الأردن عصيّ على الفتنة: دماء شهداء حمود تجمعنا ولا تفرقنا
د. عبدالحفيظ العجلوني
24-10-2026 11:44 AM
في جريمة نكراء هزّت الضمير الأردني وأوجعت قلوب أبناء الوطن جميعًا، امتدت يد الغدر والإرهاب إلى كنيسة الحمود في محافظة الكرك، لتحصد أرواح سبعة من إخوتنا المسيحيين، وتترك جرحًا عميقًا في وجدان الأردنيين، مسلمين ومسيحيين، وتستهدف في جوهرها أكثر من أرواح بريئة؛ تستهدف تاريخًا من الأخوة والتعايش، ونسيجًا وطنيًا صاغته قرون من الجوار والمحبة والانتماء المشترك.
إن هذه الجريمة، بما تنطوي عليه من وحشية وجبن، لا يمكن النظر إليها باعتبارها اعتداءً على أبناء طائفة بعينها، أو على مكان عبادة دون غيره، بل هي اعتداء على الأردن كله، وعلى قيمه الراسخة، وعلى حق الإنسان في الحياة والأمان والعبادة، وعلى كل ما يجمع أبناء هذا الوطن تحت راية واحدة.
لقد أراد مرتكبو هذا العمل الشنيع أن يزرعوا الخوف في النفوس، وأن يشقوا صف الأردنيين، وأن يجعلوا من الاختلاف الديني مدخلًا للفتنة والفرقة. لكنهم، واهمون، لا يعرفون حقيقة الأردن، ولا يدركون عمق الروابط التي تجمع أبناءه، ولا يفهمون أن هذا الوطن لم يكن يومًا مجرد جغرافيا أو حدود سياسية، بل هو تاريخ من التضحيات المشتركة، وبيت واحد تتعدد فيه المعتقدات، وتجمع أهله المواطنة والكرامة والوفاء.
إن استهداف الكنيسة وقتل المصلين أو المشاركين في مراسم دينية جريمة لا يمكن تبريرها بأي شعار، ولا تسويغها بأي تأويل منحرف، ولا التخفيف من بشاعتها بادعاء الدفاع عن الدين أو نصرة العقيدة.
فالدين الذي يحرّم قتل الأبرياء لا يمكن أن يكون غطاءً للقتل، والإيمان الذي يدعو إلى الرحمة لا يمكن أن يتحول إلى ذريعة للكراهية، ومن يتخذ من الدين ستارًا لسفك الدماء إنما يسيء إلى الدين قبل أن يسيء إلى ضحاياه.
وإن هذه الفئة الضالة المنحرفة التي تقدم على مثل هذه الجرائم، لا تمثل الإسلام ولا المسلمين، بل تؤذيهم وتسيء إلى صورتهم، وتضعهم في مواجهة قيم دينهم وتعاليمه. وهي، قبل أن تستهدف الآخرين، تضرب المجتمعات الإسلامية في أمنها واستقرارها، وتستنزف أرواح أبنائها، وتزرع الخوف في بيوتهم ومساجدهم.
لقد شهدت مجتمعاتنا، في أكثر من بلد عربي وإسلامي، جرائم إرهابية استهدفت المساجد والمصلين، وأزهقت أرواح المسلمين الأبرياء، ودمرت أماكن العبادة، وأوقعت المجتمعات في دوامات من الدم والفرقة. وما من مسلم يؤمن بالله حقًا إلا ويستنكر هذه الجرائم، ويرفض أن يُنسب إليه أو إلى دينه أي فعل يقوم على قتل الإنسان بغير حق.
إن موقف الإسلام من قتل الإنسان واضح لا لبس فيه، ولا يترك مجالًا للتأويل الذي يسعى إليه أصحاب الفكر المتطرف. فقد قال الله تعالى في محكم كتابه:
﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
إنها آية عظيمة في معناها، جليلة في دلالتها، تجعل الاعتداء على نفس بريئة اعتداءً على الإنسانية جمعاء، وتؤكد أن حرمة الحياة ليست امتيازًا تمنحه جماعة لجماعة، ولا حقًا يقتصر على أبناء دين أو مذهب، بل هي قيمة إنسانية أصيلة أقرها الله تعالى.
فالله لم يجعل حرمة الدماء مقصورة على المسلمين وحدهم، ولم يبح قتل الإنسان لمجرد اختلافه في الدين أو المعتقد، بل جعل الاعتداء على النفس بغير حق من أعظم الجرائم. ومن هنا، فإن قتل إخوتنا المسيحيين في حمود جريمة محرمة شرعًا، مرفوضة أخلاقًا، ومدانة وطنيًا وإنسانيًا.
وقد جاء في الحديث الشريف: «من آذى ذميًا فقد آذاني»، وهو حديث يورده أهل العلم في سياق التحذير من الاعتداء على غير المسلمين الذين لهم عهد وأمان. كما أن في الهدي النبوي وصايا واضحة تنهى عن قتل النساء والأطفال والشيوخ، وعن الاعتداء على الرهبان المنقطعين للعبادة، وعن تخريب العمران والإفساد في الأرض.
وهذه المعاني ليست نصوصًا تاريخية معزولة، بل هي مبادئ أخلاقية وشرعية تؤكد أن الإسلام دين عدل ورحمة، وأن الاعتداء على الأبرياء لا يمكن أن يكون من أعمال البر أو التقوى.
إن الأردن، بقيادته الهاشمية الحكيمة، وبوعي شعبه وتماسك مؤسساته، سيبقى عصيًا على الفتنة، أقوى من محاولات التفرقة، وأصلب من كل مشروع يستهدف وحدته الوطنية.
لقد كان الأردنيون، على اختلاف أديانهم وانتماءاتهم، شركاء في بناء الدولة، وفي الدفاع عن أرضها، وفي صياغة هويتها الوطنية. ولم تكن الكنيسة في الأردن يومًا غريبة عن محيطها، كما لم يكن المسجد حاجزًا بين أبناء الوطن؛ بل ظل الاثنان شاهدين على جوار عريق، وعلى أخوة تمتد جذورها في التاريخ، وتتجدد مع كل موقف وطني جامع.
وفي الكرك، حيث تتجلى معاني التاريخ والكرامة والوفاء، يعرف الأردنيون أن الدم الذي سال في حمود ليس دمًا مسيحيًا فحسب، بل دم أردني عزيز، وأن الحزن الذي خيّم على بيوت الضحايا هو حزن كل بيت في المملكة.
إننا اليوم أمام مسؤولية وطنية وأخلاقية كبيرة: أن نقف إلى جانب أسر الشهداء، وأن نواسي المصابين، وأن نتمسك بوحدتنا، وأن نرفض خطاب الكراهية والتحريض، وأن نترك لأجهزة الدولة والقضاء مسؤولية كشف الجناة ومحاسبتهم وفق القانون.
فلا يجوز أن تتحول الجريمة إلى مناسبة للانتقام أو لتوجيه الاتهامات إلى جماعة أو دين أو منطقة. إن العدالة الحقيقية هي التي تلاحق المجرمين بأسمائهم وأفعالهم، ولا تسمح لهم بأن يحققوا هدفهم في إشعال الفتنة بين أبناء الوطن.
إن دماء شهداء حمود ستبقى شاهدًا على بشاعة الإرهاب، وعلى أن استهداف الأبرياء لا يصنع قوة، بل يكشف عن انحطاط أخلاقي وفكري، وأن الاعتداء على أماكن العبادة لا ينال من قدسيتها، بل يفضح من اعتدى عليها.
وستبقى الكنيسة والمسجد في الأردن شاهدين على جوار أقدم من الفتن، وعلى أخوة لا تهزمها المآسي.
رحم الله شهداء حمود، وأسكنهم فسيح جناته، وألهم ذويهم ومحبيهم الصبر والسلوان، ومنّ على المصابين بالشفاء العاجل.
وحفظ الله الأردن، قيادةً وشعبًا، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، وجعل من هذه المحنة محطةً يتجدد فيها عهد الأردنيين بأن يبقوا أسرة واحدة، لا تفرقهم الأديان، ولا تهزمهم الفتن، ولا تنال من وحدتهم يد الغدر والإرهاب.