يبدو أننا نعيش العصر الذهبي لهز الرؤوس. فما أكثر الذين يتقنون تحريكها إلى الأعلى والأسفل، وما أقل الذين يتعبون ما بداخلها! في مجالسنا واجتماعاتنا ومنابرنا، تكاد الموافقة تتحول إلى شرط من شروط حسن السلوك. يكفي أن ترفع حاجبك مستغربا حتى تتجه نحوك العيون، كأنك أخرجت من جيبك متفجرة فكرية. أما إذا قلت «لا أتفق»، فاستعد لاتهام عسير في الأخلاق وحسن النيات. ومن أراد أن العيش مرتاح البال، فليحتفظ برأيه لنفسه، وليترك رأسه يؤدي واجباته الاجتماعية.
أدهشني دائما هذا الميل العجيب إلى تصنيع البشر على مقاس واحد. نختلف في أطوالنا وملامحنا وأمزجتنا، ثم نطالب عقولنا بأن ترتدي الزي الموحد. كأن الاختلاف عيب في الصناعة، وكأن العقل السليم هو الذي يخرج من المصنع حاملا شهادة مطابقة للمواصفات العامة. والأطرف أننا نتباهى بتعدد الآراء، شريطة ألا يتجاوز هذا التعدد حدود الرأي الذي نحبه!.
ولعل أكثر ما يفضح هشاشة يقيننا ذلك الغضب الذي يستولي علينا حين يقول أحدهم شيئا لا يروق لنا. لماذا نستقبل الفكرة المخالفة كأنها اعتداء شخصي؟ ولماذا يشعر المرء أن تغيير رأيه خسارة لهيبته، حتى لو اكتشف أن رأيه القديم «ما بسوى متليكة»؟ يبدو أننا لا نكتفي بامتلاك القناعات؛ نمنحها شيئا من حصانتنا الشخصية، ثم نخاف عليها من الهواء والضوء والأسئلة.
انظروا إلى بعض اللقاءات التلفزيونية. تبدأ بطاولة وكراسي، وتنتهي بمباراة في الصراخ. يتحدث الجميع، ولا يصغي أحد. كل متحاور ينتظر انتهاء الآخر ليستأنف كلامه من النقطة التي توقف عندها، كأن الحوار مجموعة خطب وقعت مصادفة في الغرفة نفسها. وفي مواقع التواصل تتضاعف المأساة؛ فقد أصبح بإمكان المرء أن يحاكم فكرة لم يقرأها، وأن يهزم خصما لم يفهمه، ويحصد التصفيق على هذا الإنجاز العظيم!.
المؤلم أننا ننقل العدوى إلى أطفالنا. نطلب منهم التفكير، ثم نكافئ الإجابة المحفوظة. ندعوهم إلى الحوار، ونضيق بأول سؤال يربكنا. ونحتفل بالشخصية المستقلة في الخطب، ونرتاب منها حين تظهر أمامنا في البيت أو المدرسة أو المؤسسة. وهكذا نربي أجيالا تعرف كيف تنجو بموافقة الآخرين، وتجهل أحيانا كيف تدافع عن فكرة تخصها.
لا أرى في الاختلاف فضيلة تلقائية؛ فقد يكون سخيفا أو ظالما أو جاهلا. قيمته أنه يتيح لنا امتحان ما نظنه صحيحا، ويذكرنا بأن عقولنا ليست المقر الدائم للحقيقة. وأحسب أن أجمل ما يمكن أن يقوله إنسان، بعد نقاش طويل، هو: «ربما كنت مخطئا». جملة صغيرة لكنها تحتاج إلى شجاعة أكبر من خطبة كاملة.
أخشى أن يأتي يوم نتفق فيه جميعا، لا لأننا وصلنا إلى الحقيقة، بل لأن آخر إنسان كان يملك شجاعة إبداء الرأي قرر أن يصمت. عندها ستكون رؤوسنا كلها في حركة دائمة، ولن يبقى في داخلها ما يستحق أن يتحرك.
الدستور