كردستان العراق: حلم الدولة المستقلة يتراجع
22-01-2012 04:42 PM
عمون - عن النهار - أربيل - (كردستان العراق) - عمر عساف:
في ورشة تدريبية انعقدت في أربيل بإقليم كردستان العراق الأسبوع الماضي، لنحو 20 صحافيا، جلهم أكراد، سئلوا عن أمنية كل منهم. صحافية واحدة فقط تمنت الاستقلال الناجز للإقليم وإنشاء دولة كردية.
بعض الحاضرين، وبينهم اكراد، أشاحوا بعيونهم، في إشارة إلى عدم الرضا عن أمنيتها.
هذه الحادثة، على بساطتها، تؤشر لكون حلم الدولة الكردية المستقلة، الذي كان حاضرا بقوة سابقا، خضع بالتجربة لامتحان صعب، أفرز اقتناعا بان الحلم قد لا يتوافق مع الواقع الذي تفرضه الظروف الموضوعية أو الذاتية.
فالفروقات اللغوية والعرقية داخل الإقليم والخلافات السياسية لا توفر البيئة المناسبة لاقامة الدولة الكردية في شمال العراق، فكيف بالحلم الأكبر بإنشاء دولة للأكراد الموزعين على أربع دول (تركيا وإيران والعراق وسوريا).
الخريطة السياسية
تهيمن على الإقليم قوتان رئيسيتان، هما: الحزب الوطني الكردستاني الذي يتزعمه رئيس الإقليم مسعود بارزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني الذي يقوده رئيس الجمهورية العراقية جلال طالباني.
وإلى هذين الحزبين الرئيسين، هناك أحزاب صغيرة، منها أحزاب إسلامية، وبرزت أخيرا "حركة التغيير" التي يقودها المناضل التاريخي نوشيروان مصطفى الذي كان الى سنتين مضتا نائبا لطالباني.
لكن الأمور لا تسير على هذا النحو السهل، فالمسألة ليست محصورة بالإطار الحزبي، وإنما تتوسع إلى ما يتعداه.
فأكراد العراق ينقسمون، في معظمهم، قسمين كبيرين، تبعا لهذين الحزبين، اللذين لهما، وخصوصا الحزب الوطني الذي أسسه الزعيم التاريخي الملا مصطفى بارزاني في العشرينيات من القرن الماضي، إرث نضالي وتاريخي كبير، وفر لهما شرعية وحضورا واضحين في مجمل الحياة السياسية.
والاتحاد الوطني الذي أسسه طالباني بعد النكسة التي أصابت الحركة الكردية عقب اتفاق الجزائر بين إيران الشاه وعراق البعث عام 1975، والذي بموجبه توقف الدعم الإيراني للأكراد، جعل طالباني الذي كان أبرز قادة الحزب الوطني الكردستاني، ينسلخ عنه، ومعه بعض القادة، أبرزهم نوشيروان مصطفى وفؤاد معصوم.
ويتعرض كلا الحزبين لانتقادات واسعة من داخلهما ومن الشارع السياسي.
وتركز هذه الانتقادات على ضرورة أن يجري الحزبان مراجعات جذرية لأدائهما، وأن يجريا مقاربات مع المجتمع الكردي، وخصوصا الشباب، ويلتفتا جديا إلى المشاكل الحقيقية للأكراد. كما يواجهان اتهامات بالفساد الإداري والمالي وطغيان النزعات الفردية والشخصية والاهتمام بالمصالح الخاصة على حساب العامة.
غير أن السيطرة داخل هذا التحالف هي للتيار المحافظ المتمثل بالحزب الوطني بزعامة مسعود بارزاني وابن شقيقه نجيرفان، الذي كان رئيسا لحكومة الإقليم، على الموارد والسلطة.
ويتألف الاتحاد الوطني من عدد من الحركات اليسارية، وهو بعد تحالفه مع الحزب الوطني في انتخابات مجلس النواب العراقي وانتخابات الإقليم، يتقاسم معه السلطة والموارد.
وإذا تجاوزنا السرد الطويل لمجمل تاريخ الحركة الوطنية الكردية، يعتقد بعض الأكراد أن الاتحاد، الذي يعاني خلافات داخلية، أبرزها أن الحزب لم يبن بأدوات حزبية بقدر ما كان هدفه النضال، وهو الأمر الذي أنجز، بينما بقيت هياكل الحزب بالية وقديمة بلا تجديد.
وتمظهر الخلاف بخروج نوشيروان مصطفى منه. وثمة من يعتقد أن الحزب، في حال طي صفحة زعيمه التاريخي جلال طالباني، سيتبدد لمصلحة قوى سياسية ناشئة.
وتبرز هنا "حركة التغيير" التي أسسها نوشيروان مصطفى، على رغم عدم وجود نفوذ كبير له داخل السلطة والتحالفات المهيمنة، إلا أنها تتمدد وتنتشر في أوساط الطبقة الوسطى والطبقة الكادحة وقطاعات الشباب.
النزعة الانفصالية
هذه النزعة التي كان لها زخم في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، بدأت منذ انفصال الإقليم بعد حرب عام 1991 عن الدولة المركزية، وبدء تشكل الكيانات السياسية في الإقليم، وكذلك بعد حل نظام البعث السابق عام 2003، بالتضاؤل والتراجع لمصلحة الحكم الفيديرالي داخل الدولة الاتحادية العراقية.
ولعل أبرز أسباب تراجع نزعة الانفصال أن انخراط الكتل المهيمنة، وخصوصا جماعة طالباني التي كانت الأكثر تحمسا للانفصال، لم يعد لها مصلحة بالانفصال.
وهذه الكتل المهيمنة، بعدما انخرطت في إدارة المجتمع، اكتشفت أن ليس من مصلحتها الانفصال لأن العراق هو مجالها الحيوي، فضلا عن ضرورة الانفتاح على المنطقة العربية (دول الخليج وبلاد الشام) وما يرتبط بذلك من مصالح اقتصادية متعاظمة.
اضف رفض الدول المحيطة، الأقوى، وهي تركيا وإيران وسوريا، فكرة نشوء دولة كردية يمكنها أن تنقل العدوى إلى الأكراد المقيمين داخل هذه الدول، إلى المخاوف من الأطماع الإيرانية في الهيمنة على العراق وعلى إقليم كردستان.
وعلى رغم وجود نزعة الانفصال، وإن بصورة هامشية، لدى بعض الجماعات، وخصوصا تلك التي تدعي أن الأكراد شعب آري، وأنه يجب قراءة الحالة الكردية باعتبارها حالة آرية أقرب إلى إيران، إلا أن النزعة الدينية القوية في الإقليم، إلى الروابط التاريخية والثقافية، تجعل التوجه ناحية العالم العربي.
فصلاح الدين الأيوبي، الزعيم الكردي المسلم، محرر القدس وموحد مصر والشام، هو مصدر فخر لمعظم الأكراد، وهو الشخصية البطولية الاولى يتعرف عليها أطفالهم.
كما أن ما يضعف الانفصال وجود أقوام أخرى داخل محافظات الإقليم الثلاث، وهي السليمانية وأربيل ودهوك، من العرب والتركمان والسريان، الامر الذي يجعل تشكيل دولة قومية للأكراد اصعب، بينما لا ينتهي وجود الأكراد داخل الإقليم فقط، بل هم موجودون كذلك في بغداد والموصل وكركوك وديالى.
وتأتي الفروقات اللغوية لتفرض هي ايضا واقعها على الحالة الكردية، إذ تتنازع الأكراد أربع لغات رئيسية، هي: السورانية والبهدينية (الكرمانجية) والزازائية والخانقينية (الكرمنشاهية).
هذه الاختلافات، حتى في الكتابة الأبجدية (الحروف العربية والحروف اللاتينية التركية) تضع عراقيل كثيرة أمام تواصل الأكراد في ما بينهم، وتدعم وجهة النظر المؤيدة للوضع الراهن المتمثل بالفيديرالية الاتحادية.