وهم الاستقرار .. حين لا يعني الهدوء أننا بخير
لانا ارناؤوط
02-11-2026 08:58 AM
كثيراً ما نقيس استقرار المجتمعات بمدى هدوئها، وبغياب الاحتجاجات أو الاضطرابات أو الأزمات الظاهرة، وكأن الاستقرار حالة يمكن قياسها بمجرد النظر إلى المشهد الخارجي لكن الحقيقة أن المجتمعات قد تبدو هادئة فيما تتراكم داخلها أزمات مؤجلة، وقد تنجح المؤسسات في احتواء مظاهر المشكلة دون أن تنجح في معالجة جذورها.
فالاستقرار الحقيقي لا يعني أن تختفي المشكلات، بل أن تمتلك الدولة والمجتمع القدرة على مواجهتها ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها أما الهدوء الذي ينتج عن تراجع التوقعات، أو ضعف المشاركة، أو فقدان الثقة بإمكانية التغيير، فهو ليس بالضرورة استقراراً، بل قد يكون شكلاً من أشكال الصمت الاجتماعي.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات هو الاعتياد على الأزمات عندما يصبح ارتفاع البطالة أمراً مألوفاً، وتتحول صعوبة المعيشة إلى واقع يتكيف معه الناس، ويصبح غياب الفرص جزءاً من الحياة اليومية، فإننا نكون أمام حالة من التطبيع مع الاختلالات، لا أمام استقرار حقيقي.
وتكمن المشكلة في أن تأجيل معالجة الأزمات لا يلغي كلفتها، بل يجعلها أكثر تعقيداً فالأزمة الاقتصادية التي لا تُعالج قد تتحول إلى أزمة اجتماعية، والأزمة الاجتماعية قد تتطور إلى أزمة ثقة، وأزمة الثقة حين تتسع قد تصبح تهديداً للاستقرار السياسي والمؤسسي.
ومن هنا، فإن مسؤولية المؤسسات لا ينبغي أن تقتصر على إدارة الأزمات بعد وقوعها، أو المحافظة على هدوء المشهد العام، بل يجب أن تمتد إلى قراءة المؤشرات المبكرة، والاستماع إلى المجتمع، ومعالجة الاختلالات التي قد لا تظهر آثارها فوراً.
فالاستقرار ليس غياب الضجيج، وليس قدرة المجتمع على التعايش مع الصعوبات إلى ما لا نهاية الاستقرار هو أن يشعر المواطن بأن مستقبله ليس معلقاً، وأن حقوقه ليست مؤجلة، وأن المؤسسات قادرة على الاستجابة لمشكلاته، وأن التغيير ممكن دون أن يتحول كل مطلب إلى أزمة.
إن المجتمعات لا تفقد استقرارها دائماً في لحظة الانفجار؛ أحياناً تبدأ خسارته بصمت طويل، حين تتراكم المشكلات دون حلول، وتتحول الاستثناءات إلى قواعد، ويصبح التكيف مع الخلل بديلاً عن إصلاحه.
فالهدوء قد يخفي أزمة، والصمت قد يخفي فقداناً للأمل، أما الاستقرار الحقيقي فلا يُقاس بغياب الأصوات المرتفعة، بل بوجود أسباب حقيقية تجعل الناس مطمئنين إلى الغد.