facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




النموذج النووي الأردني


المحامي الدكتور غازي العودات
22-11-2015 12:41 PM

النقص الحاد في مصادر الطاقة غير المتجددة جعل الأردن يتوجه للاهتمام بالطاقة النووية كبديل عن الوقود الأحفوري كالنفط والغاز لإنتاج الكهرباء.

عادة ما يثير هذا النوع من المشاريع حساسية لدى الرأي العام لاعتبارات تتعلق بشكل أساسي بالبيئة وتدابير الأمن والسلامة، لذا فإنه يخضع لجدل مستمر على جميع المستويات.

ومع ذلك، فإنني سأتجنب مناقشة مسألة قبول الرأي العام من عدمه لاستخدام الطاقة النووية في توليد الكهرباء طالما أن صانعي القرار السياسي الأردني قد حسموا أمرهم ورجحوا المنافع على الأخطار.

في واقع الأمر، جاءت رغبة الأردن في الالتحاق بالنادي النووي لاعتبارات اقتصادية وتنموية واستراتيجية. ومع ذلك فإن من المهم تسليط الضوء على الاعتبارات المالية التي دفعت الحكومة لهذا التوجه، إذ أن تمويل إنشاء المحطات النووية وتحمل المخاطر المرتبطة بتشغيلها وضمان أمنها وسلامتها والتخلص من نفاياتها عالية الإشعاع يختلف بشكل كبير عن مشاريع البنى التحتية الأخرى. ولذا فإن الأسئلة الجوهرية التي تدور في ذهن صانع القرار وكذلك المواطن العادي تنقسم إلى شقين؛ كيفية تمويل هذا المشروع و ما هي إجراءات السلامة والأمان والوقاية من الأخطار النووية.

فيما يتعلق بالتمويل، فإن الأنواع المختلفة من العقود الدولية لمثل هذه المشاريع تظهر لنا نوعين من الآليات التي استخدمت لتمويل بناء المحطات النووية هما؛ أسلوب الاقتراض Debt أو أسلوب المشاركة/ التشارك . Equity عملياً، فإن غالبية المشاريع تمزج بين هذين الأسلوبين بنسب مختلفة. الاختلاف بين هذين الأسلوبين في التمويل يظهر في نمط تأسيس وإدارة هذه المشاريع التي تبقى محكومه بكيفية حماية المستثمرين والمقرضين بالإضافة إلى طريقة توزيع المخاطر فيها.

التجارب الحديثة في الشرق الأوسط تظهر اختيار هيكل آخر للتمويل عن طريق نظام الشراكة مع القطاع الخاصPPP كوسيلة تمويلية تعاقدية أو إطار قانوني لتمويل وإنشاء هذه المشاريع. الأكثر شيوعاً بين هذه الأنظمة هو نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية أو المعروف بالبوتBOT ونظام البناء والتملك والتشغيل BOO.

يعتمد النموذج المالي للشراكة في محطات الطاقة النووية على أن الشريك الأجنبي يدفع كلفة البناء ويشغل المفاعل النووي، ويحصل هذا الشريك الأجنبي بالمقابل على عائد استثماره من خلال بيع الطاقة الكهربائية المتولدة، وبعد فترة زمنية معينة يتم نقل ملكية محطة الطاقة النووية إلى الحكومة "الشركة المحلية"، التي تمنح الأجنبي نسبة من أرباح بيع الكهرباء حتى إيقاف تشغيل المفاعل النووي.

في تركيا على سبيل المثال، توصلت في عام 2010 إلى اتفاق مع روس أتوم لبناء أربعة مفاعلات نووية من الجيل الثالث الأكثر أماناً بقدرة 1200 ميجا واط للمفاعل الواحد وذلك بالقرب من مدينة مرسين. تم الاعتماد على نظام البناء والتملك والتشغيل (BOO) كأول تطبيق لهذا النظام في تاريخ المحطات النووية. النموذج المالي يتضمن قيام روس أتوم (المستمثر الأجنبي) بتأسيس شركة محلية تابعه له تقوم بتمويل ومراقبة بناء المحطة النووية وتحمل مخاطر التمويل. يعطي الاتفاق لروس أتوم الحق في تملك 100% من أسهم شركة المشروع وتشغيل المحطة النووية والإشراف على إيقاف تشغيلها عند نهاية خدمتها، وتوريد اليورانيوم وإعادة النفايات النووية إلى روسيا. بالمقابل وافقت تركيا على شراء الكهرباء بسعر 12,53 دولار للكيلو واط من 70% من الكهرباء المنتجة من المفاعلات (1 و2) لمدة 15 سنة أو حتى عام 2030 وشراء 30% من الكهرباء المنتجة من المفاعلات (3 و 4) بنفس السعر ونفس المدة، وستدفع شركة المشروع بعد عام 2030 نسبة 20% من أرباحها إلى الحكومة التركية، وإذا كان هناك أي تأخير سيتحملة الطرف المسؤؤول عن ذلك. هذا التعقيد في النموذج وارتفاع المخاطر فيه، جعل روس أتوم تحاول تقليل المخاطر المالية في مشروعها لذا فهي تحاول بيع 49% من أسهمها في شركة المشروع. التجربة الثانية لتركيا هي المحطة النووية التي ستقام على البحر الأسود ومنحت لائتلاف ياباني فرنسي وتملكت فيه شركة الكهرباء التركية 30% من أسهم المشروع.

الإمارات العربية المتحدة بدورها اعتمدت نظام البوت BOT مع شركة كيبكو الكورية لبناء أربع مفاعلات نووية من الجيل الثالث بقدرة 1400 ميجاوات للمفاعل بكلفة 20 مليار دولار. وستساهم الإمارات بـ 10 مليارات دولار كشريك و 10 مليارات دولار من الجهات المقرضة.

مصر مؤخراً أبرمت الحكومة اتفاقاً لبناء أربعة مفاعلات من الجيل الثالث بقدرة 1200 ميجا واط للمفاعل، تتحمل روس أتوم 80% من كلفة المشروع عن طريق قرض يسدد من بيع الكهرباء وعلى مدى 35 عاماً، في حين تتحمل الحكومة المصرية النسبة الباقية وسيحاكي النموذج التركي من خلال نظام BOO .

أما بالنسبة للأردن فقد تم الاتفاق بين الحكومة والجانب الروسي على مفاعلين نوويين من الجيل الثالث الأكثر أماناً وبقدره 1000 ميجا واط لكل منهما، على أن تكون مملوكة ومشغلة من الشركة الأردنية للطاقة النووية.
كما تم الاتفاق المبدئي مع روس أتوم على أن تكون نسبة 50,9% من أسهم شركة المشروع للأردن، ونسبة 49,1% من الأسهم لروس أتوم، بموجب اتفاقية تطوير المشروع في آذار الماضي، وعلى أن يبدأ التشغيل للوحدة الأولى في عام 2024 والثانية فيما بعد.

الأردن يحاول الاحتفاظ بنسبة لا تقل عن 26% إلى 51% من أسهم المشروع، أما التمويل فسيكون مختلطاً بين المشاركة و الاقتراض debt-equity بنسبة 30-70 % وبعقد شراء الكهرباء لمدة طويلة تصل إلى 45 عاماً مع ضمان الحكومة لجزء من الاقتراض. المفاوضات تسير أيضاً مع بنك التجارة والصناعة الصيني على تمويل 50% من كلفة بناء المشروع وباستخدام التكنولوجيا الروسية. نظام البناء والتملك والتشغيل BOO سيكون المطبق على المشرروع على غرار النموذج التركي وستكون الحصص النهائية في المشروع 35% للأردن و 35% لروس أتوم و 30% للصين.

مع ذلك فإنه لم يتضح لغاية الآن ماهية النموذج المالي الذي سيحكم المشروع، الأردن سيحاول تمويل المشروع من خلال دول مجلس التعاون الخليجي ومن الممكن استخدام التشارك مع روس أتوم لضمان بيع الكهرباء وعن طريق الاقتراض. لكن الأمر ليس بهذه البساطة!!!

المشاريع النووية ذات كلفة مالية عالية بشكل عام، الكلفة الاولية للمشروع الاردني بحدود 10 مليارات دولار، لكن يجب عدم إهمال العوامل الأخرى التي تؤدي إلى زيادة الكلفة النهائية للمشروع كالمدد والتأخير وفوائد الاقتراض من السوق المالي العالمي، فالإمارات مثلاً دفعت فائده بنسبة 2,91% على قرض بـ 5 مليارات دولار لمدة 18 عاما بينما نفس الحالة للأردن ستكون النسبة 4,13 أو أعلى من ذلك على أي قرض لارتفاع نسبة المخاطر حسب التصنيف الائتماني العالمي.

أما فيما يتعلق بمتطلبات السلامة والأمان من الأخطار النووية، فيمكننا طرح آلاف الأسئلة عن ذلك؛ لكن الاهمية تكمن في هل يمكن منع أي حادثة داخل المفاعل؟ كيف ستتم إدارة المخلفات النووية ونقلها والتخلص منها؟ في الوقع، إن التكنولوجيا في عالم المحطات النووية – تصميماً وتشغيلاً- تضمن بدائل عديدة للحد من هذه الأخطار دون أي تدخل بشري.

لهذا السبب، نجد أنه في كل تاريخ استخدام المفاعلات النووية لم يكن هناك إلا ثلاثة حوادث فقط من أصل 16 الف مفاعل نووي أستخدمت على مر السنين في 33 دولة حول العالم بحسب الإحصائيات الدولية.

الأمان النووي يعتمد على تبني المعايير القوية في بناء المشروع، ووضع إطار رقابي لإنشاء وتشغيل المحطة النووية وإخراجها من الخدمة وفقاً لمعايير الأمان التي حددتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتي تقلل من نسبة الأخطار بشكل كبير.

المشكلة الرئيسية تظهر في تحديد المسؤولية أي من المسؤول عن أي حادثة أو فعل؟ روس أتوم ستعمل من خلال شركة الطاقة النووية الأردنية التي ستدير المحطة. والسؤال هنا في حالة وقوع أي حادث للمفاعل النووي هل ستتحمل روس أتوم التعويض عن الأضرار الناجمة عن ذلك بما فيها نفقات التنظيف؟ وهل سيكون هناك سقف لهذا التحمل؟ هل ستتحمل الحكومة أي أعباء مالية في هذا الصدد؟ كثير من المسائل ستكون بالتأكيد محوراً للنقاشات والمفاوضات بين الطرفين خصوصاً بعد أن صدر القانون رقم 45 لسنة 2015 والذي صادق الأردن بموجبه على اتفاقية فيينا بشأن المسؤولية المدنية عن الأضرار النووية.

ما يهمنا هو ماهية الاتفاق النهائي والصياغة النهائية وذلك بتحديد المسؤولية بشكل واضح بعيداً عن الغموض وتأجيل الحلول. تقليل الأخطار النووية يترافق أيضاً برقابة صارمة من هيئة مستقلة وقوية تراقب العمل الإشعاعي والنووي وتتجنب سوء الإدارة والتنسيق داخل المشروع من خلال الإشراف على معدلات التشغيل الفعلي لمراحل المشروع المختلفة. المملكة بحاجة إلى الاستفادة من أنظمة السلامة التي طورتها فرنسا وكندا والإتحاد الأوروبي ورفع كفاءة موظفيها ومنحهم امتيازات تحقق تطوير أدائهم الرقابي والمهني وعدم خضوعهم للتأثير والنفوذ من أي جهة كانت، أي بمعنى تحقيقي الاستقلالية القانونية والمالية الحقيقية لهيئة العمل الإشعاعي والنووي.

تستمر الطاقة النووية وبشكل منافس في تحقيق المنافع التي تنشدها الدول الراغبة في ذلك أبرزها الجانب الاقتصادي فهي مصدر حقيقي ومنافس لتوليد للطاقة الكهربائية لاستمرار المفاعل في العمل حتى 60 أو 80 عاماً في بعض الأحيان. نماذج الشراكة مع القطاع الخاص PPP تقدم فرصة للالتحاق بالنادي النووي وتسمح بتجنب الكلفة العالية لتطوير الطاقة النووية عن طريق فتح المجال أمام الاستثمار الأجنبي المباشر وتخفيف العبء على الخزينة العامة. في الجانب العلمي والتكنولوجي، يستطيع الأردن بناء قاعدة علمية من علماء ومهندسين وفنيين بخبرات عالية. في البعد الدولي، المشروع سلمي يبتعد عن تخصيب اليورانيوم ويجعل التسلح النووي شبه مستحيل. المشروع يتطلب إعداداً فنياً وقانونياً يلائم الأردن ويتفادى الآثار السلبية الناجمة عن الاندفاع للتعاقد ويحقق بذات الوقت الأمان النووي. مصداقية المشروع تعتمد على الشفافية و إتاحة وتوفير المعلومات والوثائق لتجنب التكهنات المبنية على المعلوات الخاطئه من أجل بناء الثقة مع المؤسسات التي تديره. المشروع النووي الأردني يحتاج إلى جهود حثيثة متوالية ومتتابعة في البيئة القانونية والفنية حتى يقدم نموذجاً وطنياً يخدم أهداف الدولة الأردنية.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :