عمون - محمد الخوالدة - حلول فصل الشتاء يفتح الذاكرة على الكثير من جوانب الحياة الاجتماعية التي كانت معاشة في منطقة الكرك في ايام زمان، الزمن الجميل، زمان العفة والبراءة والطهارة مقارنة بزمان اليوم حيث الكثير من وسائل التسلية والترويح وسبل التواصل بريئها وخبيثها.
ثمة روايات كثيرة يرويها معمرون كيف كان يمضي الناس ايام زمان "تعاليل" ليالي الشتاء المطيرة ليالي "الهلل والبلل" كما كانوا يسمونها، فابو حامد الذي ناوش التسعين عاما ابرز العديد من جوانب تلك السهرات البريئة بطيبها وعفويتها وبعدها عن القيل والقال والغيبة والنميمة والطعن بكرامة هذا او ذاك، هذه الصفات كثيرة الشيوع في هذه الايام والتي قال ابو حامد انها كانت ايام زمان مستهجنة وممجوجة فلا أحد يصيخ السمع لـ"هذرمة مهذرم" (أي كثير الكلام بغير صدق).
لم تكن مساكن الكرك في الايام الخوالي قال ابو حامد كما هي عليه اليوم، غرف متعددة وتلفزيون وتلفون محمول وثابت و"انترنت" وادوات العاب مختلفة يمارسها الاطفال، فالبيت الكركي كان مبنيا من الحجر والطين او ما يسمى بـ"دور القناطر " يتساوى في ذلك الفقير والغني والشيخ وابسط الناس الا بفارق بسيط فدور الميسورين كانت اكثر اتساعا، فان كانت دور البسطاء قال ابو حامد مبنية على قنطرة او قنطرتين فان دور الميسورين تتشكل من ثلاثة او اربعة قناطر، وان كان الميسور اكثر اقتدارا بنى غرفة صغيرة بجانب الدار كغرفة نوم له ولزوجه او للفصل في مكان المنام بين ابنائه الذكور وبناته، وهذه الغرفة بمفهوم هذه الايام اشبه - مع وجود فارق كبيرة – بالملحق الذي نشهده اليوم في قصور المترفين وفللهم.
سألت ابا حامد كيف كان يمضي الناس آنذاك تعاليل ليل الشتاء الطويل فقال كان رجال وشباب الدور المتقاربة يتجمعون كل ليلة في دار احدهم يمضون تلك الليالي اما بالسماع لشاعر الربابة ان تواجد في التعليلة احد هؤلاء الشعراء والذي كان يتنقل في الحانه ما بين الهجيني والشروقي (القصيد) او بسماع قصص البطولة والابطال، قصص عنترة وابو زيد الهلالي، او القصص المتوارثه وجميعها قصص اقرب الى الخيال مثل قصة الغولة التي تتحول امام الناظر على هيئة "دحرجه"(أي لفه) من الصوف المغزول او بأي شكل اخر اويستمعون لقصص شجاعة احد الشجعان الذي صادفه ضبع او حيوان مفترس اثناء سيره في البراري ليلا وكيف استطاع التغلب عليه بقتله اوالافلات منه مبينا ان من يتحدثون هذه القصص كانوا من متقدي الذاكرة ومن اصحاب القدرة على عرض الوقائع وترتيبها وسردها.
اما الالعاب التي كان يمارسه "المتعللون" فابرزها قال ابو حامد لعبة الباصرة بورق الشدة، وهي اللعبة التي لا زالت سائدة الى حد ما في بعض القرى والارياف الى وقتنا هذا، وهناك ايضا لعبة "الفنيجيله" والتي بين ابو حامد مكوناتها التي هي مجموعة من فناجين القوة السادة وخاتم من فضة او أي جسم صلب صغير سواه، اما ميدان اللعبة التي يمارسها اللاعبون جلوسا فهو اما غربال او أي جسم مسطح متسع، يمارس اللعبة فريق مكون من شخصين متنافسين او اكثر ويبدأ اللعب بان يقوم احد الفريقين باخفاء الخاتم وقد ادار لاعبو الفريق الثاني وجوههم عن الميدان تحت احد الفناجين المقلوبه ومن ثم يطلب اليهم الالتفات ليسمح لهم برفع فنجان واحد بحثا عن مكان الخاتم فان اصابوا فهم الغالبون فيتولون اخفاء الخاتم وان اخفقوا يكرر الفريق الاول دور اخفاء الخاتم وهكذا.
قلت لابي حامد هذا ليلا اما نهارا فكيف كنتم تمضون ايام الشتاء فقال: كنا نمضي ايام الشتاء المشمسة بالعناية بمواشينا، وفي وقت الفراغ كنا نلعب السيجة او الطاب المعروفتين فقد تم تناولهما في تقارير سابقة واللتين كان الكثيرون يمارسونها وفق ابي حامد ضمن حرم بيوتهم على المكان المجاور لدورهم والمسمى ب "الحمالة" وهي اشبه بمسطبة مرتفعة يمكن ارتقاؤها بسهولة وبما يسمح لصاحب الدار بالصعود الى سطح داره لغايات "تطيينه"، أي عمل خلطة من الطين والتبن ومدها على كامل السطح وذلك قبل حلول فصل الشتاء منعا لـ"الدلف"، أي تسلل الماء عبر السطح الى داخل الدار.