الأربعاء المشؤوم .. ذكرى تستحق الألم والفخر .. عبير حسن العاني
15-11-2008 09:15 PM
أعتدنا على الاستيقاظ على صوت دوي قوي..لتتوالى بعد ذلك كل أنواع الأصوات المروعة في مسامعنا.. نعم هكذا كانت حياتنا نحن العراقيين في بغداد.. أذكر انني كنت أقول لوالدي لا داعي لأن أضبط المنبه فسوف أستيقظ عند الثامنة تماما على صوت انفجار - حيث يدرك القتلة الإرهابيون بأن هذا الوقت هو وقت الذروة لزحمة الناس في الشوارع والطرقات والوزارات والمباني الحكومية- وتستمر بعد ذلك سلسلة الأنفجارات التي لم نكن نظن أن لها نهاية.
تعايشنا مع أصوات الخوف وعويل النساء ودعوات الشيوخ واللعنة التي يرجوها كل أنسان يحمل ولو ذرة انسانية على كل قاتل مجرم استهتر بدماء البشر. أتذكر كل ذلك يوميا بل واجتره مع سماعي كل خبر ينقل – ببساطة- عبر القنوات الفضائية عن وقوع العشرات من القتلى والجرحى في وطني.ولكن ما يثير دهشتي ولعله أثار دهشة كل عراقي يعيش هنا على أرض المملكة الأردنية الهاشمية،هو أن ما حصل في ذلك الأربعاء الأسود المشؤوم كان له وقع خاص على نفوسنا وكأننا لم نسمع يوما أي صوت لدوي انفجار أو حتى سمعنا بخبره.
أتذكره دائما بمرارة يوم 9 تشرين الثاني 2005.. كنت أجلس وحيدة في البيت وجاءتني رسالة من خالتي التي تعيش في السويد تطمئن علي وهي بأشد حالات القلق.. لم أصدق ما قرأت حيث أنني كنت أشاهد فيلما أجنبيا ومندمجة مع أحداثه الرومانسية التي أعشق! قلت في نفسي (( ما بها خالتي.. هل رأت كابوسا؟أم تراها تظن أنني ما زلت في بغداد؟؟؟)) وأستثارت الرسالة الأنسانة فيَّ والصحفية، وفي ثانية واحدة قفزت من قناة الأفلام الى قناة الأردن لأُفجع بما رأيت!!! لم أكن أصدق أن يد الإرهاب اللعينة ستصل يوما الى أحضان هذا الوطن الذي ينبض بالأمن والأستقرار.
أتصلت ببعض الأصدقاء هنا وهناك فأكدوا لي الخبر الذي لم تصدقه عيني!!! تساءلت: ما الذي انفجر؟ فصعقت أكثر حين علمت بتفاصيل الفاجعة... فنادق تستوعب كل الناس وكل الجنسيات، وإذا كان المستهدفون في الحادث هم الامريكيين فلقد كان عدد ضحاياهم أربعة فقط اثنان منهم من أصول عربية أحدهما المخرج السوري العالمي مصطفى العقاد الذي أوصل (الرسالة) الإسلامية بأبهى صورها إلى المجتمع الغربي ،وكان من بين الضحايا بالإضافة إلى الثلاثة والثلاثين أردنيا 6 عراقيين ، 5 فلسطينيين، وإثنان من فلسطينيي الداخل (عرب 48)، وبحرانيين، وثلاثة صينيين مندوبون عن جيش التحرير الصيني، وسعودي واحد ومواطن إندونيسي واحد. وكان من بين الضحايا الفلسطينيين العقيد بشير نافع، رئيس الإستخبارات العسكرية في الضفة الغربية، والجنرال عبد علون، وجهاد فتوح أخ الرئيس الفلسطيني المؤقت سابقا روحي فتوح والملحق الإقتصادي في السفارة الفلسطينية في القاهرة، ومصعب خورما، الرئيس التنفيذي السابق لشركة الإتصالات الفلسطينية، كما كان أحد فلسطينيي الداخل هو حسام فتحي محاجنة. ثم بدأت التفاصيل تتلاحق ليزداد وقع الصاعقة على القلب التعِب (( حفلة عرس لشابين))!! يا إلهي .. معقول؟؟؟ لم يستطع خيالي رغم عمقه الخيالي أن يرى المشهد..أجمل يوم في حياة شابين يتحول الى أتعس يوم بل وقد يخلق عقدة أزلية لشابين أرادا العيش معا وفقا لتعاليم الشريعة الإسلامية، وربما تمتد لكل أفراد الأسرتين المنكوبتين.
حاولت الخروج تلك الليلة لأرى بأم عيني ما اسمع كي أستوعب هول الحدث.. لكن بعض الأصدقاء نصحوني بعدم الخروج خاصة وأنا أسكن قرب فندق الريجنسي الذي تجمع فيه رجال الأمن حاله حال كل فنادق عمان التي شللتها الحيطة والحذر تحسبا لوقوع انفجارت محتملة حيث تلا الانفجار الأول الذي حدث في تمام الساعة التاسعة و النصف مساء في التوقيت المحلي لمدينة عمان في مدخل فندق الراديسون ساس انفجار آخر في فندق حياة عمان ثم بعدها بدقائق تم إستهداف فندق دايز إن.
أمضيت تلك الليلة مع قناة الأردن الفضائية والجزيرة والعربية، لكن قلبي كان هناك مع ذوي الضحايا وأصدقائهم وأحبائهم. فنحن العراقيون نفهم جيدا ما معنى أن تفقد عزيزا بلمح البصر.. ونشعر جيدا بكمية الحقد والتعجب التي تملأنا تجاه من يحرمنا منه. لماذا الأردن؟؟؟ تساءت كما فعل الجميع... دليل آخر على غباء المجرمين، ظنوا أن ذلك سيزعزع أمنه واستقراره.. لكن العكس هو ما كان .. وما رأيته بنفسي يوم 10 تشرين الثاني.. قررت أن أخرج بعد ليلة لم ينام فيها الجميع ليكون ذلك أول دليل على تلاحم الشعب وولائه ووحدته.
أذكر لحظة خروجي من البيت جيدا .. شممت رائحة بارود تكاد تتآمر على نقاء أحلى مناخ شاهدته في حياتي. بكيت .. نعم وكثيرا.. وأنا أصرخ بملء دمعي((حرام .. والله حرام.. ألا يكفي العراق؟؟؟ الأردن أيضا؟؟؟ حرام أن أشم رائحة البارود في هذا الوطن الذي لم يخلق الأمان الا له)). ومشيت لأرى أعلاما تمسح بقوة دموعي هنا وهناك.. كانت السيارات كلها حمراء وخضراء وبيضاء.. حيث كانت الوان العلم الأردني تغطي كل شيء.. لتلعن أندحار الواهمين الخائبين الخاسرين.
أقول ومعي كل العراقيين الذين يتنعمون منذ سنوات بأمن وكرم هذا الوطن الذي قاسمنا فرحنا وحزننا وحاول جاهدا أن ينسينا غربتنا.. لا نريد أن ننسى ذلك الأربعاء، على العكس سنبقى نستذكره بفخر رغم الألم وبفرح رغم الحزن، وبانتصار رغم الخسارة.. فهو يوم خسرنا فيه دماء شريفة طاهرة ، لكنها خطت بأحرف من نور بيد كل أردني وكل عربي يعيش على أرض الأردن(( الأردن أولا)).
missiraq2002@hotmail.com
عبير العاني- كاتبة وصحفيةعراقية / عمّان