إن الأوطانَ العظيمة لا تستمدُ هيبَتها من قدرتها على اجتياز المِحَن فحسب بل من رسوخِ بنيانها وشموخِ إرادتها وأصالةِ القيم التي تنهض عليها كلما تعاظمتْ عليها الشدائد فكان استشهاد العريف البطل جواد علي خلف السلايطة وهو يؤدي واجبهُ الأمني شاهدًا على عظمة هذا الوطن الذي صاغتْ تضحيات أبنائه معنى أمنِه ونسجتْ مواقف رجاله سياج عزته وكرامته فحين يرتقي حارس الوطن شهيدًا لا يكون الفقد وجع أسرة فحسب بل جرحًا في وجدان وطن بأسره ودليلًا على أن خلفَ الطمأنينة التي ينعم بها الأردنيون رجالًا يواجهون الخطر بصدورٍ لا تعرف التراجع وقلوبٍ جعلتْ الوفاء للوطن أسمى غاياتها.
ومن زاويةٍ أخرى لهذا الوفاء العظيم تتجلى ملحمةُ البطولة التي سطرها الملازم البطل فراس العنانزة حين واجه الخطر بإرادةٍ لا تعرف التردد وعزيمةٍ تستمد من شرفِ الواجب قُدسيتها ومن صدقِ الانتماء قوتها فكان في تصدّيه للإرهابي وإحباط جريمته صورةً ناصعةً لرجالٍ نذروا أنفسهم لصونِ أمن الوطن والذود عن حياةِ أبنائه في أحلك اللحظات وأشدها خطورةً لتتكامل في هذا المشهد معاني التضحية والشجاعة و ليغدو الشهيد البطل جواد والبطل فراس شاهدين على مدرسةٍ أردنيةٍ أصيلة يتقدم فيها الواجب على الخوف وتعلو فيها كرامة الوطن على كل اعتبارٍ مدرسة لا تصنعُ أبطالها الخطب ولا تخلّدُهم الكلمات بل تصوغُهم المواقف حين تمتحنُ الشدائد صدق الرجال وتكشفُ عن معادنهم الأصيلة.
إن في امتدادِ هذه الملحمة الوطنية تتجلى حكمةُ القيادة الهاشمية بوصفها بوصلة الدولة في أحلك المنعطفات وسياجها المنيع في مواجهةِ الأخطار التي تستهدفُ أمنها وطمأنينة أبنائها فقد جعلَ جلالة الملك عبدالله الثاني من التصدي للإرهاب والتطرّف ركيزةً راسخةً في نهج الدولة ورؤيةً تستشرفُ مآلات الخطر قبل أن تستفحلَ عواقبه وتدرك أن صيانة الأوطان لا تبدأ عند اشتعال النيران بل من إخمادِ الشرارة التي توقدها في العقول والضمائر وليأتي خطابُ العرش مؤخرًا تجسيدًا لثباتِ الموقف الأردني ووضوحِ البوصلة الوطنية في مواجهة كل ما يهددُ أمن المملكة ووحدتها واستقرارها وليؤكد جلالته أن الدولةَ التي تستمد شرعيتها من ثقةِ شعبها وتستند إلى إرثها الهاشمي العريق لا ترتهنُ لإرهابٍ عابرٍ ولا تسمح لأصحاب الفكر الظلامي أن يعبثوا بمصيرها أو ينتقصوا من مَنَعتها بل تمضي بثقةِ القيادة وصلابةِ المؤسسات ووعي الأردنيين في صونِ الوطن وحمايةِ رسالته وترسيخِ أمنه في وجه كل من يتوهم أن ظلامَ التطرف قادرٌ على حجب نور الدولة.
إن القيادةَ الحكيمة هي التي ترسم وجهة الأوطان في زمنِ العواصف وتمنحها بوصلةَ الثبات حين تضطرب من حولها الاتجاهات لتكتملَ عظمة هذه القيادة وتبلغ أسمى تجلياتها حين تتعانق رؤيتها مع وحدةِ الشعب وتتآلف حكمة القرار مع صلابة الإرادة الوطنية فتغدو العلاقة بين القيادة وشعبها مصدر قوة تتحطم عليه رهانات الفتنة ومحاولات النيل من استقرار الدولة وفي هذا التلاحم بين القيادة والشعب تتجسد فرادة الشخصية الأردنية التي كلما تعاظمتْ عليها الشدائد ازدادتْ تماسكًا والتحمتْ صفوفها وتوحدتْ إرادتها في مشهدٍ تتراجع فيه الفوارق أمام نداء الوطن وتسمو فيه رابطة الانتماء فوق كل اعتبارٍ فالأردنيون الذين جمعتهم الأرض وصاغت وجدانهم قيم الوفاء والكرامة لا تفرقهم يد الغدر ولا تنال من نسيجهم الوطني محاولات العبث بل يزدادون عند المحن قربًا والتفافًا حول قيادتهم الهاشمية ودولتهم ومؤسساتها ليبرهنوا أن اللّحمة الوطنية ليست شعارًا يُرفع في مواسم الخطاب بل حقيقةٌ راسخةٌ تكشف عن جوهرها المواقف العصيبة وأن الأردن حين يواجه الخطر لا يقف أبناؤه متفرقين بل يقفون قلبًا واحدًا وإرادةً واحدةً وجبهةً وطنيةً عصية على الاختراق.
إن معركةَ الأردن مع الإرهاب لا تنتهي عند إخمادِ الجريمة بل يجبُ أن تمتد إلى جذورهِ الفكرية التي تسبقها وتغذيها فإن صون الوطن يقتضي أن تتعاضدَ قوة القانون مع مناعةِ الوعي وأن تتكاملَ يقظة الأجهزة الأمنية مع رسالةِ الثقافة في تحصينِ العقول من كل فكرٍ يستبيحُ الدم أو يتخذُ من الكراهية سبيلًا إلى هدم المجتمعات فالأوطان لا يحرسها السلاح وحده وإن كان درعها حين يُداهمها الخطر بل يحرسها أيضًا وعي أبنائها وقدرتهم على التمييزِ بين الإيمانِ الحق والفكرِ المنحرف وبين الاختلاف الذي يثري الحياة والتطرّف الذي يسعى إلى إطفائها ومن هنا فإن الوفاء للشهداء لا يكون بتخليد ذكراهم فحسب بل ببناء وعي يحول دون تكرار المأساة ويصونُ للأجيال حقها في وطنٍ آمنٍ تسوده قيم الرحمة والكرامة والانتماء.
الراي