المديونية العامة في الأردن .. كيف وصلنا إلى هنا؟
د.عدلي قندح
01-11-2026 09:50 AM
نفتتح بهذا المقال سلسلة من عشرة مقالات تتناول المديونية العامة في الأردن، انطلاقاً من أثرها في قدرة الدولة على تمويل التنمية وتحسين الخدمات والاستجابة للأزمات، وما تفرضه خدمتها من التزامات على الموازنات المقبلة. وتسعى السلسلة إلى تقديم قراءة تحليلية عميقة تستند إلى البيانات الرسمية، تتتبع تطور الدين خلال عشرين عاماً، وتوضح تعريفاته وحجمه وهيكله والجهات الدائنة، وتبحث أسباب تراكمه وآليات تمويله وإدارته، وصولاً إلى تقييم استدامته واقتراح مسارات واقعية لتخفيض أعبائه. وستناقش مسؤولية السياسات والحكومات المتعاقبة، مع التمييز بين القرارات المتخذة خلال كل مرحلة والالتزامات الموروثة والصدمات الخارجية، والاستفادة من التجارب الدولية بقدر ملاءمتها لظروف الأردن.
وتبدأ هذه القراءة من إدراك أن المديونية العامة الأردنية لم تتشكل في أزمة واحدة، ولا يمكن تفسيرها بقرار منفرد أو حكومة بعينها.
إنها حصيلة تفاعل طويل بين عجز مالي متكرر، وصدمات خارجية، والتزامات متزايدة، وقدرة اقتصادية لم تتوسع بما يكفي لاحتوائها.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن نفتتح به النقاش ليس فقط: كم أصبح حجم الدين؟ بل: كيف انتقل الأردن من مرحلة استطاع فيها تخفيف عبء المديونية إلى مرحلة بات فيها الاقتراض ضرورة متجددة لتمويل الموازنة وتسديد الاستحقاقات؟
تُظهر نشرة مالية الحكومة العامة الصادرة عن وزارة المالية في أيار 2026 أن إجمالي رصيد دين الحكومة، ضمن الموازنة والمكفول، بلغ في نهاية 2025 نحو 47.7 مليار دينار، بما يعادل 109% من الناتج المحلي الإجمالي. وبعد استثناء ما يحمله صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي، بلغ الرصيد نحو 36.6 مليار دينار، أو 83.6% من الناتج. وهذان الرقمان يعكسان نطاقين مختلفين للقياس؛ فاستبعاد حيازات الصندوق لا يعني إلغاء التزام الخزينة بسدادها، كما أن إدراجها لا يلغي ضرورة مراعاة العلاقات المالية داخل القطاع الحكومي عند تحليل حساباته الموحّدة.
ولفهم الطريق إلى هذه الأرقام، ينبغي العودة إلى بداية الفترة الممتدة من 2006 إلى 2025؛ عشرين سنة مكتملة شهدت تحولات في الاقتصاد الإقليمي والعالمي، وفي مصادر التمويل والإنفاق المحلي. ويجب التمييز، منذ البداية، بين العجز، وهو تدفق خلال سنة، والدين، وهو رصيد متراكم في تاريخ محدد. كما لا يجوز وصل نسب تاريخية احتُسبت بتعريفات أو تقديرات مختلفة للناتج المحلي، ثم التعامل معها باعتبارها سلسلة متجانسة.
في منتصف العقد الأول من الألفية، كانت الظروف أكثر مساعدة على تخفيض عبء الدين. فقد اجتمعت قوة النشاط الاقتصادي وتدفقات الاستثمار وإيرادات الخصخصة والمنح مع تحسن بعض عناصر المالية العامة. ووثّق صندوق النقد الدولي في مشاورات 2006 مساهمة تحسن الإيرادات والمنح، وتراجع دعم المحروقات، والخصخصة الجزئية لشركة الاتصالات الأردنية، في تحسن الوضع المالي وانخفاض نسبة صافي الدين. غير أن هذه العوامل لم تكن جميعها موارد دائمة؛ فإيرادات بيع الأصول تُحصَّل مرة واحدة، والمنح تخضع لقرارات وظروف خارجية.
وجاءت عملية شراء ديون نادي باريس عام 2008 لتشكّل محطة مهمة. فبحسب تقرير صندوق النقد، أطفأ الأردن ديوناً بقيمة اسمية تقارب 2.4 مليار دولار مقابل دفع نحو 2.1 مليار دولار، بتمويل من عوائد الخصخصة والمنح الخارجية، وبخفض يقارب 11% من القيمة الاسمية للديون المشمولة - وهي نسبة منخفضة. كانت العملية أداة فعلية لتقليص الالتزامات، لكنها تبيّن أيضاً حدود المعالجات الاستثنائية: تخفيض رصيد الدين في لحظة معينة لا يمنع عودته إلى الارتفاع إذا استمرت الفجوة السنوية بين الإنفاق والموارد.
ثم أخذت البيئة تتغير. جاءت الأزمة المالية العالمية، وتبعتها اضطرابات إقليمية أصابت التجارة والاستثمار والسياحة وإمدادات الطاقة. وبرز قطاع الكهرباء بوصفه قناة رئيسية لانتقال الصدمة الخارجية إلى المالية العامة؛ إذ ارتفعت كلفة الوقود المستخدم في التوليد، بينما لم تتكيف الإيرادات بالسرعة نفسها. ويشير تقرير صندوق النقد لعام 2012 إلى ارتفاع خسائر شركة الكهرباء الوطنية من 8.0% من الناتج المحلي عام 2010 إلى 4.9% عام 2011، وتمويلها عبر قروض وسندات مضمونة حكومياً ومتأخرات للموردين.
تكشف هذه المرحلة أن الدين لا ينشأ حصراً من العجز الظاهر في الموازنة. فقد تبدأ الالتزامات في شركة عامة أو مرفق خدمي، ثم تنتقل إلى الحكومة عبر الضمانات أو التحويلات أو تحمل الديون. وفي المقابل، لا يكفي وصفها بأنها نتيجة صدمة خارجية لإغلاق باب المساءلة؛ إذ يبقى مطلوباً تقييم سرعة الاستجابة، وتنويع مصادر الطاقة، وكفاءة التشغيل، وتصميم الدعم، وكيفية توزيع كلفة التكيف اجتماعياً.
وبحلول نهاية 2016، بلغ إجمالي الدين العام 26.1 مليار دينار، وفق التقرير السنوي للبنك المركزي الأردني. وربط التقرير ارتفاعه بتمويل عجز الموازنة والقروض المكفولة للكهرباء الوطنية وسلطة المياه، في ظل تباطؤ النمو، مشيراً إلى مديونية للجهتين بلغت نحو6.7 مليارات دينار عند نهاية 2015 وحافظت على مستواها في 2016. وهذه الالتزامات تفسر جانباً من تراكم الدين، ولا تُضاف مرة أخرى إلى الإجمالي إذا كانت مشمولة فيه.
أما السنوات التالية، فأظهرت صعوبة معالجة المديونية في اقتصاد محدود النمو وذي احتياجات إنفاق مرتفعة. ومن منظور ديناميكية الدين، فإن زيادة الإيرادات أو ضبط بعض النفقات قد يبطئان التراكم، لكنهما لا يضمنان عكس اتجاهه إذا بقي العجز قائماً واستمرت فوائد الرصيد السابق في توليد احتياجات تمويلية إضافية. لذلك ينبغي تقييم الإصلاح بما أحدثه في المسار الفعلي للدين وكلفته، وبما كان يمكن أن يحدث في غيابه، دون افتراض أن أحد التقييمين يغني عن الآخر.
ثم جاءت جائحة كورونا لتضيف صدمة جديدة. وتُظهر بيانات البنك المركزي ارتفاع إجمالي دين الحكومة من 30.1 مليار دينار في نهاية 2019 إلى 33.0 ملياراً في نهاية 2020، بزيادة تقارب 2.9 مليار دينار. وبعد استثناء حيازات صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي، ارتفع الرصيد من 23.9 ملياراً إلى 26.5 مليار دينار. ويبيّن عرض المقياسين معاً أهمية تثبيت التعريف عند المقارنة، بدلاً من الانتقال بينهما بحسب الرقم الذي يخدم الانطباع المطلوب.
اقتصادياً، يصبح الاقتراض في أزمة واسعة وسيلة لتوزيع كلفة الصدمة عبر الزمن، وحماية الخدمات والنشاط الاقتصادي من انكماش أشد. لكن نجاح هذه الوظيفة يتطلب مساراً لاحقاً لتقليص الاحتياجات التمويلية. فالدين الذي يساعد على عبور الأزمة يبقى بعد انتهائها، وتستمر فوائده، وقد تعود استحقاقاته في ظروف تمويل أكثر كلفة.
وتكشف المقارنة بين نهاية 2020 ونهاية 2025 ارتفاع إجمالي الرصيد من نحو 33.0 ملياراً إلى 47.7 مليار دينار؛ أي زيادة اسمية تقارب 14.7 مليار دينار، أو 44.4%، بحساب الفرق بين القيم المنشورة. ولا تعني هذه الزيادة أن المبلغ كله موّل مشاريع جديدة، كما لا يصح تفسيرها بمجرد إعادة تمويل الديون القديمة؛ فاستبدال دين مستحق بدين جديد مساوٍ له لا يرفع الرصيد بذاته. ويحتاج تفسير الزيادة إلى تفكيك العجز والالتزامات الإضافية وتغيرات تقييم العملات والأرصدة النقدية وغيرها من تسويات الدين.
وتكتمل القراءة بالانتباه إلى مراجعة الحسابات القومية. فقد أوضح صندوق النقد أن تحديث سنة الأساس إلى 2023 وتحسين مصادر البيانات والمنهجيات رفع تقدير الناتج المحلي الاسمي بنحو 10%. وهذه مراجعة تحسن قياس حجم الاقتصاد، لكنها تخفض نسبة الدين حسابياً دون أن تسدد جزءاً منه. لذلك ينبغي التمييز بين أثر التصحيح الإحصائي، وأثر النمو الفعلي، وأثر الإجراءات المالية، وعدم تقديم انخفاض النسبة الناتج عن المراجعة باعتباره وفراً نقدياً للخزينة.
ما تقوله هذه الرحلة التاريخية هو أن الصدمات الخارجية كانت مؤثرة، لكن نتائجها تراكمت داخل بنية مالية تحتاج إلى تمويل متكرر. كما أن عمليات تخفيض الدين الاستثنائية تستطيع تحسين نقطة البداية، بينما يتحدد الاتجاه اللاحق بقدرة الاقتصاد والموازنة والمؤسسات العامة على الحد من توليد التزامات جديدة.
ومن هنا، فإن معالجة المديونية تتطلب الانتقال من التركيز على تأمين التمويل إلى تقييم استخدامه ونتائجه: هل يرفع الإنتاجية؟ هل يعالج خسائر متكررة؟ وهل يترك للدولة قدرة أكبر على الوفاء بالتزاماتها مستقبلاً؟ إن الاختبار الحقيقي للسياسة الاقتصادية هو أن تنخفض الحاجة إلى الاقتراض تدريجياً، بالتوازي مع تحسن الخدمات وفرص العمل والاستثمار. وقبل اختيار أدوات المعالجة، ينبغي حسم السؤال الذي يتناوله المقال التالي: كم يبلغ الدين الأردني فعلاً، وما الذي يشمله كل رقم منشور؟