facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





عن البداوة و العشائرية


هشام غانم
21-09-2007 03:00 AM

خُطَب في صيغة مقالات
يكتب أحدُ الصحافيين، ساكناً و مطمئناً، مقالاً في مديح العشائرية، و المقال المذكور نُشِرَ في جريدة يومية ... و قد جاء المقال مجيء خطبة تَصْلح للإلقاء في سوق عكاظ. و فحوى المقال (الخطبة) يدور حول تمجيد العشائرية، و التبشير بها، و الانقطاع لها، و رفعها إلى مصاف القيم التي يتوجّب على المرء الاعتزاز بها. و لم يَفتْ صاحبنا الاستشهاد بآية قرآنية ورَدََ فيها عبارة «عشيرته الأقربين». و نسيَ الصحافي المأذون أنّ هناك عشرات الآيات القرآنية التي تخاطب الإنسان بإطلاق، و تتوجه إلى البشر كافّة: «يا بني آدم.. »، «يا أيها الإنسان.. ». و على ذات العرى، حاكَ أحدُ «الدكاترة» خطبة أخرى تغزّل فيها بالقيم العشائرية، دون أنْ ينسى التنديد بأجيال «الشيبس و الآيس كريم». و على جاري عادة الكتبة الذين لا يوجد لديهم ما يقولونه، كان لا بدّ من إقحام مصطلحات ملحمية ظافرية في الخطبتيْن، من مثل: «الرجولة و البطولة و النخوة». و الحقّ أنّ القيم هذه جميلة و رائعة، غير أنّها تَصْلح لزمن الزير سالم و عنترة بن شدّاد أكثر مما تَصْلح لعصرنا الحاضر؛ فهذا الأخير يلزمه قِيَمٌ أرقى من «الرجولة» و «النخوة»؛ هذا العصر ربّما يحتاج إلى قيم من مثل التسامح و الحريّة و الفرديّة و حقوق الإنسان، أكثر بكثير مما يحتاج إلى قيم الحرب و الفروسية الغابرة.
و قيم الفروسية هذه، التي يتصّف بها أهل البادية، يردّها ابن خلدون إلى «الطبْع الذي يغلب التطبّع» أو ما يُطْلَق عليه اسم «العادة»؛ ذاك أنّ «الإنسان ابن عوائده و مألوفه، لا ابن طبيعته و مزاجه؛ فإذا اعتاد الإنسان شظف العيش، سواء في المدينة أو البادية، كان إلى الشجاعة و الكرم أقرب. و لئن اعتاد رغد العيش، كان أقرب إلى الجبن و البخل»، و دائماً بحسب ابن خلدون.

مرحلة تاريخية
و هذا الأخير يخبرنا أنّ حركة التاريخ هي حركة انتقال مستمرة من البداوة إلى الحضارة، و الانتقال هذا يتم من طريق «الدولة»، و هذه – في أشهر تعريفاتها - هي «الكيان الشرعي الذي يسيطر على قطعة محددة من الأرض، و يحتكر استعمال القوة»، و من نافل القول أنّ العقلية العشائرية لا تقيم كبيرَ وزن لمفهوم الدولة، و تكفي التفاتة سريعة للأدغال المحيطة بنا حتى ندرك أيّ بؤس و أيّ خراب نجمَ عن الأنظمة العشائرية. فإذا عرفنا أنّ الطابع المميز للبدو هو التنقل و الترحال، و إذا اتفقنا أنّ رابطتيّ الدم و النسب هما اللتان تشدان أفراد القبيلة بعضهم إلى بعض، فهمنا كيف كان عسيراً على العقل الرعويّ الاعتراف بالدولة. و الأخيرة يسمّيها ابن خلدون بــ«الوازع» الذي يدفع عدوان الناس بعضهم عن بعض. و غني عن البيان أنّ «الوازع» هذا، أمتن في المدن منه في البادية.

و قصارى الكلام أنّ البداوة مرحلة تاريخية في سياق الاجتماع الإنساني أو «العمران البشري»، بحسب التعبير الخلدوني. هكذا يسعنا القول أنّ الاختلافات القائمة بين الشعوب و الأمم ليست راجعة للعرق أو الجنس؛ بل هي راجعة أولاً و أخيراً إلى شروط الحياة و ظروفها الموضوعية. فالبدو، و من سار مسارهم، و صار مصيرَهم، ليس المقصود منهم عِرْقاً أو جنساً معيناً.

اشتراط و ليس تضايفاً
و لا يقتصر الدور السلبي للعشائرية في إضعاف الدولة، بل ينسحب على الفرد المنتمي للعشيرة؛ فلا نكون مبالغين إذا زعمنا أنّ العلاقة بين الفرد و العشيرة، هي علاقة اشتراط و ليست علاقة تضايف، على ما يحاول البعضُ أنْ يوحي؛ فالعشيرة تقوم من الفرد مقام الشرط، و من دونها لا يغدو الفردُ إنساناً جديراً بالذود عنه؛ فهو يستمدّ «قوّته» من (اسم) قبيلته؛ فلا ينفك الفرد من الأخيرة، و هذه بدورها، ربما تختزله فيها، و تصهره في بوتقتها؛ فتمّحي شخصيته. و عليه، لا يستطيع الفردُ – مثلاً - انتقادَ القبيلة؛ لأنه ليس ذاتاً موصوفة، فهو أقرب إلى «حالة» أو «نمط». و إذا كان «انتقادُ» الفرد قبيلتَه يرقى مرقى «العصيان»؛ فإنّ التمردّ عليها، و «الخروج» على «قوانينها»؛ يوردُ صاحبَه (صاحب التمرّد) موردَ التهلكة؛ فإذا فعل، و «خرج» (ربما على معنى «خوارج»؟) عُدّ مارقاً، و استوجب التبرؤ منه، و التنديد به، و بفعلته: «فهو لا ينتمي إلينا» و «لا يمثّلنا»، فلئن ثاب و أناب و تاب و تاب الله عليه، عاد إلى قبيلته سالماً غانماً؛ لينضوي (مرةً أخرى) تحت جناح القبيلة، و يستلقى «هانئاً» و «سعيداً» في ظل القبيلة الظليل. و أمّا لماذا العلاقة بين الفرد و القبيلة ليست علاقة تضايف؛ فلأن الأخير هو اشتراط أحد الأمرين الآخرَ، و لا يوجد واحدُهما من غير وجود الآخر؛ و هذا ليس حال الفرد و القبيلة (على ما نخمّن و نرجّح، و ليس على ما نقرّرّ و نؤكد).

نظرية القطيع
و غاية القول أنّ مفهوميّ السياسة و القبيلة متناقضان و متنافران تنافرَ القطبين الشماليّ و الجنوبيّ، و لا يستقيمان في منطق، و لا يستويان في ميزان؛ فالسياسة هي إجراءات و طرق و سنن و أعراف تؤدي إلى اتخاذ قرارات لمصلحة الاجتماع البشري، و هي تنشأ –حصراً – في المدينة، فيما القبيلة هي عَوْدٌ على بدء «نظرية القطيع»؛ و أصحاب النظرية هذه، يرَوْنَ إلى المجتمع ككتلة صمّاء عمياء تتحرك بإشارة «كريمة» من الإصبع (الخنصر أو البنصر). و لا نكتشف البارود إذا قلنا أنّ النظرية هذه أمست نهجاً سائراً في «المنطقة»؛ و النهج هذا، نهضت عليه قبائل الحوثي في اليمن لواءً و شراعاً، فيما قامت منه عشائر العراق مقامَ الراية و المثال. و هذا إنجازٌ «رائع»، لا ريب و لا شكّ.

و على كلّ ذلك، أفلا يستحق هذا البلد الذي يحوي خمساً و عشرين جامعة «مفكرين» و «دكاترة» يبشرونه بالحرية و التسامح و الفردية و الديموقراطية، عوضاً عن تبشيره بــ«الرجولة» و «الشهامة» و «الشيح» و «القيصوم» و «الدحنون»؟

هشام غانم
hishamm126@hotmail.com




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :