أربعون عامًا من تعديل التوجيهي .. هل نصلح التعليم أم نعيد إنتاج أزماته؟
أ. د. هاني الضمور
01-11-2026 10:08 AM
على امتداد أربعة عقود، شهد نظام الثانوية العامة الأردني سلسلة متواصلة من التعديلات؛ تغيرت الدورات الامتحانية، وتبدلت الفروع والمسارات والمباحث والعلامات، وصولًا إلى نظام الحقول والتوجيهي على سنتين، ثم إعادة النظر في بعض مكوناته بعد فترة وجيزة من تطبيقه. ومع كل تعديل تتجدد الوعود بالتطوير وتحسين المخرجات، لكن السؤال الاستراتيجي الذي يستحق التوقف عنده هو: هل تعكس هذه التعديلات رؤية تربوية وطنية متكاملة، أم أننا ندير مشكلات التعليم بتغيير أنظمة الامتحانات بدلًا من معالجة أسبابها الحقيقية؟
إن القضية تتجاوز تفاصيل التوجيهي إلى فلسفة التعليم ذاتها. فقد أكدت فلسفة التربية الأردنية، كما وردت في قانون التربية والتعليم لعام 1994، بناء الإنسان المتكامل، وتعزيز هويته الوطنية، وتنمية التفكير الناقد والإبداع والمسؤولية الاجتماعية، وإعداده للمشاركة في التنمية الشاملة. ثم برز اهتمام متزايد باقتصاد المعرفة وتنمية الموارد البشرية وربط التعليم بمتطلبات سوق العمل.
ولا تكمن المشكلة في هذا التوجه، فالمواءمة بين التعليم والاقتصاد ضرورة وطنية، وإنما في احتمال تحول احتياجات السوق من أحد أهداف التعليم إلى المعيار المهيمن على فلسفته. فهل نريد إعداد الطالب للوظائف المتاحة اليوم، أم بناء إنسان قادر على تطوير الاقتصاد وابتكار وظائف المستقبل؟ إن المدرسة ليست مؤسسة لإنتاج القوى العاملة فحسب، بل مؤسسة وطنية لبناء الإنسان والمواطن، وترسيخ الهوية والقيم، وتنمية القدرة على التفكير والإبداع والمشاركة في صناعة المستقبل.
ومن منظور الإدارة الاستراتيجية، فإن تكرار التعديلات يثير تساؤلات مشروعة حول جودة التخطيط، وتحليل البدائل والمخاطر، واستقرار السياسات، والتقييم العلمي للنتائج. فهل خضعت الأنظمة المتعاقبة لدراسات أثر مستقلة؟ وهل نعرف أي التعديلات حسّن جودة التعلم والجاهزية الجامعية؟ وهل استفدنا من التجارب السابقة قبل الانتقال إلى تجارب جديدة؟
إن الإدارة الرشيدة لا تُقاس بعدد القرارات الصادرة، بل بقدرتها على تشخيص المشكلات، وتبرير البدائل بالأدلة، وضمان جاهزية التنفيذ، ومساءلة المؤسسات عن النتائج. والإصلاح الذي لا يخضع للتقييم قد يتحول إلى سلسلة تجارب متعاقبة يتحمل الطلبة والأسر كلفة التكيف معها.
وتبرز إشكالية أخرى في العلاقة بين حقول الثانوية العامة والقبول الجامعي. فالحقول لا ينبغي أن تُصمم وفق اعتبارات تنظيمية مدرسية فقط، وإنما استنادًا إلى الكفايات الفعلية المطلوبة للنجاح في التخصصات الجامعية، وبمشاركة مؤسسية من الجامعات ووزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي والبحث العلمي.
كما ينبغي ألا يتحول اختيار الحقل في سن مبكرة إلى قرار مغلق يحدد مستقبل الطالب، بل يجب توفير مسارات مرنة وجسور أكاديمية تسمح بتغيير التخصص واستكمال المتطلبات المعرفية. أما نظام التوجيهي على سنتين، فقد يحمل فرصًا لتعزيز التخصص وتوزيع العبء الامتحاني، لكنه لا يمثل إصلاحًا جوهريًا بمجرد تغيير توقيت الامتحانات. فإذا بقي التدريس موجهًا نحو تحصيل العلامة، فقد نكون أمام توزيع للضغط على سنتين بدلًا من سنة واحدة.
ومن هنا، فإن الأولوية الاستراتيجية تتمثل في الانتقال من إدارة التعديلات إلى إدارة النتائج، من خلال إطار وطني للكفايات، وتطوير القياس والتقويم، وتأهيل المعلمين، وربط بيانات المدرسة بالجامعة، واعتماد تقييم مستقل للسياسات التعليمية، بمؤشرات تقيس جودة التعلم والعدالة والجاهزية الجامعية والمهنية.
كما يتطلب الإصلاح حوكمة واضحة تحدد مسؤولية كل مؤسسة، وتضمن التنسيق بين مراحل التعليم، وتحمي الطلبة من التغييرات المفاجئة، وتربط القرارات بموارد تنفيذية كافية وجداول زمنية معلنة. إن استقرار السياسات لا يعني تجميد التطوير، بل إخضاعه للأدلة العلمية والمساءلة المؤسسية.
بعد أربعين عامًا من التعديلات، لم يعد السؤال الأهم كم حقلًا نعتمد، أو كيف نوزع العلامات، بل ماذا تعلم الطالب فعلًا؟ وكيف يفكر؟ وهل أصبح أكثر قدرة على النجاح الجامعي والإنتاج والمشاركة في تنمية وطنه؟ إن الأردن لا يحتاج إلى توجيهي جديد كل بضع سنوات بقدر ما يحتاج إلى فلسفة تعليمية واضحة، وحوكمة رشيدة، وسياسات مستقرة، ومؤسسات تُحاسب على النتائج. فالمستقبل لا تصنعه كثرة التعديلات، وإنما جودة الإنسان الذي تخرّجه مدارسنا.