facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





انتصارات العشيرة وهزائم الوطنية


د. محمد بني سلامة
23-06-2008 03:00 AM

كثر الحديث مؤخراً عن الارتداد إلى القبيلة والطائفة في المجتمع العربي الحديث، وكأن العرب قد دفعهم الحنين إلى الماضي، إلى العودة إلى مرحلة ما قبل الدولة الحديثة وبدأت تتسع مخاطر تحول النظم السياسية العربية إلى كيانات وتجمعات طائفية ومذهبية وعشائرية، الأمر الذي يثير الشكوك بجدية مشاريع التنمية والتحديث والإصلاح والديمقراطية. فعلى سبيل المثال أجمعت كافة الآراء والتحليلات التي تناولت الانتخابات النيابية التي جرت في الأردن مؤخراً على أنها انتخابات عشائرية، وأن العشيرة هي الحزب الأكبر في البلاد، وقبلها علق عالم الاجتماع المصري الشهير السيد يسين على الانتخابات البرلمانية في البلاد بأنها انتخابات قبلية، ولا يختلف الحال كثيراً عن الانتخابات التي شهدها العراق والتي كرست المذهبية وأخيراً فإن أزمة الرئاسة في لبنان كانت في احد أبعادها نتاج عوامل مذهبية طائفية.

أما على الصعيد العالمي فلا تزال العديد من الدول الأفريقية والآسيوية تدفع أثمان باهظة في مواسم الانتخابات برلمانية أو بلدية أو رئاسية نظراً لإخفاق هذه الدول في تحقيق الاندماج القومي في مرحلة ما بعد الاستقلال، ولغياب مفاهيم وقيم المواطنة وبالتالي وسيطرت الاعتبارات الإثنية والمذهبية والقبلية.

ولما كان المجال لا يتسع في هذه الحالة للوقوف على عوامل وأسباب وآثار ونتائج تراجع الدولة كمؤسسة سياسية حديثة أمام هذه البنى التقليدية طائفية أو أثنية أو قبلية، فإن الحديث عن المواطنة كوصفه طبية للعصبيات والولاءات الضيقة، قد يكون الخطوة الأولى في إلقاء أضواء كاشفة على أحد جوانب هذا الموضوع، الذي نأمل العودة إليه مرة أخرى لتناول جوانب إضافية فيه.

مفهوم المواطنة: إطلالة تاريخية

تعود جذور مفهوم المواطنة citizenship إلى الفكر السياسي اليوناني ويعني المفهوم ابتداءاً العضوية في مجتمع سياسي يكون فيه لدى الفرد القابلية على أن يحكم أو يُحكم، وهذا يعني المشاركة السياسية الفاعلة وأيضاً المساواة أمام القانون. وهكذا نجد ارتباط وثيق بين مفهوم المواطنة والديمقراطية. إلا أن المواطنة اليونانية كانت مقتصرة على فئة قليلة من السكان فالعبيد والغرباء لم يتمتعوا بها، فضلاً عن أنها أخذت طابعاً ذكورياً فقد كانت امتياز يمنح للرجال فقط. وقد اتسعت فكرة المواطنة من حيث التطبيق في الحضارة الرومانية فشملت تقريباً معظم رعايا الإمبراطورية وكذلك اتسع المفهوم من مجرد هوية سياسية وانتماء للدولة وما يترتب على ذلك من نشاط سياسي إلى الإطار القانوني.

إلا أن فكرة المواطنة قد دخلت مرحلة تحول هام بعد قيام الثورة الفرنسية، إذا أصبحت حقا إنسانياً طبيعياً يتمتع به الجميع على قدم المساواة، فقد جعلت الثورة الفرنسية المواطنة حقاً قانونياً وسياسياً بإعلانها حقوق الإنسان والمواطن The Declaration of the Rights of Man and Citizen وقد كان للأفكار التي جاء بها فيلسوف الثورة جان جاك روسو دوراً رائداً في تأكيد هذا الحق الإنساني، ففي مؤلفه العقد الاجتماعي The Social Contract حدد معالم مفهوم المواطن وحقوقه وواجباته فهو شخص حر ومستقل وكونه عضو في مجتمع سياسي، فإن له الحق في المشاركة في صنع القوانين واتخاذ القرارات التي عليه واجب احترامها والتقيد بأحكامها.

ومع تنامي النشاط التجاري وصعود التيار أو الفكر الرأسمالي، ونتيجة التناقض بين مصلحة الفرد ورغباته والمصلحة العامة أو مصلحة الجماعة فقد تقلص مفهوم المواطنة إلى الإطار القانوني بحيث أصبح يعني مجموعة الحقوق الطبيعية التي تتضمن الحريات الفردية مثل حرية التعبير وحرية الاعتقاد وحق الملكية الخاصة والحق في العدالة وغيرها من الحقوق والحريات التي يمتلكها الفرد في مواجهة الدولة وتسلطها.

وفيما يخص العالم الإسلامي في هذا الإطار فإن غياب فكرة المواطنة وانقسام المجتمع إلى رعايا وأهل ذمة وطوائف وملل ونحل قد لعب دوراً هاماً في انقسام وضعف وتفكك دولة الخلافة العثمانية حيث برزت إلى السطح فكرة الأقليات أو ما سمي حين ذاك بالمسألة الشرقية الأمر الذي أدى إلى فتح الباب أمام التدخل الأجنبي السافر في شؤون الإمبراطورية العثمانية بحجة حماية حقوق ومصالح الأقليات واليوم يعيد التاريخ نفسه فقد أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية حامية حقوق الأقليات في العالم بشكل عام والوطن العربي بشكل خاص.

وفي مرحلة لاحقة تطور المفهوم نتيجة عوامل متعددة منها العولمة والهجرة العالمية وظهرت أشكال جديدة للمواطنة مثل المواطنة ما بعد الوطنية Post national Citizenship والمواطنة العالمية Global Citizenship والمواطنة الاقتصادية Economic Citizenship وغيرها من المفاهيم التي تدل على أشكال جديدة من المواطنة.

المواطنة والديمقراطية:

تاريخياً كان ميلاد الديمقراطية مرتبط بفكرة المواطنة وفي مرحلة لاحقة لعبت المواطنة دوراً حيوياً في نشوء وتشكيل المجتمعات الليبرالية الديمقراطية ولاسيما في ديمقراطيات أوروبا الغربية مثل بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية. فالمواطنة البناءة مواطنة مشاركة تمثل شرط تقدم المجتمع نحو تعزيز الديمقراطية، فهي قيمة و سلوك يتمثلان بضرورة المشاركة في الحياة العامة. ولا شك أن قيم وسلوكيات المواطنة تتجذر بتطور المجتمعات ووعيها وإيمانها بحقوقها وواجباتها.

وهذا يستدعي وجود المؤسسات الديمقراطية وعلى رأسها مؤسسات المجتمع المدني من أحزاب ونقابات ومنظمات أهلية وغيرها من المؤسسات التي تقلل من هامش التبعية للسلطة وتشكل مجال للمواطن للمبادرة والمشاركة وتحمل المسؤولية، فالمواطن في النظام الديمقراطي شريك أساسي في اللعبة السياسية. وهو في سعيه نحو مزيد من الحرية والمساواة والكرامة يجسد المعنى الحقيقي للمواطنة ويسهم في بناء دولة الحق والقانون والمؤسسات الأمر الذي ينعكس ايجابياً على مسير الديمقراطية في النظام السياسي.

المواطنة والهوية:

إن الهوية هي ضرورة لا غنى عنها للمواطنة إذ لا بد من نظام سياسي للمواطنين يحدد أسس التفاعل وينظم العلاقات بينهم وبين أيضاً حقوقهم وواجباتهم. فالهوية هي بمثابة المنظار الذي يرى من خلال المواطنين الأحداث والتطورات وكذلك المشاكل والتحديات التي تواجه الوطن وهكذا تصبح الهوية المعيار الذي يمكن من خلاله تحديد مصالح الوطن واحتياجاته. فعلى سبيل المثال لو نظر أهل السودان إلى مشاكلهم من منظار أنهم سودانيين بغض النظر عن أية اعتبارات أخرى كالعرق واللغة والدين وغيرها لكان الوصول إلى حل لمشاكل السودان المتعددة أكثر سهولة ويسر ولتفادى السودان مشكلة التدخل الأجنبي فالهوية الوطنية تجمع السودانيين بينما العوامل الأخرى تفرقهم. كما أن غياب الهوية الواحدة الجامعة في أي نظام سياسي ديمقراطي أو تسلطي هي بلا شك دافع للتنازع والاختلاف وعدم الاستقرار. كما أن تعدد الهويات داخل الوطن الواحد يودي إلى إضعافه وتمزيقه فلا مكان في الوطن الواحد إلا لهوية وطنية واحدة، ولسنا بحاجة لذكر الأمثلة في هذا الصدد لإثبات صحة هذه الحقائق.

أخيراً، المواطنة في مواجهة الطائفية والأثنية والقبلية والجهوية.

إن السؤال الذي يثور في الذهن الآن كيف يمكن لمفهوم او قيم المواطنة أن تجد مكاناً لها في الدولة أو المجتمع الذي يعاني من تعددية عرقية أو لغوية أو دينية أو قبلية أو جهوية، وما يترتب على هذه التعددية من تنافس وتنافر وانقسام وعدم تجانس في المجتمع أو الدولة الواحدة؟ أو بلغة أخرى كيف يمكن أن نحافظ على الوحدة والانسجام كمواطنين في الدولة في إطار التنوع والاختلاف؟ إن هذه الإشكالية التي تعاني منها معظم دول العالم الآن ولاسيما في ظل تنامي أعداد المهاجرين يمكن التغلب عليها بالعودة إلى التجارب الماضية. فعلى سبيل المثال واجهت هذه المشكلة الولايات المتحدة الأمريكية في الماضي فقد كانت مشكلة الزنوج تمثل تحدي كبير للمجتمع الأمريكي ولاسيما إنها كشفت عن زيف الديمقراطية الأمريكية حيث كان الزنوج لا يتمتعون بكثير من حقوق المواطنة، إلا أن الولايات المتحدة نجحت في تجاوز هذه المشكلة باستخدام الأساليب الديمقراطية، فالحوار والعدالة والثقافة المدنية وسيادة حكم القانون والاتفاق على قواعد اللعبة السياسية هي االطريق التي سلكته الولايات المتحدة في سبيل حل مشكلة التعددية العرقية ( مشكلة الزنوج) وبالتالي تعزيز الوحدة الوطنية وتثبيت دعائم النظام الديمقراطي.

فالولايات المتحدة اليوم هي أمة واحدة رغم أنها تكونت في الأصل من أجناس متعددة وديانات متباينة ولغات مختلفة وثقافات متناقضة لكنها صهرت كل هذه المتغيرات في بوتقة واحدة وجعلتها شيء واحد متجانس أو ما يعرف بـ Melting Pot ويمثل نجاح المرشح الديمقراطي باراك أوباما في الترشيح لمنصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية في الانتخابات القادمة قمة التجسيد لمفهوم المواطنة. فهذا المواطن ذو الأصول الأفريقية غير البعيدة قد يصبح الرجل الأول في الولايات المتحدة الأمريكية.

ولاحقاً نجحت كل من الهند وجنوب أفريقيا في تجاوز مسألة التعددية الطائفية فيما أخفق عدد غير قليل من دول العالم الثالث في ايجاد حلول لهذه المشكلة.

وهنا فإن المرء يتساءل عن سر إخفاق المجتمعات العربية في الاستفادة من تجارب الشعوب التي سبقتنا في هذا المضمار؟ ان ضعف الانتماء الوطني وغياب الديمقراطية وعدم احترام حقوق الإنسان في العالم العربي يلعب دوراً أساسياً في إضعاف مفهوم وقيم المواطنة وبالتالي تكريس النزعات والولاءات الضيقة عرقية أو لغوية أو دينية أو قبلية، ذلك أنه أما القوة التدميرية الهائلة للدولة يضطر المواطن إلى الارتداد أو القبيلة أو الطائفة أو الإقليم، الأمر الذي ستكون له أثاراً كارثية على مستقبل هذه المجتمعات، فهل نعيد صياغة هويتنا الوطنية على أساس قيم المواطنة؟ إن هذه مسؤلية تقع على عاتق الدولة والمجتمع معاً ولاسيما ان مصلحة الطرفين تقتضي تعزيز قيم وسلوكيات المواطنة، ذلك أنها السبيل الأقصر والضمانة الأكيدة لتنمية المجتمع سياسياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً وعلاوة على ذلك إدارة أوجه الاختلاف فيه وفق قواعد اللعبة الديمقراطية وأيضاً مواجهة التحديات الداخلية والخارجية بواسطة جبهة وطنية واحدة.

وختاماً يمكن القول أن جوهر فكرة المواطنة هو المشاركة والمبادرة والتفاعل مع الواقع وهنا فإن على المثقفين دوراً هاماً في هذا السياق إذ لا يجوز للمثقف أن يصمت أو يغيب أو يُغيب ولا سيما حينما يتعلق الأمر بقضايا الوطن أو المواطنة أو المسائل التي تثير اهتمام الرأي العام ولا شك أن المشاركة في مؤسسات المجتمع المدني وعلى رأسها الأحزاب السياسية هي الخطوة الأولى في هذا المجال ذلك ان الأحزاب السياسية هي عماد الديمقراطية لا بل العداء للأحزاب السياسية هو عداء مبطن للديمقراطية، نأمل أن تبقى هذه الأفكار حية في الذهن، دافعة إلى انجاز هذا العمل العظيم، وإلى اللقاء.




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :