facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





من يختبيء وراء الملك


د. محمد أبو رمان
08-03-2007 02:00 AM

جرت العادة في تقاليدنا السياسية، سابقاً، أن يختبئ الوزراء والمسؤولون الكبار خلف جلالة الملك للتغطية على أخطائهم وتقصيرهم، فإذا ما تعرّض أحدهم لنقد معين يلجأ إلى لغة خشبية يضع من خلالها جلالة الملك في واجهة الحدث، هذه اللغة تتكسر إذا تعرضت لاختبار منطقي بسيط، لكنها كانت تشكل حرجاً حقيقياً للطرف الآخر "الناقد" فيضطر معها إلى وضع توضيحات وإشارات وأسهم وفتح أقواس ورسم خريطة طريق حتى يصل إلى المسؤول المطلوب ويعزله عن التترس بجلالة الملك هروباً من خطئه.ومن أطرف وأجمل المقالات التي قرأتها قبل سنوات ما كتبه الزميل باتر وردم حول ما أسماه بـ"ديمقراطية الإحراج"، تعبيراً عن الظاهرة السابقة، حيث ينخفض سقف حرية التعبير والمحاسبة إلى أدنى درجة وإلى تفاصيل صغيرة تضع فيها الحكومة جلالة الملك في الواجهة للهروب من نقد الصحافة أو النواب أو جهات أخرى، بحجة أنّها تنفّذ إرادة وتوجيهات الملك.

ثمة ظاهرة سياسية جديدة، ملفتة للانتباه، ومعاكسة تماماً للظاهرة السابقة، وهي الاستقواء على الحكومة بجلالة الملك! هذه الظاهرة انتشرت في السنوات الأخيرة، ويمارسها كتاب وسياسيون ورجال في الدولة يوجهون انتقادات حادة وقاسية للحكومة وينسبون لها جوانب التقصير والخطأ والخلل كافة، على قاعدة أنّها غير قادرة على تنفيذ رغبات الملك وعاجزة عن تحقيق ما يريده.

أسوأ ما في الظاهرة الجديدة - عدا عن انتهازية الاستقواء التي غالباً ما ترتبط بشبكة مصالح وعلاقات لا تمت بصلة إلى النقد المنهجي الموضوعي للحكومة- أنّ تلك الأقلام والأصوات إذا ما شعرت أنّ الحكومة على شفا الرحيل، أو تسربت أخبار – غالباً تكون غير صحيحة- أنّ الحكومة "مكشوف عنها الغطاء"، فإنها تبدأ حملة شرسة من الطعن والضرب والهجوم العنيف على الحكومة باستخدام أساليب القدح والذم حتى على المستوى الشخصي، بعيداً عن أي معيار موضوعي رصين في التقييم والحكم.

نقد الحكومة ومعارضتها حق للجميع، بل من واجب الإعلام والسياسيين أن يحاسبوها ويقوّموا أعمالها، ومن حقهم – كذلك- مخاطبة الرأي العام بما يرونه، لكن الظاهرة غير الصحية هي الزج بجلالة الملك والاختباء خلفه في هذه العملية، وإخراجها عن مضمونها الطبيعي السياسي والإعلامي المتعارف عليه.

الأصل أنّ جلالة الملك فوق الصراعات والخلافات والقضايا المرتبطة بعمل الحكومة ومسارها، أو بين المؤسسات المختلفة، وهو في العرف السياسي المحلي مظلة للجميع من مسؤولين ومعارضة وقوى سياسية ومدنية. فإذا كان هنالك نقد أو معارضة لسياسات أو قرارات حكومية فلتأخذ تلك المعارضة مسارها الصحيح بين المؤسسات السياسية والإعلامية، في الهواء الطلق، وفق الأصول المعروفة في كل النظم السياسية في العالم.

ظاهرة الاستقواء على الحكومات لم تأت من فراغ؛ فهي نتيجة طبيعية ومنطقية لإضعاف دور الحكومة ورئيسها، خلال السنوات الأخيرة، وذلك في سياق أعم وأشمل يتمثل في إضعاف المؤسسات السياسية الدستورية كافة، بما فيها البرلمان من خلال مخرجات قانون الصوت الواحد.

في المقابل؛ غلب على المشهد السياسي المحلي تجذّر مراكز قوى وأدوار خارج المؤسسات الدستورية التي تتشكّل منها البنية الرئيسة للنظام السياسي، فأصبحت اللعبة السياسية بأسرها تتم خارج تلك المؤسسات - التي فُرّغت من أبعادها الحقيقية ومن مضامين أدوارها الجوهرية-، بلا قواعد ولا أصول واضحة، فتبدّى المشهد السياسي في حالة صراع بين جزر منفصلة تعمل منفردة، وربما متضاربة في كثير من الأحيان!

هذا التراكم في المشهد السياسي يخلق بحد ذاته تركة ثقيلة وعبئاً كبيراً على كاهل أي حكومة تعمل على استعادة دورها مع المؤسسات الدستورية الأخرى، فتدخل في صراع مرير مع شبكة المصالح والقوى المتجذرة التي تضخّمت على حسابها، ومارست أدواراً أكبر من أبعادها الدستورية وحجمها الحقيقي.

وقد شهدنا في السنوات الأخيرة معالم صراع، خفي أحياناً وعلني أحياناً أخرى، بين الحكومة ومراكز قوى، عندما قام بعض رؤساء الحكومات بالخروج عن الحجم الصغير الذي يراد تقزيمهم فيه، ما أدى إلى استنزاف جزء كبير من طاقة الحكومة ووقتها وتركيزها في هذا الصراع على حساب دورها المطلوب.

المفارقة الملفتة بحق؛ أنّ مراكز القوى أو الجهات التي تقف وراء الهجوم على الحكومة هي نفسها من صنع هذا الواقع – الذي تتهم به الحكومة-، بالتحديد على الصعيد الاقتصادي، إذ أنّ المعضلات الحالية التي وصل إليها المشروع الاقتصادي هي ثمرة تراكم لتخطيط واتفاقيات والتزامات منذ سنوات قامت على تبني سياسة ليبرالية قاسية ملتزمة ببرامج المؤسسات الدولية ووصفات جاهزة، جوهرها الخصخصة وتشجيع الاستثمار من خلال جملة من التشريعات المحفزة، التي أدّت بدورها إلى خلل واضح وكبير في الدورة الاقتصادية تمثل في الفجوة بين الجانبين الاقتصادي والاجتماعي، وحصر المنافع الاقتصادية من معدلات النمو في دوائر ضيقة، وزيادة معدل التضخم وتراجع القدرة الشرائية للدينار، واختلال في عوائد التنمية بين المركز والأطراف نتيجة تمركز الاستثمار في العاصمة ومناطق محددة، توازى ذلك مع تراجع دور الدولة الرعوي وتدهور حالة القطاع العام مقارنة بالقطاع الخاص، وفي الوقت نفسه تذبذب أداء القطاع الخاص ومؤسساته، وضعفت منظومة قوانين حماية العمال والمهنيين والفئات ذات الرواتب المتدنية، وجدوى محدودة جداً للاقتصاد الوطني من المناطق المؤهلة، ومن نشاط السوق المالي والعقاري، وفي المحصلة بدأت حالة من "النقمة الاجتماعية" – على حد تعبير الزميل باسم الطويسي- تسري في أوصال شرائح واسعة من المجتمع متضررة اقتصادياً من النشاط المالي الحالي، الذي لا يعود عليها سوى بارتفاع تكاليف المعيشة والضرائب وعدم القدرة على تلبية احتياجاتها الرئيسة.

الواقع الاقتصادي، على الرغم من جملة الإنجازات التي تحققت فيه، وبالتحديد ازدهار القطاع الخاص وجذب الاستثمار الخارجي والمحلي، بحاجة إلى إعادة نظر بنيوية تأخذ بعين الاعتبار النتائج السلبية والأزمات الاجتماعية الناجمة عنه، وهو ما يحتاج وقتا كافيا ونقاشا عميقاً أكبر من مجرد انتقاد الحكومة وتوجيه اللوم لها.

أي تغيير جوهري في المسار الاقتصادي العام يرتبط بحزمة ومنظومة كاملة من التشريعات والسياسات والالتزامات الدولية والاستثمارات القائمة، ما يعني قفزة خطيرة ومفصلية، أي بمثابة مخاطرة في مستقبل الدولة تحتاج إلى أكثر من قرارات حكومية أو محاولات للاستدراك والعلاج الجزئي للآثار الناجمة عن المشروع الاقتصادي الحالي!




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :