القاهرة .. بين ضغوط الداخل وقلق المحيط
عبدالنبي الشعلة
24-10-2026 11:58 AM
جئت إلى القاهرة لحضور حفل تدشين الطبعة الثالثة من كتابي "غاندي.. وقضايا العرب والمسلمين"، في مناسبة تتزامن مع الذكرى السابعة والخمسين بعد المئة لميلاد المهاتما غاندي، و"اليوم العالمي للاعنف". غير أن الزيارة لم تقتصر على الاحتفاء بكتاب أو استعادة سيرة رجل جعل من مقاومة الظلم رسالةً وممارسة؛ فقد أتاحت لي هذه الزيارة لقاء عدد من كبار الكتّاب والسياسيين والمفكرين والدبلوماسيين والإعلاميين، إلى جانب الاحتكاك بالمواطنين في مواقع مختلفة، أن أستمع إلى جانب من نبض القاهرة وأن أتأمل في انشغالات مصر وهي تواجه ضغوط الداخل وقلق المحيط.
في هذه الزيارة بدا لي الشارع المصري أقل تذمرًا مما رأيته في زيارتي السابقة. وقد لخّص أحد المتهكمين هذا الانطباع بقوله إن الناس ربما تأقلموا مع الأوضاع. لكن انخفاض مظاهر الشكوى لا يعني زوال أسبابها، ولا أن التحديات الاقتصادية أصبحت يسيرة. فالأسرة المصرية ما زالت تشعر بأثر الغلاء في قدرتها الشرائية ومدخراتها، فيما تواجه الموازنة أعباء الدين وخدمته، ويحتاج القطاع الخاص، ولا سيما في المجالات غير النفطية، إلى سيولة أكبر وثقة أرسخ وبيئة مشجعة للاستثمار والإنتاج.
وقد تحسنت بعض المؤشرات، وتراجعت معدلات التضخم عن مستوياتها المرتفعة في السنوات الماضية، لكن أثر ذلك لا يظهر سريعًا في حياة الناس، ولا سيما حين تكون الأسعار قد ارتفعت إلى مستويات أثقلت ميزانيات الأسر. كما أن استدامة التعافي تقتضي توسيع قاعدة الإنتاج والتصدير، وتعزيز قطاعات مثل الصناعة والزراعة، حتى لا يظل توفير العملة الأجنبية رهين مصادر تتأثر بالظروف الطارئة أو الصفقات المؤقتة. وهنا تبرز أهمية قناة السويس والسياحة وتحويلات المصريين في الخارج، كما تبرز كلفة اضطراب المنطقة على هذه الموارد وعلى تكاليف الطاقة والنقل والتجارة.
ولعل ما يضاعف صعوبة الحسابات المصرية أن البلاد محاطة بأزمات من أكثر من اتجاه. ففي الجنوب، تتابع القاهرة بقلق استمرار الصراع في السودان، وتدعم الجهود الرامية إلى وقف القتال وجمع الأطراف حول تسوية سياسية تحفظ وحدة البلاد. فاستمرار الحرب لا يفاقم معاناة السودانيين وحدهم، بل يضاعف الأعباء الإنسانية والاقتصادية على مصر، التي تستضيف أعدادًا كبيرة من اللاجئين والوافدين الفارين من النزاعات.
ومن الجنوب أيضًا يتصل القلق بملف مياه النيل وسد النهضة الإثيوبي. فالمياه بالنسبة إلى مصر ليست قضية سياسية عابرة، بل مسألة تمس أمنها المائي والغذائي ومستقبل التنمية فيها. لذلك ترى القاهرة أن معالجة الخلاف ينبغي أن تقوم على التفاهم والاتفاق العادل، بما يحفظ حقوق دول النهر ويمنع أن يتحول ملف بالغ الحساسية إلى مصدر دائم للتوتر.
أما في الجهة الشرقية، فتثقل الحرب في غزة وما يتصل بها من سياسات الحكومة الإسرائيلية التوسعية المتطرفة على الحسابات المصرية. فتعثر الوصول إلى حل سياسي، واستمرار الاعتداءات والتوسع، يهددان فرص الاستقرار ويضعان المنطقة أمام احتمالات مفتوحة. ومصر، بحكم الجغرافيا والتاريخ، معنية مباشرة بما يجري، وتسعى إلى دعم التهدئة وإدخال المساعدات وفتح الطريق أمام تسوية تضمن الحقوق الفلسطينية والأمن للجميع.
لكن الهم الذي وجدته حاضرًا بقوة في كثير من أحاديث القاهرة هو ما يجري في الخليج العربي والبحر الأحمر. فالمصريون الذين التقيتهم يتابعون بقلق الاعتداءات والتهديدات التي تطال دول الخليج، ويدركون أن أمن الجزيرة العربية ليس شأنًا بعيدًا عن مصر. ويتصل بذلك القلق من هجمات الحوثيين وتهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب؛ فأي اضطراب في هذا الممر ينعكس على حركة السفن وقناة السويس، ويضيف ضغوطًا إلى اقتصاد مصر.
وقد لمست لدى عدد من المصريين ارتياحًا لموقف بلادهم المعلن بالوقوف إلى جانب المملكة العربية السعودية والدفاع عن أمنها إذا اقتضت الحاجة. وفي الوقت نفسه، وجدت أن الدعوة إلى تجنب اتساع الحرب والتمسك بالتفاوض حاضرة لدى كثيرين، سواء من المثقفين أو المواطنين الذين التقيتهم. وهذا التوازن مفهوم: تضامن مع الأشقاء، وحرص على الأمن العربي، وإدراك لكلفة الانخراط في مواجهة إقليمية مفتوحة. وقد طلبت الرئاسة المصرية تفويضًا برلمانيًا محتملًا لمساندة السعودية عسكريًا بإرسال قوات مصرية للمساهمة في الدفاع عنها، ولا يزال الأمر ، عند كتابة هذه الأسطر، قيد النقاش؛ وهو ما يعكس حساسية القرار وما يستلزمه من تقدير دقيق لمقتضيات الدفاع ومخاطر التصعيد.
ومن خلال هذه اللقاءات والمشاهدات، بدا لي أن المصريين لا ينظرون إلى أزمات المنطقة منفصلةً عن همومهم اليومية؛ فارتفاع كلفة المعيشة، وأمن مصادر المياه، وحركة الملاحة، واستقرار الحدود، كلها خيوط في مشهد واحد. وفي مثل هذا الظرف، تبرز أهمية الدبلوماسية المصرية وقدرتها على التواصل مع الأطراف المختلفة، والعمل على خفض التصعيد ودعم الحلول السياسية، مع حماية المصالح الوطنية والتضامن مع الدول العربية الشقيقة.
هنا تلتقي أجواء القاهرة برسالة غاندي التي حملني الكتاب إلى الاحتفاء بها. فاللاعنف عنده لم يكن استسلامًا للظلم أو تخليًا عن الحقوق، بل مقاومة تسعى إلى تغيير الواقع من دون جعل العنف طريقًا وحيدًا للقوة. وفي منطقتنا، لا يكفي أن نرفع شعار السلام؛ بل ينبغي أن نترجمه إلى احترام سيادة الدول، ووقف الاعتداءات، وصون الملاحة، وحماية المدنيين، والعودة إلى الحوار مهما بدا بطيئًا أو شاقًا.
في القاهرة، حيث يلتقي التاريخ بأسئلة الحاضر، ازددت قناعة بأن السلام ليس ترفًا ولا مناسبة احتفالية، بل مصلحة مشتركة ومسؤولية سياسية وأخلاقية. ومن حول مصر تتراكم التحديات، فيما تتطلع شعوب المنطقة إلى أمانٍ يحمي حياتها واقتصادها ومستقبلها. ولعل أصدق ما يمكن أن نتعلمه من غاندي هو أن منع الحرب، وصون كرامة الناس، والبحث عن تسوية عادلة، ليست علامات ضعف؛ إنها شجاعة تحتاج إليها منطقتنا أكثر من أي وقت مضى.