facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





نبيل عناني .. أعمال كاشفة تذكر، تقاوم، تحرس الوعي، وتحلم!


نصار إبراهيم
16-08-2017 03:00 AM

نبيل عناني اسم يتردد كثيرا في ذاكرتي، فهو من الجيل الذي حمل هموم الفكرة والثقافة في مراحل مبكرة وصعبة، فهو من الرواد الأوائل الذين ألقى عليهم التاريخ مهمة التأسيس للفكرة والانشغال بهمّ الثقافة والفن.

لهذا وكما أعرف، لم يكن نبيل عناني فنانا معتكفا يمارس هوايته وجموحه في عزلة خاصة، بل كان كما غيره من المبدعين والمثقفين الفلسطينيين يقف في ميدان مسؤولية الفكرة والثقافة التي تأخذهم دائما ليتجاوزوا الواقع وذاتهم لما هو أبعد.

كان ذلك لأن فلسطين التي اغتصبت واحتلت وتشرد أهلها شكلت خافية الخوافي في حياة أي فنان أو مثقف فلسطيني حقيقي يعيش آلام اللحظة والتاريخ، كما يواجه تحديات الواقع ويبني أحلام المستقبل وكأنه يصعد دروب الجلجلة، وبالتالي فهو يعيش ويحيا فكرة المقاومة كأمر أو شأن عادي... فلسطين لا تمزح مع أبنائها، بل تلقي بهم في قلب المواجهة.. وتقول لهم هناك تعلموا أن تكونوا.. وغير ذلك لستم جديرين بي.

لهذا من يلقي نظرة على سيرة الفنان والنحات الفلسطيني نبيل عناني سيجد نفسه أمام حالة فعل شاملة ما بين الرسم والنحت واحتضان المواهب ودعم المبادرات وتدريس الفن وتأسيس الروابط الفنية وصولا إلى رئاسة رابطة الفنانين التشكيليين الفلسطينيين في الضفة والقطاع.

لا أدعي أن هذه المقالة الكثيفة هي دراسة شاملة لتجربة وأعمال الفنان الفلسطيني نبيل عناني، فهي تجربة طويلة ممتدة في الزمان والمكان، إنها مجرد مقاربة تشبه الإضاءة عن فنان فلسطيني لا يزال يفعل حتى اليوم، وتجربة تستحق الاحتفاء والاحترام.

من اللطرون إلى حلحول، البلدة الفلسطينية الصاعدة نحو السماء على مسافة نبضة قلب من الخليل، ومسافة نظرة عين من القدس، ومسافة وعي من يافا وحيفا والجليل، من هناك نهض نبيل عناني، هناك تشكل وعيه البكر حتى قبل ان ينطق الأبجدية، هناك تفتحت حواسه، وتفاعلت وانفعلت مع المنحدرات وكروم العنب والتفاح، هناك طارد العصافير وهو يتمرجح بين دالية ودالية... وفيما كان يكبر كانت ذاكرته وحواسه تحصن ذاتها فتخزن ما تيسر من مفردات المكان والطبيعة، كان حدسه يصبح أكثر رهافة وحساسية... وحين اندلعت تجربته راح يعود لكل هذا الخزين، فيعيد بناءه ويطلقه على شكل أعمال فنية بجمالية خاصة.

رحت أتأمل بعض أعمال الفنان نبيل عناني التشكيلية، بهدوء وصمت، وكان السؤال: ما الذي يريد أن يقوله لنا؟.
ما هي الفكرة أو الأفكار الحاملة لتلك الأعمال التشكيلية؟.

بطبيعة الحال لم أسأل الفنان نبيل عناني عن ذلك، كون الإجابة هي شأن من يتابع هذه الأعمال ويتذوقها ويتفاعل معها ويستنطقها ليفهم.

من هنا قاربت بعض تلك الأعمال، أو لنقل تفاعلت معها، فأحسست أنها بصورة ما تشدني من يدي وعقلي وتأخذني إلى تلك الأبعاد العميقة التي تعبر عنها الألوان وإشغال المساحات برموزها ودلالاتها البعيدة.

في أعماله البانورامية عن القدس مثلا نجد تركيزا وتحشيدا مدهشا للأبنية من بيوت وقباب ومساجد وكنائس ونوافذ وأبواب وأقواس واشجار سرو صاعدة، نجدها تتلاصق وتعانق بعضها بعضا وكأنها توغل في التوحد، وكأنها تتوقع تهديدا أو خطرا ما، لهذا فهي تتقارب حتى تبدو وكأنها قوة واحدة، ولكي يعطي الفنان عناني لهذه الخافية عمقا فاعلا فإنه يستحضر أهل المكان من نساء شامخات بثياب فلسطينية ورجال وأطفال يحرسون المكان.
هذا التشابه في تفاصيل المكان والناس، وهذه الرمزية تحمل دلالتين:
الأولى أن من يستهدف المكان الفلسطيني بذاكرته وتفاصيله وناسه يرى في كل هؤلاء هدفا له، لا يفرق بين الأعمار والتكوينات والاعتقادات الدينية فكلهم فلسطينيون يجب التخلص منهم.
والدلالة الثانية أن الفلسطينيين بدورهم يتوحدون عفويا هكذا، ذلك لأن وعيهم وتجاربهم المرة تذكرهم أن تماسكهم هو شرط وجودهم وبقائهم إذا أرادوا الحفاظ على هذا الوجود كمكان وعلاقات وذاكرة وحضارة.
هذه الفكرة تبدو أكثر وضوحا حين نقف أمام أحد أعمال نبيل عناني حيث يحيط الناس بالمسجد الأقصى بصورة تشبه حالة دفاع مستميت، هنا تتراجع تماما التباينات والاختلافات نساء ورجال وأطفال متدينون وغير متدينين، حالة توحد موضوعية تفرضها حالة الاشتباك، وغير ذلك هو الفناء في مواجهة تدور مع مشروع اقتلاعي استيطاني يدعي ملكيته لكل شيء في فلسطين، هنا لا مكان لترف الاقتتال على التفاصيل، فاللحظة متوترة وقاهرة منذ النكبة الأولى وما قبلها وما بعدها، لكل هذا فإن رد الفعل المنطقي والغريزي والواعي هو التراص لكي تكون المجابهة مجدية.
في أعمال أخرى نجد نبيل يدفع الفكرة في الوعي أكثر عمقا وأكثر تأثيرا، يبدو ذلك واضحا في أعماله التي يجسد فيها منحدرات وسفوح ممتدة حتى الأفق الأبعد مغمورة بأشجار الزيتون التي تتناثر في فضاء المكان.. لقد شعرت وأنا اتأمل هذه الأعمال بإحساس عميق من الشجن الذي يأتي هادئا في البداية ثم يبدأ باحتلال الوعي شيئا فشيئا حتى يصل إلى لحظة صمت مدهشة وعميقة.
لوحات مدهشة، تبدو للوهلة الأولى وكأنها تجسيد لمشاهد طبيعية جمالية، قد تكون كذلك من زاوية ما، ولكن ما لفت انتباهي أكثر هي القوة السارية المضمرة في هذه الأعمال الإبداعية، قوة تدفع المتلقي وخاصة الفلسطيني إلى السفر في المكان والذاكرة وكأنه يذهب في رحلة عودة باسلة إلى سفوح ومنحدرات وطن لم يعد بمقدوره الوصول إليه، إنها عملية ذكية لإعادة شحن الذاكرة، كما تعني في أحد أبعادها تذكير الفلسطيني ببديهة حاسمة: حذار أيها الفلسطيني وأنت تكابد وتكافح من أجل تفاصيل الحياة أن تنسى فتأخذك اللحظة من سياقاتك، فلا تعود ترى أكثر من خطوة واحدة، تذكر أن لك وطن من مدى وأفق ، وطن يشبه أغنية ترحل مع السفوح وهي تراقص أشجار الزيتون، وطنك أكبر من اللحظة وأوسع وأجمل... لهذا فإن نبيل عناني في بعض هذه الأعمال يأخذ الحشود إلى تلك المنحدرات ويطلقها هناك، يأخذها لكي ترى وتعيش وتتذكر وتتعلم .
أما في أعماله التي تتكئ على التراث فإنها تذهب أبعد وأبعد، إنها تعود للبئر الكنعانية الأولى.. وهنا بالضبط تتجلى المرأة الفلسطينية معادلة للإلهة الكنعانية عناة، إلهة الحب والحرب والصيد والخصب، آلهة باسلة مقاومة رحيمة قاسية ومقاتلة، تعطي بلا حدود، لكنها لا ترحم من يتطاول على مقدسها.
تعاويذ يعبر عنها التطريز الفلسطيني على الأثواب، أثواب حارسة للجسد والوعي، أناقة مدهشة، هنا يبدع نبيل في التفاعل مع هذه الأبعاد الأسطورية التراثية، والهدف يتجاوز هنا التعبيرات الجمالية على أهميتها إلى ما هو أبعد، إنه الرد على رواية صهيونية تستهدف احتلال المكان وذاكرته وتشويهها، فيذهب نبيل لميدان المواجهة فيستحضر التاريخ والرموز الحضارية الكنعانية ويدفع بها لميدان الاشتباك، وكأنه يقول نحن هنا حتى قبل ان تكون الآلهة.
وهكذا تتكاثف الخيوط الناظمة لمشروع نبيل عناني الفني الثقافي، مشروع ممتد يحاول أن يغطي مساحات الصراع، أن لا يترك زاوية دون مجابهة واشتباك، فالطبيعة تقاوم وتبرهن على فلسطينيتها، والتراث والأسطورة يعيدان الجذور إلى خوافيها الكنعانية البعيدة، والناس قوة حاملة ومقاومة بالمعنى المباشر والثقافي، أشجار الزيتون عنصر لا يخلي مكانه، يمتد ليحرس الأرض والمنحدرات، وكأنه يعد الزيت منذ الأزل لتبقى فلسطين تضئ... مدن وبيوت وأزقة أيضا تقاوم على طريقتها...
بعد هذه الرحلة الممتعة في أعمال نبيل عناني قلت في نفسي هذا فنان فلسطيني يرسم لذاكرة المستقبل، لهذا فإنه وهو يقوم بذلك فهو يقدمه بصورة جمالية مدهشة، تحمل فكرة مدهشة، وهي أن الفلسطيني في كفاحه المضني الطويل، كان يحلم بفلسطين التي يتمنى ، فلسطين الذاكرة من جانب وفلسطين المشتهاة من جانب آخر...
بمعنى أن فلسطين المشتهاة هي ذاتها فلسطين المستقبل المتخيلة، ولهذا يجب أن تكون جميلة بهية حرة ممتدة وأصيلة، أي فلسطين التي تعيد للفلسطيني روحه وذاكرته وانتماءه وحريته، فلسطين التي هي نقيض كل ما عاشه الفلسطيني من قهر وتشريد وويلات، كل ما واجه من ملاحقة ومطاردة وإهانة وإذلال هنا على يد منظومة الاحتلال أو على يد أنظمة القهر العربية، فلسطين التي هي نقيض كل خيبات وانكسارات الفلسطيني... فلسطين التي تليق بكل هذه التضحيات.
هكذا تحضر أعمال نبيل عناني لتشكل قوة دافعة للوعي وتشحذ الروح بالجمال، ولكن أيضا وبذات القوة تقوم بحراسة الفكرة وتحصين الذات الفلسطينية العميقة.
أعمال كاشفة... تذكر، تقاوم، تحرس، تحشد، تحلم وتؤكد على ركائز هوية وطنية إنسانية فلسطينية فاعلة، وفي ذات الوقت تنبه الفلسطيني إلى مسؤوليته العميقة بصد أي محاولة أو ثقافة أو ممارسة أو سلوك يستهدف المساس بأعماقه الجميلة والهبوط به إلى مجرد طوائف وفسيفساء متناثرة متناقضة لا يجمعها جامع، وبهذا فإنها تذكره بأن هزيمة الاحتلال واستعادة الوطن والمكان والحقوق تشترط وعي الذات بصورة عالية، أين منها حالة التمزيق والانقسام والانتهازية والفساد والإفساد.. وضيق الأفق وثقافة الاستهلاك والأنانية.
• الفنان التشكيلي الفلسطيني نبيل عناني من مواليد مدينة اللطرون عام 1943 بفلسطين المحتلة، خريج قسم التصوير الزيتي في كلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية عام 1969، وحاصل درجة الماجستير من قسم الآثار الإسلامية بجامعة القدس عام 1998، عضو مؤسس لرابطة الفنانين التشكيلين الفلسطينيين عام 1975، ولجنة الأبحاث والتراث الشعبي الفلسطيني في جمعية إنعاش الأسرة، ومُشارك في تأليف كتاب الأزياء الشعبية الفلسطينية ودليل فن التطريز الفلسطيني وساعد في إقامة المتحف في الجمعية 1984، عمل ضمن طاقم تطوير الحرف اليدوية الفلسطينية في جامعة بير زيت عام 1985، عضو جماعة التجريب والإبداع ومؤسس لمركز الواسطي للفنون الجميلة بمدينة القدس، حاصل على مجموعة من الجوائز، أقام معارض شخصية ومشتركة داخل فلسطين المحتلة والوطن العربي والدولي.




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :