facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




مراكز البيانات .. معركة العالم الجديدة


د. جاسر عبد الرزاق النسور
08-11-2026 11:50 AM

* أمريكا والصين تتصارعان على ثروة المستقبل، فأين الأردن؟

لم يعد الصراع الاقتصادي في العالم محصورا بالنفط والغاز والثروات الطبيعية، فهناك ثروة جديدة أصبحت تتحكم بجزء كبير من مستقبل الدول واقتصاداتها، إنها البيانات والمعلومات. وفي هذا المجال، تتسابق الولايات المتحدة الأمريكية والصين على امتلاك القدرات الأكبر في التخزين والمعالجة والحوسبة، في سباق يتجاوز حدود التكنولوجيا ليصل إلى النفوذ الاقتصادي والأمن القومي والسيادة الرقمية.

مراكز البيانات التي كانت في الماضي منشآت تقنية محدودة، أصبحت اليوم من أهم الاستثمارات الاستراتيجية في العالم. فهي ليست مجرد مبان تضم أجهزة حاسوب وخوادم، وإنما منظومة متكاملة تحفظ المعلومات وتعالجها وتدير الخدمات التي تعتمد عليها الحكومات والبنوك والشركات والمؤسسات والأفراد.

ولعل التطور المتسارع في الذكاء الاصطناعي هو الذي أعطى هذه المراكز أهمية غير مسبوقة. فكلما توسعت تطبيقات الذكاء الاصطناعي والخدمات الإلكترونية والحوسبة السحابية، ازدادت الحاجة إلى مراكز قادرة على تخزين كميات هائلة من البيانات ومعالجتها بسرعة وأمان. وهذا ما يفسر الاستثمارات الضخمة التي تضخها الشركات العالمية في هذا القطاع، وما نشهده من توسع في إنشاء مراكز عملاقة في الولايات المتحدة والصين.

الولايات المتحدة والصين تتصدران العالم من حيث عدد مراكز البيانات، وتضم شركاتها التكنولوجية الكبرى استثمارات وقدرات حاسوبية هائلة، في حين تعمل الصين على توسيع بنيتها الرقمية وتعزيز قدراتها في الحوسبة والذكاء الاصطناعي. وبذلك أصبحت المنافسة بين البلدين جزءا من صراع أوسع على قيادة الاقتصاد العالمي، فلم تعد القوة تقاس بما تنتجه الدولة من سلع فقط، بل أيضا بما تملكه من معلومات وقدرة على تحويلها إلى معرفة واستثمار.

لكن امتلاك مراكز البيانات ليس أمرا سهلا؛ فهذه الصناعة تحتاج إلى استثمارات رأسمالية كبيرة، وكميات ضخمة من الكهرباء، وشبكات اتصالات متطورة، وأنظمة تبريد وحماية متقدمة، فضلا عن الكفاءات البشرية القادرة على إدارتها. كما أن استهلاك الطاقة والمياه يفرض تحديات حقيقية على الدول التي تسعى إلى التوسع فيها. وهذا يعني أن القرار الاستثماري في هذا القطاع يجب أن يقوم على حسابات اقتصادية وبيئية دقيقة.

الأردن.. لماذا لا نكون جزءا من هذه الصناعة؟

في خضم هذا التحول العالمي، من المهم أن نطرح سؤالا يتجاوز حدود المتابعة والمشاهدة: أين موقع الأردن من صناعة أصبحت من ركائز الاقتصاد الحديث؟ ولماذا لا نعمل على استقطاب استثمارات نوعية في مراكز البيانات، ونجعل المملكة محطة إقليمية لتقديم خدمات التخزين والمعالجة والحوسبة الرقمية؟

الأردن يمتلك عناصر يمكن البناء عليها، من موقع جغرافي يربط أسواق المنطقة، وكفاءات بشرية مؤهلة، وخبرات في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، إلى جانب بيئة يمكن تطويرها لاستقطاب الشركات والاستثمارات المتخصصة. لكن هذه المقومات تحتاج إلى رؤية عملية، لا إلى شعارات أو مؤتمرات تنتهي دون نتائج.

المطلوب أن تفتح الحكومة هذا الملف بجدية، وأن تتعاون مع القطاع الخاص والمؤسسات الاستثمارية والجامعات لإعداد دراسة وطنية تحدد الفرص المتاحة، وكلفة الاستثمار، واحتياجات الطاقة والاتصالات، والتشريعات اللازمة لحماية البيانات. كما ينبغي التواصل مع الشركات العالمية المتخصصة، ودراسة فرص إقامة شراكات معها لإنشاء مراكز بيانات تخدم السوق الأردني والأسواق المجاورة.

ومن الضروري أن نكون واقعيين في التعامل مع هذا المشروع؛ فالأردن يواجه تحديات تتعلق بشح المياه وكلفة الطاقة، ولا يجوز تجاهلها عند التخطيط لهذا النوع من الاستثمارات. لكن التطور في تقنيات التبريد وكفاءة استهلاك الكهرباء، والاستفادة من الطاقة المتجددة، يمكن أن يفتح المجال أمام حلول مناسبة إذا جرى التخطيط لها بصورة صحيحة.

ولا تقتصر المكاسب على قيمة الاستثمار نفسه، فوجود هذه الصناعة يعني فرص عمل متخصصة للشباب، ونقلا للخبرات والمعرفة، ونموا للشركات المحلية، وتعزيزا لقدرات المؤسسات الحكومية والاقتصادية في حماية معلوماتها وإدارة خدماتها الرقمية. كما يمكن أن يفتح المجال أمام الجامعات لتطوير برامج تعليمية تتوافق مع احتياجات سوق العمل الجديد.

إن الأردن بحاجة إلى تنويع قاعدة اقتصاده والبحث عن استثمارات ذات قيمة مضافة، بدلا من الاعتماد على القطاعات التقليدية وحدها. ومراكز البيانات يمكن أن تكون أحد المسارات التي تستحق الدراسة، خصوصا أن الطلب العالمي على خدماتها مرشح لمزيد من النمو مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي.

المستقبل لا ينتظر المترددين

ما يجري في الولايات المتحدة والصين يجب أن يدفعنا إلى إعادة التفكير في أولوياتنا الاقتصادية والاستثمارية. فالدول لا تحجز مكانها في المستقبل بمجرد متابعة ما يحققه الآخرون، وإنما بالاستعداد المبكر، وبناء القدرات، واتخاذ القرارات التي تحول الفرص إلى مشاريع منتجة.

لسنا مطالبين بمنافسة القوى الكبرى في حجم استثماراتها، لكننا مطالبون بألا نبقى خارج التحولات التي تعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي. ولدينا من الكفاءات والموقع والإمكانات ما يستحق أن يوضع في خدمة مشروع وطني مدروس في هذا المجال.

إن السؤال الذي أضعه أمام الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات المعنية بالاستثمار ليس كم مركز بيانات يمكن أن نبني، بل كيف نستطيع أن نجعل الأردن جزءا من هذه الصناعة، وأن نحول موقعه وكفاءاته إلى فرصة اقتصادية حقيقية؟

ففي الماضي كانت الدول تتنافس على مصادر الطاقة والثروات الطبيعية، أما اليوم فقد أصبحت البيانات موردا استراتيجيا، وأصبحت مراكز البيانات من المنشآت التي تصنع القوة الاقتصادية والتكنولوجية. ومن لا يستعد لهذا التحول اليوم، قد يجد نفسه غدا يدفع كلفة الاعتماد على الآخرين.

حمى الله الاردن ، وادم على وطننا امنه واستقراره وحفظ قيادته الهاشمية، ليبقى الاردن كما عهدناه ثابتا على مواقفه ، عزيزا باهله ، شامخا بتاريخه، وماضيا بثقه نحو المستقبل.

* دكتور الادارة الاستراتيجيه وادرة الازمات





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :