facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




مجزرة كنيسة حمود .. الرصاص الذي استهدف الأردن من بوابة الكرك


مؤيد المجالي
25-10-2026 10:47 AM

لم يكن الرصاص الذي انطلق أمام كنيسة حمود في الكرك رصاصاً موجهاً إلى أجساد مواطنين كانوا يشيّعون جنازةً فحسب؛ فقد كان اعتداءً على معنى الحياة، وعلى حرمة الموت، وعلى حق الإنسان في أن يمارس شعائره الدينية ويودّع أحبّاءه آمناً، من دون أن يتحول اختلافه الديني إلى حكم بالإعدام.

في تلك اللحظة التي امتزج فيها صوت الرصاص بصرخات المكلومين، لم تكن الكرك وحدها هي التي تنزف. كان الأردن كله ينزف، وكانت الإنسانية تُهان في واحد من أكثر الأماكن التي يفترض أن تحضر فيها السكينة والرحمة: دار العبادة، وفي واحدة من أكثر اللحظات التي تستدعي احترام الإنسان وكرامته: تشييع الموتى.

إن ما جرى في كنيسة حمود، يوم الجمعة 23 تشرين الأول 2026، وأسفر، وفق التقارير التي نُشرت في اليوم التالي، عن مقتل تسعة أشخاص أبرياء وإصابة نحو أربعين، لا يجوز أن يُختزل في خبر أمني عابر، ولا أن تنتهي قراءته عند إدانة الجريمة وانتظار القبض على مرتكبيها. نحن أمام حادثة تفرض أسئلة سياسية وأمنية وفكرية عميقة، تتصل بطبيعة التهديد الذي يواجه المجتمع، وبقدرة الدولة على استباق العنف، وبالبيئة التي تسمح للكراهية بأن تتحول إلى رصاص.

إن خطورة المجزرة لا تكمن في عدد ضحاياها وحده، بل في طبيعة الرسالة التي يمكن أن يحملها استهداف مواطنين داخل دار عبادة، وفي التحدي الذي تفرضه على الدولة والمجتمع معاً.

حين تتحول الكراهية إلى مشروع قتل:

لا يولد الإرهاب دائماً في لحظة إطلاق النار؛ فكثيراً ما تسبقه عملية طويلة من نزع الإنسانية عن الآخر، وتحويل الاختلاف إلى تهمة، والمواطنة إلى امتياز تمنحه جماعة لنفسها وتحجبه عن غيرها.

حين يُقنع الفكر التكفيري صاحبه بأن دم الإنسان يصبح مباحاً بسبب دينه أو معتقده، فإننا لا نكون أمام خلاف ديني أو اختلاف في الرأي، بل أمام انهيار أخلاقي وفكري يهدد الأساس الذي تقوم عليه المجتمعات والدول.

ولهذا، فإن مواجهة الجريمة لا ينبغي أن تبدأ من فوهة السلاح وتنتهي عند باب المحكمة. إنها تبدأ أيضاً من تفكيك الخطاب الذي يشرعن العنف، ومن مواجهة التحريض الذي يهيئ العقول لتقبّل القتل، ومن مساءلة كل من يروّج للكراهية أو يحاول تقديم الاعتداء على المدنيين باعتباره بطولة أو نصراً أو واجباً دينياً.

ولا يعني ذلك تحميل أي جماعة دينية أو اجتماعية مسؤولية جريمة ارتكبها أفراد؛ فالمسؤولية الجنائية فردية، وتحديدها شأن التحقيق والقضاء. لكن مواجهة الفكر الذي يبرر القتل مسؤولية عامة لا يجوز تأجيلها حتى تقع المجزرة التالية.

الدلالة الأمنية: هل تكفي الاستجابة بعد وقوع الكارثة؟

تملك الدولة الأردنية أجهزة أمنية وخبرات تراكمية في التعامل مع التهديدات الإرهابية، وقد أثبتت السنوات الماضية أن مواجهة التنظيمات المتطرفة تتطلب عملاً استخبارياً وأمنياً معقداً. غير أن وقوع جريمة بهذا الحجم يفرض مراجعة جادة، لا بهدف إصدار أحكام مسبقة على المؤسسات، بل بهدف معرفة ما حدث وكيف أمكن منع تكراره.

السؤال ليس فقط: من ارتكب المجزرة؟ بل أيضاً: هل كانت هناك مؤشرات سابقة؟ وهل رُصدت أي تحركات أو اتصالات ذات صلة؟ وهل توجد ثغرات في منظومة الإنذار المبكر؟ وهل يجري التعامل مع التحريض المتطرف باعتباره خطراً قابلاً للتحول إلى عنف، أم باعتباره مجرد خطاب لا يستدعي التدخل إلا بعد أن يترك ضحاياه على الأرض؟

هذه أسئلة لا يجوز الإجابة عنها بالتخمين، ولا يصح تحويلها إلى اتهامات قبل ظهور نتائج التحقيق. لكنها أسئلة مشروعة تفرضها مسؤولية حماية الحق في الحياة.

إن الأمن الحقيقي لا يُقاس بعدد المداهمات التي تُنفذ بعد وقوع الجريمة، ولا بحجم الانتشار الأمني الذي يليها، بل بقدرة المؤسسات على اكتشاف التهديد قبل أن يتحول إلى مأساة، وبمدى كفاءة التنسيق بين الجهات المعنية، وبقدرتها على حماية التجمعات المدنية ودور العبادة من دون تحويل حياة الناس إلى حالة دائمة من الخوف.

ومن هنا، فإن أي مراجعة أمنية يجب أن تكون مهنية وصريحة، وأن تنتهي إلى إجراءات عملية قابلة للتقييم، لا إلى بيانات عامة تُنسى بعد انحسار الصدمة.

كنيسة حمود.. هل كان الهدف أبعد من الضحايا؟

لا يمكن الجزم، قبل اكتمال التحقيق، بالدوافع النهائية للمنفذين أو بوجود ارتباطات تنظيمية أو توجيهات خارجية. لكن طبيعة المكان والظرف الذي وقعت فيه الجريمة يفرضان دراسة احتمال أن يكون استهداف دار العبادة والمشيّعين قد قصد إحداث أثر يتجاوز القتل المباشر.

فالهجمات التي تستهدف المدنيين في أماكن ذات رمزية دينية واجتماعية قد تسعى، ضمن أهدافها المحتملة، إلى بث الخوف، وزعزعة الشعور بالأمان، وإثارة حساسيات دينية، وإضعاف الثقة بين مكونات المجتمع.

وإذا أثبت التحقيق أن الدافع طائفي أو تكفيري، فإن ذلك سيعني أن الجريمة استهدفت، إلى جانب أرواح الضحايا، مبدأ المواطنة المتساوية الذي يمنح الأردنيين حقهم في الحياة والعبادة والأمان، من دون تمييز.

لكن ينبغي الحذر من تحويل هذا الاحتمال إلى رواية مكتملة قبل توافر الأدلة. فلا دليل كافياً، في المعلومات المنشورة حتى الآن، يسمح بالجزم بأن العملية جزء من مخطط خارجي أو مشروع إقليمي منظم.

إن التحليل السياسي الرصين لا يخلط بين الاحتمال والحقيقة، ولا يجعل خطورة الحدث مبرراً لاختراع تفسير له. بل يحدد الأسئلة، ويفحص الأدلة، وينتظر النتائج.

الكرك.. ذاكرة وطنية لا يجوز أن تتحول إلى ساحة للانقسام:

للكرك في الوجدان الأردني مكانة تتجاوز حدود الجغرافيا. إنها مدينة التاريخ والمجد والذاكرة الوطنية، وقد تشكلت هويتها عبر تاريخ طويل من التضحيات والشراكة بين أبناء المجتمع.

ومن هنا، فإن استهداف مواطنين في كنيسة داخل هذه المحافظة يضاعف الألم، لا لأن دماء أبناء الكرك أثمن من دماء سواهم، بل لأن الجريمة وقعت في مكان يحمل رمزية وطنية واجتماعية عميقة.

إن الدم الذي سال في كنيسة حمود ليس دماً غريباً عن الأردن، وليس دماً يخص عائلة أو طائفة وحدها. إنه دم أردني، ووجع أردني، واعتداء على حق أردني أصيل في الحياة والأمان والكرامة.

ولا يجوز أن نسمح للمجرمين بأن يفرضوا على المجتمع تعريفاً جديداً للعلاقة بين أبنائه، أو أن يدفعونا إلى النظر إلى بعضنا بعضاً من خلال الهويات الدينية بدلاً من رابطة المواطنة.

فالكنيسة ليست شأناً خاصاً بالمسيحيين وحدهم، كما أن المسجد ليس شأناً خاصاً بالمسلمين وحدهم عندما يتعلق الأمر بحمايتهما من الاعتداء. دور العبادة جميعها جزء من حرمة المجتمع وكرامة الدولة، والاعتداء على أي منها اعتداء على حق الإنسان في ممارسة شعائره بأمان.

إن الوحدة الوطنية لا تُختبر في مواسم الاحتفال والشعارات، بل في لحظات الدم والخوف، حين يصبح واجب المجتمع أن يحمي أبناءه من الانقسام، وأن يمنع تحويل المأساة إلى مادة للتحريض أو الانتقام.

الدولة بين الحزم وسيادة القانون:

من حق الأردنيين أن ينتظروا من دولتهم كشف الحقيقة كاملة، وملاحقة مرتكبي الجريمة، وتقديمهم إلى القضاء، وإنزال العقوبات التي يقررها القانون بحق من تثبت مسؤوليتهم.

لكن الحزم الأمني، مهما بلغت ضرورته، لا ينبغي أن ينفصل عن سيادة القانون. فالقوة التي تحمي المجتمع تكتسب مشروعيتها من استخدامها القانوني، ومن دقة تحديد المسؤوليات، ومن احترام الحقوق والضمانات القضائية.

لا يجوز أن تتحول الجريمة إلى مبرر للعقاب الجماعي، أو للتوسع في الاشتباه على أساس الدين أو المنطقة أو الانتماء الاجتماعي. كما لا يجوز التساهل مع التحريض المباشر على قتل المدنيين أو اضطهادهم بسبب معتقداتهم.

المعادلة التي يحتاج إليها الأردن واضحة: حزم لا يتردد في مواجهة الإرهاب، وعدالة لا تسمح بالإفلات من العقاب، ومؤسسات لا تخشى مراجعة أدائها، وشفافية مسؤولة تمنح المواطنين المعلومات التي يحتاجون إليها لفهم ما حدث، من دون الإضرار بسلامة التحقيق.

فهيبة الدولة لا تقوم على شدة العقوبة وحدها؛ بل تقوم أيضاً على قدرتها على حماية الناس، وكشف الحقيقة، وتحمل المسؤولية، وتطبيق القانون على الجميع.

المعركة التي لا تنتهي بالقبض على المنفذين:

إن القبض على مرتكبي المجزرة، ومحاكمتهم، ومعرفة دوافعهم وصلاتهم المحتملة، خطوات أساسية لا غنى عنها. لكنها لن تكون كافية إذا بقيت البيئة الفكرية التي تبرر العنف خارج دائرة المعالجة الجادة.

فمكافحة الإرهاب ليست ملفاً أمنياً معزولاً عن التعليم والثقافة والخطاب الديني والإعلام والسياسات العامة. إنها مسؤولية متكاملة تبدأ من ترسيخ كرامة الإنسان، وتُبنى على احترام الاختلاف، وتقتضي مواجهة التحريض من دون انتقائية، وتمنع توظيف الدين لتبرير العدوان على الأبرياء.

كما أن حماية المجتمع تتطلب خطاباً سياسياً وإعلامياً مسؤولاً؛ فلا ينبغي نشر الشائعات، أو تداول اتهامات غير مثبتة، أو استثمار الدماء في تصفية الحسابات، أو تصوير المواطنين باعتبارهم جماعات متصارعة.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد المجزرة هو أن ينجح مرتكبوها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في نقل العنف من محيط الكنيسة إلى وجدان المجتمع، وفي تحويل الخوف إلى شك، والشك إلى خصومة، والخصومة إلى انقسام.

وهذا ما ينبغي على الأردنيين جميعاً رفضه.

أخيراً.. لن نسمح للرصاص بأن يكتب دستور علاقتنا:

مجزرة كنيسة حمود ليست حادثة يجوز أن تُطوى صفحتها بمجرد انقضاء أيام الحداد، وليست مناسبة لخطاب عاطفي ينتهي بانتهاء مراسم العزاء. إنها جرس إنذار يفرض على الدولة والمجتمع مراجعة جادة لآليات الوقاية من التطرف، وحماية المواطنين، وتعزيز الثقة بالمؤسسات، وصون الوحدة الوطنية.

نريد الحقيقة كاملة، لا روايات تسبق الأدلة. ونريد العدالة، لا الانتقام. ونريد أمناً يحمي حياة الناس قبل أن يضطر إلى عدّ ضحاياهم. ونريد مواجهة فكرية صريحة لكل خطاب يجعل من الاختلاف الديني ذريعة لإهدار الدم.

أما الكرك، التي تعرف معنى التاريخ والتضحيات، فلن تكون بوابة للانقسام، ولن تتحول دماء أبنائها إلى وقود للكراهية. ستبقى جزءاً من وجدان الأردن، وسيبقى أبناؤها، مسلمين ومسيحيين، شركاء في الأرض والذاكرة والمصير.

لقد أطلق القتلة رصاصهم على مشيّعين داخل كنيسة، لكنهم وضعوا الدولة والمجتمع أمام امتحان أكبر: هل نستطيع أن نحول هذه المأساة إلى نقطة انطلاق لمراجعة أمنية وفكرية حقيقية، أم نكتفي بالغضب حتى تنطفئ ذاكرة الجريمة؟

إن الوفاء للضحايا لا يكون بالبكاء عليهم وحده، بل ببناء ضمانات تمنع تكرار المأساة، وبملاحقة الجناة وفق القانون، وبحماية كل مواطن من أن يصبح هدفاً بسبب دينه أو معتقده.

فالأردن الذي نريده هو الدولة التي لا يُسأل فيها المواطن عن دينه قبل أن تُحمى حياته، ولا تُقاس فيها مواطنته بمعتقده، ولا يستطيع فيها متطرف أن يحوّل اختلاف الناس إلى رخصة للقتل.

هذه هي المعركة الحقيقية بعد مجزرة حمود؛ معركة حماية الإنسان، وصون الدولة، والانتصار للمواطنة، حتى لا يكون آخر ما يسمعه ضحايا جريمة كهذه صوت الرصاص، ولا آخر ما يبقى في ذاكرة أهلهم سوى سؤال العدالة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :