيني في الوصول إلى أرضه وجني محصوله بأمان.
قد تُسقط الجرافة جذعًا، وقد تحرق النار غصنًا، وقد تسرق اليد الآثمة ثمار موسم كامل؛ لكن ذلك لا يمحو ذاكرة الأرض، ولا يحوّل الظلم إلى حق، ولا ينتزع من الفلسطيني حقه في البقاء.و ستبقى شجرة الزيتون أكثر من شجرة : إنها ذاكرة فلسطين ، وكرامة مزارعها ، ورمز لصمود شعبها. وسيظل زيتُها نورًا على موائد الحياة ، مهما حاولت نيران الغدر أن تطفئه؛ فالجذور التي تمتد في التاريخ أعمق من أن تقتلعها الجرافات ، والنور الذي تحمله الأرض لا تطفئه نار الظلم.
حمى الله المملكة الاردنية الهاشمية من كل كريهة ، اللهم انا ضعك في نحور الغاصبين و لتشل ايديهم وسلط عليهم من لا يخافك ولا يرحمهم واعد شتاتهم في ارضك الواسعة و ابعدهم عن ارض فلسطين وزيتونها وناسها اللهم امين
* الامين العام المساعد للثفافة الحزبية في حزب المحافظين الاردني