facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حمود .. هل كان كابوساً؟


أ.د سلطان المعاني
25-10-2026 10:49 AM

تمنيتُ أن يكون كابوساً، أن أرفع عينيّ عن الخبر فأجد الناسَ قد عادوا إلى بيوتهم، وأن يكون ذلك الرعبُ خطأً في الصورة أو التباساً في الرواية. استعصى على قلبي أن يستوعب ما جرى في كنيسة حمود بالكرك، حيث اجتمع أناسٌ لتشييع عزيزٍ يوم الجمعة، فامتد إليهم الرصاصُ، وسقط بينهم شهداءُ وجرحى. ذهبوا يحملون وجعَ الفقد، فأُضيف إلى وجعهم فقدٌ آخر، وامتد الحزنُ من الكنيسة إلى بيوتٍ أردنيةٍ كثيرة.

عشتُ في الكرك عشر سنواتٍ، أستاذاً في جامعة مؤتة، وسكنتُ مع عائلتي في المزار. دخلتُ بيوتَ أهلها مسلمين ومسيحيين، وعرفتُ أصولَ الجوار عندهم، وكرمَ الضيافة، وصدقَ المودة التي تنمو مع الأيام، حتى يصبح للمكان نصيبٌ من العمر يتعذر اقتلاعه. لم أجد فرقاً في حرارة الاستقبال، ولا في الحرص على الضيف، ولا في تلك الشهامة التي تظهر ساعةَ الحاجة، عندما يصبح الوقوفُ إلى جانب الإنسان أمراً يسبق السؤالَ عن اسمه ودينه وعشيرته.

أستعيدُ تلك السنواتِ أمام هذا الوجع، فتعود الوجوهُ التي أحببتُ، والبيوتُ التي ألفتُ، والأحاديثُ التي امتدت بين زملاءَ وأصدقاءَ وجيران. أعرفُ مقدارَ ما تختزنه الحياةُ اليومية من روابطَ تعجز الكلماتُ الكبيرة عن الإحاطة بها؛ زيارةٌ في مرض، مشاركةٌ في عزاء، سؤالٌ عن غائب، فرحٌ بنجاح ابن الجار. تتكون الألفةُ من هذه التفاصيل، ويكبر معها الاطمئنانُ إلى أن للإنسان مكاناً بين أهله، وأن ظهرَه محميٌّ بمودة الناس ونخوتهم. لذلك أصابني الخبرُ في شيءٍ أعرفه وأعتز به، في أمانٍ عشتُه وأردتُه أن يبقى لأبنائنا جميعاً.

يضاعفُ وقوعُ الجريمة في جنازةٍ قسوةَ معناها. يجتمع الناسُ حول أهل الميت كي يعينوهم على احتمال الفراق، ويمنح حضورُهم الحزينُ شيئاً من السند لمن أثقلهم المصاب. يحتاج الإنسانُ في تلك الساعة إلى يدٍ تمسك بيده، وإلى وجهٍ مألوفٍ يخفف عنه وحشةَ الغياب. أن يقتحم الرصاصُ هذا الاجتماعَ الإنسانيَّ معناه أن يُحرم المفجوعُ حتى من حقه في الحزن الآمن، وأن يصبح مَن جاء مواسياً محتاجاً إلى مَن يواسي أهله. يقف الكلامُ أمام هذه القسوة متعثراً، وتبدو عباراتُ الرثاء أصغرَ من أن تحملها.

يؤلمني أن يجد الأردنيُّ المسيحيُّ نفسَه، بعد هذا كله، أمام كلامٍ يعيد شرحَ مكانه في وطنه. يحمل هذا الوطنَ في اسمه وعمله وذاكرة أسرته، في بيتٍ بناه، وأرضٍ أحبها، ومدرسةٍ تعلم فيها، وعلاقاتٍ صاغت عمرَه. يستحق أن يذهب إلى كنيسته مطمئناً، وأن يعود منها إلى أهله، وأن يمارس إيمانَه في سكينةٍ يصونها القانونُ ويحترمها المجتمع. يجرحنا الخوفُ الذي يداهمه، لأن أمنَ الأردنيين يتصل بعضُه ببعض، ولأن الشعورَ بأن أحدنا قد يُستهدف في عبادته يترك في حياة الجميع قلقاً ثقيلاً.

تفرضُ فداحةُ الجريمة وضوحاً أخلاقياً يليق بالضحايا. يجب أن تبقى مسؤوليةُ القتل على مَن ارتكبوه وشاركوا فيه، وأن تُترك معرفةُ هوياتهم وصلاتهم ودوافعهم للتحقيق الذي يقوم على الأدلة. يستحق أهلُ الشهداء حقيقةً كاملةً وعدالةً حازمة، ويستحق المجتمعُ معرفةَ ما جرى بعيداً عن الشائعة والتخمين. يزيد تداولُ الاتهاماتِ المرتجلة من اضطراب الناس، وقد يدفع بأبرياءَ إلى دائرة الأذى، في وقتٍ نحتاج فيه إلى جمع القوة من أجل ملاحقة الجناة وصون حياة المواطنين.

تستدعي هذه اللحظةُ أيضاً مراجعةَ ما نسمح له بالمرور في كلامنا اليومي. تتطلب حرمةُ الإنسان دفاعاً واضحاً عنها في البيت والمدرسة والجامعة والمنبر ووسائل الإعلام. يجب أن يسمع الطفلُ كلاماً يحترم دينَ زميله، وأن يجد الشابُّ في معلميه وأساتذته شجاعةً في رد الإهانة والتحريض، وأن يدرك كلُّ مَن يملك منبراً مقدارَ مسؤوليته عن الكلمات التي يطلقها. تتجسد قيمةُ التربية في الموقف الذي تصنعه، وفي قدرة الإنسان على صون كرامة غيره عندما يختلف معه.

تبدأ مواساةُ أهل المصاب من الإصغاء إليهم، واحترامِ ما يطلبونه وما يحتاجون إليه. يحتاج الجريحُ إلى رعايةٍ تستمر بعد مغادرة المستشفى، وقد يحتاج الناجي إلى وقتٍ طويلٍ يستعيد فيه طمأنينته. تبقى للأسرة المفجوعة أيامٌ ثقيلةٌ بعد انفضاض مجالس العزاء، عندما يقلُّ الزوارُ ويظهر الغيابُ في تفاصيل البيت. تستحق تلك الأيامُ حضوراً صادقاً، ومساندةً تحفظ كرامةَ أصحابها، واهتماماً يتابع أحوالَهم دون أن يحوّل ألمَهم إلى مناسبةٍ للظهور.

أخشى أن تنقضي الصدمةُ في المجال العام أسرعَ مما تنقضي آثارُها في نفوس أصحابها. ينشغل الناسُ بخبرٍ آخر، وتبقى أسرةٌ تتعلم كيف تعيش مع مقعدٍ خالٍ، ويبقى مصابٌ يواجه تبعاتِ جرحه، ويستعيد ناجٍ لحظةَ الرعب كلما سمع صوتاً مفاجئاً. تقاس أمانةُ التضامن بقدرته على الاستمرار، وبما يتركه من عنايةٍ فعليةٍ في حياة هؤلاء. يحمل الوفاءُ للضحايا واجبَ حفظ أسمائهم وحقهم، ومتابعةَ العدالة التي ينتظرها أهلُهم.

أتمسكُ بالكرك التي عرفتُها، بأهلها الذين أحسنوا جواري، وبأصدقائي الذين بقيت مودتُهم بعد أن غادرتُ المكان. تمنحني تلك العشرةُ أسباباً راسخةً للثقة بقدرة الناس على حماية ما جمعهم، وعلى الوقوف مع أهل حمود في محنتهم. يوجعني ما أصابهم كما يوجعني مصابُ الأهل، وأرجو أن يجدوا حولهم من الصدق والسند ما يعينهم على حمل هذا الحزن.

تمنيتُ أن يكون كابوساً، وأعرفُ أن أمنيةً كهذه تعجز عن رد الغائبين. يبقى أمامنا أن نصون الأحياءَ، وأن نمنح المفجوعين حقَّهم في العناية والعدالة، وأن نعمل كي يستعيد الناسُ أمانَهم. أريدُ لأبناء الكرك أن يقصدوا كنائسَهم ومساجدَهم بالطمأنينة التي عرفتُها في بيوتهم، وأن يعودوا إلى أسرهم سالمين، يحملون أخبارَ يومٍ عاديٍّ، ويتركون وراءهم أبواباً مفتوحةً للصلاة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :