facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




لماذا يحتاج الأردن إلى التحالفات الدولية؟


د. محمد حيدر محيلان
04-03-2026 02:56 PM

يذهب بعض الناس إلى التقليل من شأن الأردن أو اللمز بمكانته وانتمائه لأمته العربية وقضاياها، فقط لأنه يقيم تحالفات سياسية أو أمنية مع قوى دولية كبرى. غير أن هذا الطرح في جوهره يعكس فهمًا عاطفيًا للسياسة، لا فهمًا واقعيًا لطبيعة العلاقات الدولية. فالدول لا تُدار بالشعارات، بل بحسابات القوة والمصالح والقدرة على حماية الدولة واستقرارها.

الأردن دولة محدودة الموارد الطبيعية والاقتصادية، كما أن قدراته العسكرية — قياسًا بالدول الكبرى تعتبر محدودة. ومع ذلك يقع في قلب واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا. فمن الشمال الأزمة السورية، ومن الشرق التحولات الأمنية في العراق، ومن الغرب القضية الفلسطينية، فضلًا عن الحرب الإقليمية الدائرة بين إيران من جهة، و الولايات المتحدة الأمريكية و إسرائيل من جهة أخرى، وهي حرب ألقت بظلالها على المنطقة بأكملها، حيث عبرت الصواريخ والطائرات المسيّرة أجواء عدد من الدول ومنها الأردن وبعض دول الخليج.

في مثل هذا الواقع الأمني المعقد يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا يتحالف الأردن؟ بل: كيف يمكن لدولة بحجم الأردن أن تحافظ على أمنها دون تحالفات؟

في علم العلاقات الدولية يُعرف هذا السلوك السياسي بمبدأ توازن القوى في العلاقات الدولية، وهو مبدأ يقوم على أن الدول الصغيرة والمتوسطة تعزز أمنها عبر شبكة من التحالفات مع قوى أكبر تملك القدرة العسكرية والتكنولوجية التي لا تستطيع هذه الدول توفيرها بمفردها. ولهذا نجد أن معظم الدول الصغيرة في العالم تعتمد على تحالفات استراتيجية لحماية أمنها واستقرارها.

غير أن هذا المنطق السياسي ليس مجرد نظرية حديثة، بل نجد جذوره واضحة في التجربة الإسلامية المبكرة. فعندما أسس النبي ﷺ الدولة في المدينة، لم يعتمد على المواجهة مع جميع القوى المحيطة، بل بادر إلى بناء نظام سياسي يقوم على التحالف والتنظيم الداخلي للعلاقات. وقد تجسد ذلك في الوثيقة السياسية المعروفة باسم صحيفة المدينة التي نظمت العلاقة بين المسلمين واليهود الذين كانوا يشكلون قوة اقتصادية وعسكرية مهمة داخل المدينة. وقد نصت الوثيقة على التعاون والدفاع المشترك عن المدينة، وهو في حقيقته تحالف سياسي لحماية الكيان الجديد.

كما عقد النبي ﷺ مع قريش اتفاق صلح الحديبية الذي وفّر للدولة الإسلامية الناشئة فترة من الاستقرار السياسي مكّنتها من تثبيت وجودها وبناء قوتها.

ولم تتوقف سياسة التحالفات عند هذا الحد، بل ظهرت أيضًا في التاريخ الإسلامي اللاحق. فخلال الحروب الصليبية عقد القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي هدنة سياسية مع ريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا، وهي الهدنة التي أنهت مرحلة طويلة من الصراع وسمحت بإعادة ترتيب الأوضاع السياسية والعسكرية في المنطقة.

كما شهد تاريخ الأندلس حالات عديدة من التحالفات السياسية والعسكرية بين بعض الإمارات الإسلامية وبعض الممالك المسيحية في إسبانيا عندما اقتضت موازين القوة ذلك، حيث كانت هذه التحالفات جزءًا من إدارة الصراع السياسي في شبه الجزيرة الإيبيرية.

إن هذه الوقائع التاريخية تؤكد أن التحالفات ليست خروجًا عن المبادئ ولا تخليًا عن الهوية، بل أداة من أدوات إدارة الدولة في بيئة سياسية معقدة. فالحكمة السياسية لا تعني الدخول في صراعات غير متكافئة، بل تعني بناء التوازنات التي تحمي الدولة وتضمن استمرارها.

وعندما يقيم الأردن تحالفات أو اتفاقيات دفاعية مع دول كبرى، فإن ذلك لا يعني تخليه عن انتمائه العربي أو عن قضايا أمته، بل يعكس إدراكًا واقعيًا لحدود الإمكانات ولطبيعة التحديات المحيطة به. فالدولة التي تعرف حجمها الحقيقي وتبني علاقاتها الدولية بحكمة تكون أكثر قدرة على حماية سيادتها واستقرارها.

إن السياسة ليست ميدانًا للمزايدات، بل فن إدارة الممكن. والدولة التي تحسن قراءة الواقع وبناء التحالفات المناسبة تكون أكثر قدرة على البقاء والاستقرار في عالم تحكمه موازين القوة قبل كل شيء وقديما قالت العرب : (عد رجالك وارد الميّ).





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :