رواية "صفر واحد: العابرون إلى ألفا" رحلة سبعة عشر كاتبا أردنيا
07-11-2026 12:04 PM
عمون - قراءة د. علي الشوابكة - تأتي رواية «صفر واحد: العابرون إلى ألفا»، الصادرة عن مبادرة نون للكتاب عام 2026، بكونها تجربة تستحق التوقف عندها، سواء من جهة موضوعها الذي يذهب إلى تخوم الخيال العلمي، أو من جهة الطريقة التي اختار بها أصحابها إنجازها من خلال الكتابة المشتركة. فنحن أمام مغامرة روائية تحاول أن تفتح نافذة على مستقبل الإنسان، وأن تستثمر التحولات العلمية والتكنولوجية في مساءلة أسئلة قديمة ومتجددة تتصل بالوجود والذاكرة والهوية والحرية، وبالعلاقة الملتبسة بين الإنسان وما ينتجه من أدوات وتقنيات.
ومنذ العنوان، تضعنا الرواية أمام ثنائية الصفر والواحد، وهما العنصران اللذان يقوم عليهما النظام الرقمي، لكنهما يكتسبان في السياق الروائي دلالة أوسع من حدود التقنية. فهما يفتحان باب التأمل في الثنائيات التي تتنازع الوجود الإنساني، وفي مقدمتها الخير والشر، والحقيقة والافتراض، والحياة والموت، والإنسان والآلة. أما العبور إلى ألفا فيحمل دلالة الانتقال من عالم مأزوم إلى عالم آخر، تتبدل فيه شروط الحياة، وتتغير فيه صورة الإنسان وعلاقته بذاته وبالآخرين.
تتحرك الرواية في فضاء تخييلي تتجاور فيه الحكايات والشخصيات والمواقف، ويجمع بينها انشغال واضح بمصير الإنسان في زمن تتسارع فيه الاكتشافات العلمية. وهي تستثمر الخيال العلمي بوصفه أداة للتفكير في الحاضر والمستقبل، فتذهب إلى احتمالات استعادة الذاكرة، وإمكان تخزينها وإعادة إنتاجها، وإلى الروبوتات والذكاء الاصطناعي، والعوالم الافتراضية، والمدن المستقبلية، وما يمكن أن تتركه هذه التحولات من آثار في طبيعة العلاقات الإنسانية وفي مفهوم الهوية ذاته.
ولعل المدخل الذي اختاره العمل يكشف مبكراً عن طبيعة الأسئلة التي يريد طرحها. فنحن نلتقي نجيب الشاطري، الذي يخوض مغامرة علمية لاستعادة ذاكرة الكاتب حفيظ منجوب بعد موته، مستعيناً بجهاز تقني يستطيع التقاط آثار الذاكرة وتحويلها إلى نصوص. ومن هذه الفكرة تنشأ مفارقة تستحق التأمل: هل يستطيع العلم أن يستعيد الإنسان من خلال استعادة ذاكرته؟ وهل تكفي الكلمات والأفكار التي تركها المرء وراءه لإعادة تكوين شخصيته؟ ثم أين تنتهي حدود استعادة الذاكرة وتبدأ حدود استعادة الإنسان نفسه؟
تتجاوز هذه البداية حدود الإثارة العلمية؛ لأنها تضعنا أمام سؤال فلسفي يتعلق بطبيعة الإنسان. فالذاكرة، كما تقترح الحكاية، تحمل آثار التجربة الإنسانية، لكنها لا تقدم بالضرورة صورة مكتملة عن صاحبها. ثمة مسافة بين أن نستعيد ما فكر فيه الإنسان وما كتبه، وبين أن نستعيد حضوره ووعيه وتجربته الحية. وهذه المسافة هي التي تمنح الفكرة قيمتها التأملية.
ومن خلال هذا الإطار تنفتح الرواية على حكاية (عظيم بيتا) التي تشكل واحدة من أبرز محطات العمل. نلتقي عدنان وقحطان، وهما شخصيتان خرجتا من عالم مثقل بالحرب والفقد والدمار، وقد دفعتهما التجربة القاسية إلى البحث عن عالم آخر يمكن أن يحققا فيه ما عجزا عن تحقيقه في عالمهما الأول. وتبدو خلفية الشخصيتين الإنسانية مهمة في فهم مسار الحكاية؛ فالبحث عن العالم البديل ينطلق من تجربة فقد حقيقية، ومن رغبة في العثور على مكان تتوافر فيه الطمأنينة والكرامة والأمان.
هنا يتسع الخيال الروائي ليقدم ثلاثة عوالم: بيتا، وألفا، وأوميغا. يمثل بيتا عالم الإنسان الذي يعيش صراع الخير والشر، وتتنازعه الرغبات والاختيارات، بينما يمثل ألفا العالم المثالي الذي تنتصر فيه قيم الخير والطمأنينة، في حين يتجسد أوميغا بوصفه العالم الذي تستبد فيه قوى السوء والعذاب. ومن خلال هذه العوالم الثلاثة، تقدم الرواية تصوراً رمزياً لاحتمالات النفس البشرية، وكأن الإنسان الواحد يحمل في داخله أكثر من إمكانية، وأن مصيره يتحدد بما يختاره وما يستسلم له من نزعات.
واللافت أن الرواية لا تجعل الانتقال إلى العالم المثالي نهاية للمشكلة، وإنما تفتح من خلاله سؤالاً آخر: هل يستطيع عالم الخير أن يستمر إذا انهار العالم الذي يمارس فيه الإنسان اختياراته؟ وهل يمكن إنقاذ عالم من دون معالجة الأسباب التي تقود إلى الخراب في العالم الآخر؟ هنا يتحول الخيال العلمي إلى وسيلة للتفكير في المسؤولية الإنسانية، وفي العلاقة بين الفرد والمجتمع، وفي خطورة أن تتقدم القدرة التقنية بينما يظل الوعي الأخلاقي عاجزاً عن مواكبتها.
وتكتسب حكاية عدنان وقحطان بعداً إنسانياً إضافياً من خلال استعادة ذكرى مريم، شقيقة عدنان، التي فقدها في الحرب. فالقلادة التي يحتفظ بها تظل علامة على حضور الماضي في حياته، وعلى أن الانتقال إلى عالم جديد لا يمحو الذاكرة ولا يلغي أثر الفقد. وفي هذا الجانب تحديداً تنجح الرواية في ربط العالم المتخيل بالتجربة الإنسانية الملموسة؛ إذ لا تصبح المدن المثالية والتقنيات المتقدمة غاية في ذاتها، وإنما فضاءً لاختبار ما يحمله الإنسان من ذكريات وجراح وآمال.
وتتسع الأسئلة في بقية الحكايات لتشمل علاقة الإنسان بالروبوت، وحدود استقلال الآلة، وما إذا كان ممكناً أن تتكون لديها استجابات تشبه المشاعر الإنسانية. وتبرز هنا مفارقة مهمة: فالإنسان هو الذي يصمم الآلة ويحدد وظائفها، لكنه قد يجد نفسه أمام كائن تقني يطرح عليه أسئلة لم يكن مستعداً لمواجهتها. ومن خلال هذا التصور، تعيد الرواية النظر في الحدود الفاصلة بين الطبيعي والمصطنع، وبين الاستجابة المبرمجة والفعل الذي يبدو نابعاً من إرادة مستقلة.
وتتصل هذه الأسئلة بما تطرحه الرواية حول الذاكرة الإلكترونية والتدخل في وظائف الدماغ، وما قد ينشأ عن ذلك من اضطراب في مفهوم الهوية الشخصية. فحين تصبح الذكريات قابلة للتخزين والاستدعاء والتعديل، يغدو السؤال عن حقيقة الإنسان أكثر تعقيداً. هل نحن ما نتذكره؟ أم أننا حصيلة التجارب التي عشناها، والعلاقات التي نسجناها، والاختيارات التي اتخذناها؟ إن الرواية تفتح هذه الأسئلة من خلال مواقف تخييلية، وتترك للقارئ مساحة للتفكير في نتائجها الإنسانية والأخلاقية.
وعلى مستوى الأسلوب، تكشف الرواية عن طبيعة التجربة التي أنجزتها مبادرة نون للكتاب. فنحن أمام كتابة مشتركة تتعدد فيها الأقلام، وتتفاوت طرائق التعبير من حكاية إلى أخرى. وهذا التعدد يمنح العمل تنوعاً في زوايا النظر، وفي طرائق بناء المواقف والشخصيات، كما يتيح للموضوع الواحد أن يظهر من خلال أكثر من منظور. فالخيال العلمي هنا يتخذ أشكالاً متعددة؛ مرة يقترب من المغامرة، ومرة يتجه إلى التأمل الفلسفي، ومرة يستند إلى الموقف الإنساني والعاطفي، ومرة يفسح المجال للشرح العلمي والتقني.
واللغة في مجملها واضحة ومباشرة، تميل إلى تقريب الفكرة من القارئ، ولا تتعمد الإغراب أو التعقيد. ويبدو أن الكتّاب حرصوا على أن تكون المعلومات العلمية جزءاً من العالم الروائي، وأن تساعد على إقناع القارئ بإمكانات العوالم التي يقترحها النص. غير أن هذا الحرص على التفسير والشرح يجعل بعض المقاطع أقرب إلى العرض المعرفي منها إلى السرد المتحرك، إذ تتقدم المعلومات أحياناً على نمو الشخصية أو تطور الحدث. وكان من الممكن في بعض المواضع ترك مساحة أكبر للقارئ كي يستنتج، بدلاً من تقديم الفكرة في صورة تفسير مباشر.
أما الشخصيات، فتختلف درجة بنائها من حكاية إلى أخرى. ففي بعض المقاطع تتضح ملامح الشخصية من خلال تجربتها وموقفها، كما في حكاية عدنان وقحطان، حيث يرتبط السلوك بالحرب والفقد والبحث عن الخلاص. وفي مقاطع أخرى تبدو الشخصية أقرب إلى وسيلة لتحريك الفكرة العلمية أو الفلسفية. وهذا التفاوت مفهوم في تجربة يشترك فيها أكثر من كاتب، لكنه يظل من المسائل التي تستحق المراجعة عند النظر إلى وحدة العمل بوصفه رواية واحدة.
فالتحدي الحقيقي في الكتابة المشتركة لا يكمن في جمع مجموعة من الحكايات تحت عنوان واحد، وإنما في القدرة على جعل هذه الحكايات تنتمي إلى رؤية روائية متماسكة. ومن هنا تبرز أهمية الإيقاع السردي، والانتقال بين الفصول، واستمرار الخيط الفكري والإنساني الذي يصل أجزاء العمل بعضها ببعض. وقد نجحت الرواية في إيجاد مساحة موضوعية مشتركة تتمثل في علاقة الإنسان بالتكنولوجيا ومستقبل الحضارة، إلا أن تفاوت الأصوات والإيقاعات يظل محسوساً في بعض المواضع، وكان من الممكن أن تمنح المراجعة التحريرية النهائية العمل مزيداً من الانسجام.
وعندما نضع هذه التجربة في سياق الخيال العلمي العالمي، نجد أنها تلتقي مع أسئلة أدبية وفلسفية شغلت عدداً من الروائيين والمفكرين. ففي رواية «فرانكنشتاين» لماري شيلي، نجد السؤال المبكر عن مسؤولية الإنسان تجاه الكائن الذي يصنعه، وعن النتائج التي قد تترتب على المعرفة حين تنفصل عن المسؤولية الأخلاقية. وفي «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي، نجد القلق من مجتمع تتحكم فيه التقنيات والأنظمة المصممة لإدارة الإنسان وتوجيه حياته. أما «1984» لجورج أورويل، فيستحضر سؤال السيطرة على الوعي والحقيقة والذاكرة.
وتلتقي بعض أجواء الرواية كذلك مع الأسئلة التي عالجتها أعمال سينمائية وتلفزيونية معاصرة، وفي مقدمتها مسلسل «Black Mirror»، الذي جعل من التقنية مدخلاً للكشف عن هشاشة العلاقات الإنسانية، وعن المخاطر التي تنشأ حين تتحول الأدوات المصممة لخدمة الإنسان إلى وسائل للتأثير في وعيه وسلوكه. وأشير هنا إلى تقاطعات في الموضوع والأسئلة، لا إلى تأثير مباشر أو اقتباس فني.
وعربياً، يمكن أن نضع التجربة في حوار مع رواية «العنكبوت» لمصطفى محمود، التي تتناول قضايا الموت والوعي واحتمالات استمرار الحياة، ومع رواية «يوتوبيا» لأحمد خالد توفيق، التي تستثمر استشراف المستقبل في مساءلة التفاوت الاجتماعي وانهيار القيم. غير أن خصوصية «صفر واحد» تكمن في محاولتها الجمع بين أكثر من مسار تخييلي، وفي تحويل التقنيات الحديثة إلى مدخل لمناقشة قضايا الإنسان والمجتمع والمصير الحضاري.
أما محلياً، فإن المقارنة الأهم التي تستحق الوقوف عندها هي تجربة جلال برجس في رواية «حكايات المقهى العتيق»، التي تمثل تجربة أردنية لافتة في الكتابة الروائية المشتركة. فقد شارك في إنجازها تسعة كتّاب، بإشراف جلال برجس الذي وضع فكرتها وكتب بعض أجزائها، وتولى تحرير العمل ومراجعته. وكان المقهى هو الفضاء الجامع الذي أتاح الانتقال بين الحكايات والحقب التاريخية المختلفة، واستعادة تاريخ مادبا من خلال أصوات متعددة. وقد قامت وحدة الرواية هناك على المكان والذاكرة التاريخية والشخصية الإطارية التي تجمع الحكايات.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى «صفر واحد» باعتبارها تجربة تلتقي مع تجربة برجس في الإيمان بإمكان إنتاج الرواية من خلال تعدد الأقلام وتكامل الخبرات، لكنها تختلف عنها في طبيعة العالم الذي تتأسس عليه. ففي «حكايات المقهى العتيق» يتجه التعدد إلى استعادة ذاكرة المكان، وإعادة قراءة التاريخ المحلي من زوايا مختلفة، بينما يتجه في «صفر واحد» إلى استشراف المستقبل، وفتح احتمالات متعددة للوجود الإنساني. هناك كان المكان هو الرابط الذي يجمع الحكايات، وهنا تؤدي الفكرة العلمية والفلسفية دوراً أساسياً في وصل العوالم والشخصيات.
وتكشف المقارنة عن مسألة فنية مهمة؛ وهي أن الكتابة المشتركة تحتاج إلى مركز سردي أو رؤية ناظمة تستطيع أن تستوعب اختلاف الأصوات. وقد وجد جلال برجس في المقهى فضاءً واقعياً ومتخيلاً تتجمع فيه الحكايات، فيما وجدت مبادرة نون في الخيال العلمي مجالاً واسعاً لتجاور الحكايات وتعدد احتمالاتها. ولا يعني ذلك أن إحدى التجربتين تتفوق على الأخرى، فلكل منهما طبيعة موضوعها ومقتضيات بنائها، وإنما تكمن أهمية المقارنة في الكشف عن اختلاف الوسائل التي يمكن من خلالها تحقيق الوحدة في الرواية الجماعية.
وفي تقديري، فإن قيمة (صفر واحد: العابرون إلى ألفا) تنبع من جرآتها في خوض تجربة الكتابة المشتركة، ومن اختيارها موضوعاً يتصل بتحولات العالم المعاصر. فالعمل يحاول أن ينقل الخيال العلمي من دائرة المغامرة التقنية إلى دائرة السؤال الإنساني، ويضع القارئ أمام احتمالات تتعلق بمستقبل الذاكرة والوعي والهوية، وبالمسؤولية التي يتحملها الإنسان عن الأدوات التي يصنعها وعن العالم الذي يتركه للأجيال القادمة.
ومع ذلك، فإن التجربة تحتاج إلى مزيد من العناية بوحدة النسيج الروائي، وبالتوازن بين الشرح العلمي والحركة السردية، وبين الفكرة والشخصية. فالفكرة الجيدة لا تكتمل قيمتها بمجرد حضورها في النص، وإنما بما تستطيع أن تحدثه من تحول في الشخصية، وبما تتركه من أثر في مسار الحكاية. وكلما استطاع السرد أن يجعل السؤال الفلسفي جزءاً من التجربة الحية للشخصيات، ازدادت قدرته على الوصول إلى القارئ والتأثير فيه.
ولعل الإشارة الأجمل في هذه التجربة تكمن في الإهداء الذي يوجه الرواية إلى القارئ الذي سيصبح الكاتب الثامن عشر، ويدعوه إلى اختيار باب من أبواب العوالم التي لم تفتح بعد، وكتابة نهايته. فهذه الدعوة تتجاوز كونها عبارة إهداء، لتصبح امتداداً لفكرة العمل الجماعي ذاته؛ إذ لا تنتهي الحكاية عند آخر صفحة، وإنما تترك للقارئ موقعاً داخل عملية الإبداع، وتمنحه حق المشاركة في تخيل ما لم يكتبه المؤلفون.
وهنا تلتقي الفكرة الفنية بالدلالة الإنسانية للرواية: فالمستقبل لا تصنعه التكنولوجيا وحدها، وإنما يصنعه الإنسان بما يمتلكه من معرفة ووعي ومسؤولية. وإذا كان العبور إلى ألفا يمثل حلماً بعالم أكثر عدلاً وطمأنينة، فإن الطريق إلى ذلك العالم يبدأ من إعادة النظر في الإنسان نفسه، وفي اختياراته وعلاقته بالآخرين.
إن (صفر واحد) تجربة أردنية تستحق التقدير؛ لأنها تجرّب شكلاً من أشكال التعاون الإبداعي، وتفتح مجالاً أمام الخيال العلمي العربي ليعالج قضايا معاصرة بلغة روائية. وقد لا تكون قد بلغت في جميع أجزائها الدرجة نفسها من الإحكام الفني، إلا أنها تملك فضيلة المحاولة الجادة، وتطرح أسئلة تتجاوز حدود الحكاية إلى واقعنا الراهن. ويبقى السؤال الذي تتركه في ذهن القارئ أكثر أهمية من كثير من التفاصيل التقنية التي تستعرضها: إذا استطاع الإنسان أن يصنع عالماً جديداً، فهل يستطيع أن يصنع إنساناً أكثر وعياً وعدلاً وقدرة على حماية الحياة؟
هذا، في ظني، هو السؤال الذي يمنح الرواية معناها الأعمق، ويجعل العبور إلى ألفا رحلة في مستقبل الإنسان، بقدر ما هو رحلة في عوالم الخيال.