facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




دماء الكرك .. ووجع وطن واحد


د. هيفاء ابوغزالة
24-10-2026 11:32 AM

منذ طفولتنا، كبرنا معاً على مقاعد الدراسة، وتشاركنا الألعاب والأحلام والنجاحات والإخفاقات، ونشأت بيننا صداقات وزمالات امتدت سنوات طويلة، دون أن يخطر ببال أحدنا أن يسأل صديقه عن دينه أو مرجعيته الدينية. كنا نعرف بعضنا بأسمائنا وأخلاقنا ومحبتنا، لا بعقائدنا. وعندما كبرنا، انتقلت تلك العلاقات إلى الجامعات ومواقع العمل والحياة العامة، وأصبحت جزءاً من نسيج اجتماعي أردني تشكّل عبر أجيال من الألفة والاحترام والانتماء المشترك.

هكذا عرفنا الأردن، وهكذا نريد لأطفالنا وأحفادنا أن يعرفوه؛ وطناً لا تُقاس فيه الصداقة بالمعتقد، ولا تُحدَّد فيه المواطنة بالدين، ولا يحتاج فيه المسلم والمسيحي إلى البحث عن أسباب تجمعهما، لأنهما ببساطة أبناء أرض واحدة، وتاريخ واحد، ومصير واحد.

ومن هنا، جاءت الجريمة النكراء التي شهدتها كنيسة حمود في محافظة الكرك لتصدم وجدان الأردنيين جميعاً. فقد امتدت يد الإجرام إلى أبرياء في مكان يفترض أن تسوده الطمأنينة والسكينة، لتترك وراءها أرواحاً فقدناها، وعائلات مكلومة، وجرحاً في قلب الوطن.

إن خطورة هذه الجريمة لا تتوقف عند بشاعتها وآثارها الإنسانية، بل تمتد إلى ما قد تخلّفه من تداعيات على السلم المجتمعي إذا سمحنا للشائعات والتفسيرات المتسرعة باستغلالها لإثارة الشكوك بين أبناء الوطن الواحد. ولذلك، فإن حماية وحدتنا الوطنية اليوم لا تقل أهمية عن تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الجريمة.

والكرك، بتاريخها العريق ومواقف أهلها الوطنية، ليست مجرد مدينة شهدت هذه المأساة، بل هي أحد الشواهد الحية على عمق العلاقات التي تجمع المسلمين والمسيحيين في الأردن. ففي أحيائها وبيوتها ومدارسها، كما في السلط ومادبا والفحيص وعمّان وسائر مدن المملكة وقراها، نشأت أجيال لا تعرف في علاقاتها الإنسانية تلك الحواجز التي يحاول البعض رسمها بين أبناء الوطن الواحد.

لقد عشنا في الأردن مسلمين ومسيحيين، لا بوصفنا جماعتين تتجاوران بحذر، بل أسرة وطنية واحدة. نفرح معاً، ونحزن معاً، ونتبادل التهاني في الأعياد، ونتشارك واجب العزاء، ونقف إلى جانب بعضنا في الشدائد. ولم يكن الدين يوماً معياراً للمحبة أو الصداقة أو الانتماء، بل كان الاحترام المتبادل جزءاً أصيلاً من تربيتنا وقيمنا الاجتماعية.

وهنا تكمن خصوصية التجربة الأردنية؛ فالوحدة الوطنية ليست شعاراً نرفعه عند الأزمات، ولا اتفاقاً مؤقتاً تفرضه الظروف، وإنما إرث إنساني وحضاري ساهم في بنائه الأردنيون جميعاً، وكان المسيحيون والمسلمون شركاء في تأسيس الدولة ومؤسساتها، وفي مسيرتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وقد جاء موقف جلالة الملك عبدالله الثاني عقب الجريمة ليؤكد هذه الحقيقة الوطنية الراسخة، ويعكس حرص القيادة الهاشمية على أمن الأردنيين ووحدتهم. كما حملت زيارة جلالته إلى الكرك واطمئنانه على المصابين رسالة إنسانية ووطنية تؤكد أن مصاب أي أردني هو مصاب الوطن بأكمله، وأن تماسك المجتمع وحماية أمنه واستقراره مسؤولية لا تقبل التهاون.

إن هذه المواقف ليست جديدة على القيادة الهاشمية، التي جعلت من الاعتدال واحترام التعددية الدينية وصون كرامة الإنسان ركائز أساسية في نهج الدولة الأردنية، وقدمت من خلال مبادراتها ومواقفها نموذجاً في الوئام الإسلامي المسيحي واحترام المقدسات.

لقد استطاع الأردن، بقيادته الهاشمية وبوعي شعبه، أن يحافظ على تماسكه وسط منطقة شهدت انقسامات وصراعات مؤلمة. ولم يكن ذلك وليد المصادفة، بل نتيجة تاريخ طويل من الاعتدال واحترام التنوع وترسيخ قيم المواطنة. والمسيحيون الأردنيون لم يكونوا يوماً على هامش هذا التاريخ، بل شركاء أصيلين في صنعه، كما كانوا وما زالوا حاضرين في مؤسسات الدولة وحياتها السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية.

واليوم، ونحن نواجه آثار هذه الجريمة، فإن مسؤوليتنا لا تقتصر على إدانتها والمطالبة بمحاسبة مرتكبيها، بل تشمل أيضاً حماية الأجيال القادمة من كل فكر يحاول تقسيم المجتمع أو التشكيك في انتماء أي من أبنائه.

علينا أن نحافظ لأطفالنا على تلك البيئة التي نشأنا فيها، حين كانت الصداقة تسبق السؤال عن المعتقد، وكانت المدرسة تجمعنا قبل أن نعرف معنى الاختلاف، وحين كان الفرح والحزن مناسبتين تجمعان الجيران والأصدقاء دون تمييز.

فالوحدة الوطنية لا تُصان بالخطب والشعارات وحدها، بل بالتربية والممارسة اليومية، وبالعدالة والمساواة واحترام كرامة الإنسان، وبإدراكنا أن التنوع الديني والثقافي في الأردن مصدر غنى وقوة، وليس سبباً للفرقة.

وإلى أهلنا في الكرك، وإلى أسر الضحايا والمصابين، نتقدم بأصدق مشاعر العزاء والمواساة، مؤكدين أن مصابهم هو مصابنا جميعاً، وأن الحزن الذي خيّم على بيوتهم قد وصل إلى قلوب الأردنيين في كل مكان.

وأخيراً، ربما استطاعت رصاصات الغدر أن تسرق منا أرواحاً عزيزة، لكنها لن تستطيع أن تسرق من أطفالنا حقهم في أن يكبروا معاً كما كبرنا، وأن يتشاركوا مقاعد الدراسة والأحلام والصداقات دون أن يسأل أحدهم الآخر عن دينه.

فالأردن الذي جمع آباءنا وأجدادنا، والذي نريده لأبنائنا وأحفادنا، أكبر من كل محاولات الفرقة، وأقوى من كل أشكال العنف والكراهية. وستبقى أجراس الكنائس وأصوات المآذن جزءاً من ذاكرة وطن واحد، وستبقى الكرك، رغم جراحها، شاهدة على أن ما يجمع الأردنيين أعمق من أن تمزقه رصاصة، وأرسخ من أن تهزّه جريمة.

لن نسمح لأحد بأن يطلق الرصاص على وحدتنا الوطنية، أو أن يزرع الفرقة بين أبناء الوطن الواحد. فالأردن الذي جمعنا على المحبة والأخوّة سيبقى وطناً واحداً، بشعب واحد، ومصير واحد. وستبقى وحدتنا الوطنية أغلى ما نحميه، وأثمن ما نورثه لأبنائنا وأحفادنا .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :