facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





حروب الذاكرة


د. حياة الحويك عطية
02-10-2012 03:46 AM

هو الإنسان ، كل منا يختزن في ذاته الفردية تاريخ الذات العامة التي ينتمي إليها، هذا ما يقوله العلم . ولذا فان قطع جذور ذاكرته التاريخية يجعل منه مخلوقا تائها، حتى لو لم يدرك، وبذا يسهل تغيير طبيعة المجتمع، خاصة على مستوى الثقافة ومنظومة القيم .
أما في الاقتصاد فان بلدوزر العولمة يقتضي جرف كل ما هو خصوصية للشعوب، كل ما هو عائق، كل ما هو ذاكرة، لتسهيل اجتياح سادة العالم الجدد، الشركات المتعددة الجنسيات، وفروعها الإقليمية والمحلية تحت ستار إعادة الإعمار، خاصة أن هؤلاء السادة يعيشون رغم كل سيادتهم عقدة الذاكرة والجذور، شأن كل حديثي النعمة. يضاف إلى ذلك، حاجة المشروع الصهيوني إلى اقتلاع الذاكرة ، محوها ، عن الأرض ومن رؤوس الأجيال ، ليسهل أيضا إحلال ذاكرة واحدة هي الذاكرة اليهودية – حقيقية أو ملفقة – مكانها. في الحرب اللبنانية دارت أشرس المعارك في الأسواق التجارية اللبنانية ، قلب بيروت ، وقام الطرفان بتدميرها تماما، وعندما توقفت الحرب، كان المشتري جاهزا وبـ " تراب المصاري " لتراب الأرض . بل وبقسر السلطة الجديدة ، وكل من رفض البيع واجه كل أنواع الاضطهاد والضغط ، اقلها حجب رخصة الترميم . حتى إذا استقر الملك تحول القلب النابض إلى جلد دب ممدد . القلب الذي كان يضم كل عوائل بيروت وتجارها ، واغلب تجار لبنان واحيانا سورية ، كل له أمتاره ومتجره ونداؤه المتميز في سوقه الذي يتميز عن السوق الآخر المتداخل أو الموازي ، بالشكل الذي يخلق الحياة الشعبية واللحمة الاجتماعية، - تحولت الأسواق إلى سوق عولمي مفتعل بارد ، جثة لا روح فيها ولا لبنان فيها ولا عوائل فيها ولا لحمة فيها . تحول إلى شيء ليس بيروت وليس أية عاصمة محددة ، إنما إلى سوق هو هو في كل عاصمة وفي كل مكان ، ولا يجمع العاملين فيه شيء إلا غربة إنسانية قاتلة وآلة حاسبة لا تحفظ اسم الإنسان ولا كنيته إنما فقط رقم المبيع ورقم الرواتب . دفنت بيروت تحت سوليدير ... والأنكى ان آثار بيروت الألفية ، ما كان مكتشفا منها وما كشفته الحفريات ، دفن أيضا إلى غير رجعة ، ارتفع الهجين المقرف وارتفع معه سلم قيم مقرف يحكم الحركة والحياة في هذه المنطقة ، ويجعل من تبقى من اللبنانيين الذين عرفوا بيروت يحجمون عن المرور بها.
في بغداد كانت حرب الذاكرة هي الأشرس ، لان الذاكرة هناك هي الأشرس، ولا تتسع مجلدات لما أصابها من دمار. امتد الاقتلاع من اور التي لم ينفعها إدراجها على قائمة التراث الإنساني ( وما يهم ذلك دولا ليس لديها ما يدرج في التراث الإنساني ؟) إلى كل حجر وطين ومخطوطة والى كل مبنى يحمل طبقات من الحياة الشعبية التي تعني قصة الانسانية منذ صرختها الاولى . ونسمع الان عن جرافات تعدم شارع ابو نؤاس ... وليبكه كل عربي من الجيل الذي كانت له علاقة بالذاكرة وبالحياة وبالثقافة. بالأمس كانت شاشات التلفاز تحرقنا بلهيب النار يصيب أسواق حلب القديمة المسقوفة، أقدم اسواق المنطقة ، وأطول أسواق مسقوفة في العالم بعد سوق اسطنبول. كلها متداخلة كما شرايين وأوردة الجسد ، ولكل منها تخصصه ورائحته ، وكل تاجر فيها يعرف كل الآخرين ويعرفونه . تحيط بها مجموعة الخانات التي شكل منها تاريخ حلب مع التجارة الأجنبية وحمل اسم المنتج الذي يتخصص به . كنز من جمال ، من حياة ومن ثروات ... توكل إلى النار . لماذا ؟ لنتحول إلى " مول " يحمل اسما لا يؤشر إلا إلى مدينة غريبة أو الى كلمة باتت هي هي في كل مكان ، أو إلى تراست عالمي يشكل شبكة عالمية يحكمها رأس المال اليهودي، ويخصص جزءا من أرباحها للمستوطنات في فلسطين ، بعد جرافات الهدم التي لا تختلف عن جرافات الهدم في بقية سورية الطبيعية التاريخية .
انه جوهر المعركة التي تريد قطع جذورنا وتحويلنا إلى مخلوقات نمطية بلهاء ، لا تعرف إلا ان تستهلك وان تسوق ثقافة الاستهلاك . وللآخرين ان ينتجوا لنا كل شيء بما فيه الذاكرة الجديدة .



العرب اليوم




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :