facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





قطار العو .. واللملمة ..


مسَـلم الكساسبة
10-12-2007 02:00 AM

تتحرك الكاميرا لبرهة مستعرضة جسرا ضخما بأطاريف يبدو منها أن مُصممه حاول أن يوحي بالأبهة والفخامة وبأنه ُصمم لربط حي راق ومهم ببقية أنحاء المدينة .. حتى ليبدو في انحنائه وكأنه رصيف داخل في البحر أو ذات ألواح ودسر تمخر العباب .. ولربما أوحى للبعض الآخر بقيثارة ضخمة وكأنما توقع عليها العجلات المسرعة إيقاعها المُلح الذي لا يصمت ولا يكل ..وفي المشهد سيارات فارهة وأخرى رديئة من شتى الأصناف تشق عباب الهواء عبر الخرسانة القاسية .. وصوت الإطارات مستمر في الطرق بإيقاع متواصل على ألواح وصفائح تلك الخرسانة في سرعة لا تخلو من زهو وتحمل في طياتها القسوة والتحدي والعبور عن الناس لأشياء دون اكتراث وكأنها تفاصيل مهملة وغير ذات أهمية .

بعد قليل تنتقل الكاميرا إلى مشهد مواز تماما لكن تحت حيث الوادي الموازي في مقطعه العرضي للجسر فتبدو في المشهد بعض الفضلات والمخلفات والعلب والأكياس الفارغة المختلفة بعضها رمي من فوق الجسر من بعض تلك السيارات العابرة .. وبعضها طوحت به الرياح والأنواء ..

تتجول عين الكاميرا في الوادي إلى أن تستقر مع زووم على كيس بلاستيك اسود مخصص للقمامة .. يتحرك الكيس فتظن للوهلة الأولى أن الهواء يداعب صفحته الرقيقة لكن ما أن تدقق حتى يبدو لك أن الحركة من نوع مختلف عن تلك التي يمكن أن يصنعها الهواء مع صفحة رقيقة من كيس بلاستيك أسود معد للنفايات أصلا..

فجأة يظهر في المشهد شخص كان ينظر للكيس من بعيد وقد ارتاب في شكل وطبيعة الحركة بداخله ..

يتقدم ويكشف عن الكيس فيكتمل المشهد بسرياليته وتراجيديته وكوميديته وكل تناقضاته الفنتازية العجيبة.


إنه صغير من صغار البشر وليس صغار الأرانب أو القطط أو الماعز مثلا ؟ إنه طفل آدمي وقد ازرَقّ جسده الرقيق من البرد ..

ذُهل الرجل لهول ما رأى وتراجع للخلف برهة .. لكنه ما لبث أن عاد فتمالك نفسه من جديد وتقدم ليتأكد مما رأى لعله مخطئ فيما اعتقد أنه رأى ..

نعم انه طفل آدمي ملقى داخل كيس مثله مثل أي بقايا غير مهمة أو علبة فارغة تخلّص منها شخص ما وطوحها من سيارته وهو عابر فوق الجسر دون أن يلقي لها بالاً !

قال الرجل متمتما بينه وبين نفسه .. الآن فهمت .. كان المتنبئ الجوي وعدنا بالمطر لكنه لم يجئ ..لعل السماء رحمة بالصغير أجلت ذلك المطر وإلا لكان مات من فوره اختناقا بالماء المتدفق للكيس ومن البرد الناشئ عن ابتلال الأرض تحته بالمطر.. فالبلاستيك موصل جيد للبرودة .. يا لرحمة الله ! فالطفل في هذه الحالة أولى بشيء من دفء الشمس منا بالمطر !

تعود الكاميرا إلى فوق حيث الجسر ثانية .. وحيث السيارات الفارهة والرديئة معا ما زالت مستمرة في خطوتها الجريئة تدوس وتعبر صفائح الإسفلت القاسية وتنشر في الفضاء إيقاع العجلات وكأنما هي صنجات ضخمة تحركها أيدي قوية أو أصابع حديدية تمر على أوتار الكتلة الخرسانية التي توحي بقيثارة خرساء بثقة وجرأة قاسية..

تختار الكاميرا إحدى تلك السيارات الفارهة جدا والتي يبدو من شكلها وسرعتها أنها ذاهبة لأمر جلل ومهم جدا وأن بداخلها أناس ذوو شأن وتلاحقها ..ولا يبدو مَن بداخلها لأنها بزجاج اسود مظلَل ومضلِل تماما..

بعد قليل وفي مكان يقال له " هبرون " يترجل من السيارة صبي في حدود الخامسة عشرة أمام محل للكابتشينو .. بينما تنتظره صبية في مثل سنه .. يشتريان كوبين ويبدءان بتبادل الود والأحاديث لبرهة ثم يصعدان للسيارة .. يعمل الصبي حركة من نوع تفعيط وتخميس ثم ينطلق بسرعة جنونية لمكان مجهول !

تعود الكاميرا للكيس والشخص ما زال محتارا في أمره كيف يعمل وكيف يحمل الطفل العاري وأين يذهب به .. هل يحمله بكيسه أم يخرجه من الكيس .. أم ماذا يفعل ؟

ينظر مرة أخرى فوق حيث الجسر القاسي الملامح والفاره الشكل والعالي والسيارات المسرعة نحو السخن والبارد والتفعيط وربما نحو اللاشيء ثم يستعيد النظرة للوادي حيث الكيس ويقول محدثا نفسه وكأنه يتحدث مع الطفل :

(يعني لو ظلت مثل هذه السيارات الفارهة التي غالبا يقودها أناس ما وراهم شغل ولا يضيرهم رُبع لتر بنزين ومسافة كم زيادة – لو ظلت تمر بالوادي في طريقها ترى ما ذا كنا سنخسر .. وماذا كان راكبوها سيخسرون .. كنت أوقفت إحداها وحملناك لأقرب مشفى (..

يستمر الرجل محدثا نفسه وكأنما يتحدث مع الطفل :

" ... من معه يُعطى ومن ليس معه يـُؤخذ منه ؟ من عنده سيارة فارهة وبيت مثلها يُبنى له جسر فاره لتتباهى سيارته وهي تطير من فوقه ليصل إلى أماكن لهوه وعبثه أسرع مع انه لو تأخر دقيقة أو زاد عليه الطريق كم والمصروف ربع لتر بنزين لن يضيره ولن يساوي شيئا إزاء ما يملك وإزاء كلفة الجسر الباهظة التي لا يدفعها هو بل هي من جيوب أمثالنا ولقمة خبزه ودوائه..

ومن ليس معه تـُصمم له أكياس لا ينفذ منها الهواء وحاويات وأشياء أخرى

هل ثمة من يريد أن يهيئنا لعودة الرق من أبواب أخرى ؟ فالرق أهون وأكرم من أن نولد في أكياس بلاستيك وحاويات قمامة "

يستمر الرجل في تمتمته وذهوله :

فوق - ويشير بإصبعه - جسور فارهة وسيارات تحمل الفارغين والمهطعين إلى اللاشيء ..

وتحت - ويشير للطفل - أكياس سوداء وحاويات لأطفال ربما واحدهم بحاجة لمجرد رضاعة حليب أو حتى شاة أو كلبة ترضعه وتربض لجانبه ليتدفأ بصوفها .."

في هذه الأثناء بدورها تتنقل الكاميرا فوق وتحت في شبه حركة بندولية منتظمة فتأخذ مشهدا من الجسر لثوان ثم تعود إلى الكيس لبرهة مساوية حيث يبدو رأس الطفل وجزء من صدره العاري ثم تعود مرة أخرى لتأخذ لقطة من فوق حيث تبدو سيارة كشف فارهة تقودها صبية بصدر شبه عارٍ رغم برودة الطقس أيضا..

يسرح الرجل الواقف بجانب الكيس في أفكاره لبرهة في شبه /حلم يقظة/ .. ويذهب في التخيل.. ومعه تنتقل الكاميرا من المكان إلى حيث سرح الرجل بفكره لتسرح معه :

صوت محرك ماكنة أو آلة ضخمة يوحي بالقسوة والجبروت يقترب شيئا فشيئا .. وبعد قليل ينفرج المشهد عن عربة هائلة تسير بسرعة جنونية وكأنها فقدت الفرامل أو انفصلت عن القطار التابعة له.

تقترب العربة ويقرا على واجهتها عبارات ودعايات ضوئية وامضة مثل : شركة فلان وعلان لدراسات واستشارات الخصخصة وبيع العقارات مساهمة عامة.. ودعايات من مثل : بادر لصعود العربة .. معنا أنت الرابح .. استثمر في المستقبل…احكي لما ينشف ريقك ..!! صيتة "أصبح اسمها "غـَنج" .. الخ من عبارات مختلفة القاسم المشترك بينها جميعا هو البيع والاستثمار والتسويق وما لف لفها حتى لو كان بيع الهواء والكلام والبني آدميين.

يحاول الرجل أن يستوقف العربة المسرعة ليحمل الطفل إلى اقرب مستشفى إلا أنها لا تفرمل أو تبطئ من سرعتها بل تكاد تعمل كارثة وتدهسه ويبدو الأمر كما لو أن السائق فقد السيطرة عليها ..ولولا أن الرجل أحس بالخطر وابتعد عن طريقها لفرمته .. وغير بعيد عندما تجاوزته تتناثر كراتين خرجت منها أكياس سوداء أخرى فيها شيء ما يتحرك.. ولا يميز الرجل هل تطايرت من العربة أو وقعت من على الجسر؟

يهم الرجل بالذهاب لأحدها ليتبين ما بداخله وما أن يخطو نحوه حتى يسمع صوت اصطدام هائل ومدوي ..

لا يميز الرجل وهو في شبه حلم ما الذي حصل تماما وصوت اصطدام ماذا هو ؟ لكن مزيدا من الكراتين تناثرت وتناثرت منها أكياس سوداء كثيرة مثل الكيس الذي أمامه ..

هنا يصحو الرجل من سرحته على هول صوت الاصطدام المتخيل وهو يهذي بالعبارات التي ظلت تبرق وتلمع في عينيه مما علق بذهنه من تلك الدعايات الضوئية على واجهات العربة:

خصخصة ..عولمة .. لبرلة.. قطار .. سوق .. شركة ..عقارات.. بيع .. زبائن.. investments .. تأجير.. ربح ..
to make money ...

يلمس الرجل جبينه ويمسح عرقه المتدفق رغم برودة الجو وهو يرتعد لا بردا بل رعبا من هول المشهد.! وكأنما لسان حاله يقول:ما جدوى كل هذا إزاء المشهد الذي أمامي ..

يا إلهي! يا لفظاعة الخوصصة والعولمة.. ! حتى البشر والأطفال باتت تصنعهم وتعبئهم في أكياس بلاستيك !! ترى للتصدير أم للمتاجرة بالأعضاء أم لماذا ؟ يسأل الرجل نفسه وهو ما زال مستغرقا وواقعا تحت تأثير تلك الصدمة شبه الخيال ؟

وفجأة يصرخ ..وجدتها.. وجدتها ..

لنسمي الطفل منسي بن خصخصة آل عو..عو ..عو .. وهنا أرتـِج على الرجل لفظ عولمة فيظل يكرر المقطع الأول من الكلمة فيقفز بعدها للمقطع الثاني ويظل يكرره كذلك هكذا : لم لمة ..لم لمة.. لملمة ويستمر لبرهة حتى يستطيع بعد جهد جهيد أن يجمع المقطعين معا أخيرا فيلفظ "عولمة" ..

نعم - يقول الرجل- سنسميه هكذا حتى يُذكـِّره اسمه ويُذكرنا معه بما فعلته به أمه أو من تحتل خانة الأم في الاسم ويكون رمزا لجيل عليه أن يتذكر جيدا ..

تعال يا خصخصة يا ابن عربة يقودها من يمضون بنا إلى المجهول ....؟

يخلع الرجل سترته .. يُخرج الطفل من كيس البلاستيك الأسود ويلفه بها ثم يحمله ويمضي ..

ستارة..

msallamk@yahoo.com




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :