facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة





عالم الفكر والسياسة


سناء ابو شرار
11-05-2013 09:38 PM

لماذا نعتبر أن من يكتب عن الفكر أو الأدب يبتعد عن السياسة ؟ لماذا يبدو السياسيون أشخاص بواجهات خشبية بلا تعبير وبلا مشاعر ؟ وهل المشاعر تبدو مُخجلة في عالم السياسة ؟ أليست معاناة الفقراء تتعلق بشعورهم بالكرامة والانسانية ؟ ألا يبدو أن غلاء الأسعار مُهدد للطبقات الفقيرة ذات الإمكانيات المحدودة والتي ترى عبر الأرقام والمشاعر بأنها لن تستطيع الصمود ؟ أليست جميع قوانين الدولة ناتجة عن حاجات ورغبات وأساسيات الحياة للمواطن ؟ ألا يعرف كلٌ منا المقولة الشائعة : " الرحمة قبل العدالة" .

الحكمة هي صانعة القانون وحين يعجز القانون عن أن يكون حكيماً يلجأ الأفراد إلى وسائل خاصة بهم لتطبيق حكمة العدالة ، قد تكون وسائل سلمية أو عنيفة ولكنها بمضمونها ترسل رسالة للقانون بأنه لا يصلح لعلاج هذه الحالة . إن القانون بإبتعاده عن الروح الانسانية ، والسياسة بتجردها من انسانيتها تدفع بالمواطن العادي إلى الإحباط أو التمرد العلني أو المكتوم ، وبكل الأحوال تنقطع الصلة التي يُفترض أن تكون وثيقة بين القانون والمواطن .
ولكن الفرق بين القانون والسياسة ، هي أن القانون هو قانون ببساطة التعبير وبتعقيده ولا يجوز لأي منا أن يتجاوز مواده الواضحة والمحدده ، وحبذا لو أن كل علاقاتنا تؤطر بمواد قانونية ، لأننا بذلك نضمن استقامة ونزاهة المجتمع إن لم يكن بالضمير الانساني أو بالوازع الديني فسوف يكون ذلك بقوة القانون وإلزاميته. أما السياسة فهي من تخطط للمواد القانونية ، ترى الحاجة لها وتكون لها رؤية محددة لكل مادة من القانون بل ولها الصلاحية المطلقة بتغيير نص أي مادة يما يتوافق مع المصالح العليا ، وحين تغلب المصالح الخاصة على المصالح العليا لا تكون سياسية بل تجارة سياسية أتقنها أصحابها لدرجة المهارة بإخفاء الغاية والوسيلة.

لماذا يكون الفكر والأدب هام للسياسي ؟ لأن الفكر والأدب انعكاس لمعاناة المجتمع ، لأفراحه ، لتطلعاته ، لمخاوفه ، لما يريد وما لا يريد ؛ نجد أن المواطن العادي يتحدث إلى الكاتب بطلاقة ويُطلعه على أدق مخاوفه وأحلامه ، وحين يقابل السياسي يتحفظ بل ويشك إن كان هذا السياسي يستمع له أصلاً ، بل ربما يرى بملاطفته نفاق لكي يكسب صوتاً في الإنتخابات المقبلة ؛ هذا الجفاء الشعوري والنفسي بين السياسي والمواطن العادي أوجد إنعدام الثقة وضعف الإنجاز ، لأن المواطن حين لا يثق لا يمنح من ذاته ولا من قدراته كما يرغب فعلاً ، والسياسي حين يرى ويتجاهل إنعدام الثقة به يستمر في مساره السياسي ليس لخدمة المصلحة العامة بل لخدمة اسمه ، مصالحه ، ومركزه الإجتماعي ، والأسوء ، حفاظاً على المكتسبات التي لن تتوفر له دون فوز انتخابي.

نحن في العالم العربي في أزمة ثقة بين المواطن العادي والسياسي ، ولا علاقة لهذه الأزمة بالديمقراطية ، فالديمقراطية أصبحت متوفرة بعدة مجالات ، ولكن الأزمة تكمن في مدى انسانية السياسي ، في نظرته لدوره في المجتمع ، في تقديره الديني والأخلاقي لما يقدم وما يفعل ، في محاسبته الصارمة لذاته لأنه بكونه سياسي أصبح شخصية عامة ولا يُحاسب مثل أي شخص عادي ، وهو أول من يجب أن يحاسب ذاته .

لماذا هذه الفجوة بين المواطن والسياسي ؟ لقد أصطنع السياسي لنفسه كرسياً عاجياً إن لم يكن في أفكاره ففي مشاعره ، وبدون الفكر والأدب يشعر بتفوقه وتميزه على الأشخاص العاديين ، بأنه يفهم ما لا يفهمون ، ويقرأ ما لايقرؤون ، وقرارته لابد أن تكون هي الصحيحة ، لأنه يمتلك الرؤيا الشاملة للمجتمع ، قد يكون فعلاً يمتلك الثقافة والدرجات العلمية ليقرر كل ذلك ، ولكن ما يميز السياسة عن باقي النشاطات الانسانية الأخرى أنها حتى وإن كانت تُمارس في المكاتب والدهاليز، إلا أن نتائجها تكون دائماً واقعة على حياة كل مواطن ، ولايمكن للسياسي أن يكون متألق مهنياً واجتماعياً وفكرياً دون أن يكون لديه تواصل انساني مع المجتمع ، ألا يرى من السياسة سوى الجانب الجاف ، جانب المصالح والتحديات والصراعات ، وقد يكون سياسياً نزيهاً ولكن الناس لا يريدون النزاهة فقط ، بل يريدون بجانبها وبترافق دائم التواضع والإقتراب منهم ، ليس وقت الإنتخابات فقط بل في أي مكان يتواجد به هذا السياسي . العمل الوحيد الذي لا يوجد له ساعات محددة هو عمل السياسي ، لأن عمله هو هذه الصلة مع من يمثلهم أو يعتقد أنه يمثلهم ، أن يكون حاضراً بكل وقت ، شاعراً بمعاناتهم محاولاً مساعدتهم حتى ولو لم يستطيع ، لبقاً حين يقول لا أستطيع ، ومترفقاً حين يضطر للقسوة ، وعادلاً حتى تجاه نفسه و أفراد أسرته ، حين ندقق النظر في السياسة الحقيقة سوف يتردد أي منا أن يخوض مضمارها لأنها مهنة العطاء للآخر مهما كان جنسه أو نسبة أو دينه ، إنها أعلى المهمات الانسانية رفعة ، وأكثرها نبلاً إن كانت في سبيل المصلحة العامة ولخدمة المصلحة العامة ، وإن كانت مع الضعيف حتى يأخذ حقه وضد القوي إن كان ظالماً .

وحين تبتعد السياسة عن الحياة وعن الأدب والفكر تتحول إلى مجموعة من المصالح ، والأشياء والأشخاص والمكاتب والأرقام ، وتتلاشي تلك العلاقة الوثيقة بين ما هو سياسي وما هو انساني ، السياسة لست عالم مخاطر حين يكون هدفها العدالة ، السياسة ليست حصاد مصالح حين يكون هدف السياسي الأول إرضاء الله تعالى بالعمل ثم خدمة المجتمع ، السياسة ليست عالم منفصل عن الحياة لأنها تدخل في بيت كل منا ، تدخل في تفاصيل حياة كل منا ، لذلك وربما كان لابد من اختبار مستوى كل سياسي أدبياً وفكرياً لنضمن بأنه يستطيع الشعور بمعاناة من حوله ، وأنه يفهم هذه المعاناة ، وأنه قادر على إيجاد حلول لهذه المعاناة . حين تتحول السياسة لمجرد حصد منافع ، تفقد قوة الإقناع لدى المواطن ، وتفقد الثقة ...لذلك لا يمكن للسياسة أن تكون بعيده عن الحياة ، ولا يمكن لها أن تحيا فقط بين جدران القاعات الفخمة ،إنها هنا بين الشوارع والأزقة ، إنها هنا في المشاعر والأفكار ، إنها ترسم مستقبل جيل كامل بكل مقوماته ، لذلك لا يمكن لأي منا أن يكون بعيداً عن السياسة وقريباً من الحياة لأنهما ممتزجان متقابلان وقد يتنافرا ولكن نحن في هذه الحياة تقودنا السياسة ، نتعايش معها ، قد نرفضها وقد نقبلها ولكنها تشكل كل اجزاء حياتنا سواء أدركنا ذلك أم لا .

الفكر هو الذي يشكل السياسة ، لأن كل سياسي سواء شاء أم أبى ، يتوجه لجمهوره بمنظمومه فكرية واخلاقية وأدبية خاصة به ، معلنة أو ضمنية ، يتم البوح بها أو يتم إكتشافها ، ولكن هذه المنظومة تشكل مساره السياسي ، لأن السياسة ليست نظريات في الكتب ، ولا خطابات رنانة على المحافل ، إنها مزيج متفاعل من ذات السياسي ، ثقافته ، انتماءه ، مشاعره ، نظرته للحياة ، نظرته للفقر ، نظرته للثراء ، نظرته لذاته وللآخر، لاضرورة للإعتناء بالسياسة لأنها تعتني بنفسها بحكم الظروف والحاجات ، ولكن لابد من الإعتناء بالسياسي ، لابد من تدريب نخبة من المجتمع رفيعة المستوى فكرياً وأدبياً وافتصادياً ودينياً ليكونوا قادة هذا المجتمع ، نخبة صاحبة الرؤية والنظرة والتحليل الانساني الشمولي والخاص . لقد أدرك الغرب أهمية إعداد السياسي ومنذ الصغر ، لأنه هو من يقود المجتمع ، وفي كل المهن لا تُسلم القيادة إلا إلى النخية ، فلماذا في المجتمع العربي لا نزال نسلم القيادة لمن لا يملك الجدارة ولا الشعور الانساني الكافي بمعاناة الآخرين ، في الغرب المعاصر فقد السياسي صفته الجافة ، وأصبح على تواصل يومي وبكل دقيقة بحاجات المواطن حتى بمشاعره ، لأن الغرب أدرك أن سياسة لا تشعر بالمواطن ولا بحاجاته ولا بمعاناته هي سياسة تسير نحو الفشل وتفقد كل حظوظها الإنتخابية . عالم الفكر والشعور ليسا عالم خيالي حالم ، ولكنه جزء من البنيان النفسي والاقتصادي والاجتماعي لأي مجتمع . كلمتان قالهما مارتن لوثر كينغ لم يكن لهما أي معنى سياسي ولكنهما غيرتا حياة الملايين من الأمريكيون السود:
" عندي حلم".




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :