facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




بين دفتي غياب


احمد حسن الزعبي
05-03-2018 01:08 AM

أمضى العمر جالساً في جزيرته لا يقطع بحر الإسفلت الا نادراً ، متوارياً في «كشكه» عن فوضى العيش ،ونميمة السياسة ، وازدحام الهموم على شارع الحياة ، كان «روبنسون كروزو» الثقافة، يضرب سياجاً من الصمت على عالمه الخاص، مشغولا بترتيب كتبه على الرصيف وفوق الرفوف ، وسعيد أنه الناجي الوحيد من هذا الضنك ،ولا يفكّر أبداً ببناء سفينته نحو الإبحار.

هشام المعايطة وريث مكتبة «خزانة الجاحظ»..وحارس التاريخ العمّاني القديم..رحل ، تاركاً خلفه كرسيه البسيط المُناظر لبنايات عمّان القديمة ، وقطّته التي كانت تقفز فوق الكتب لتتكوّر قربه ، وعشرات الآلاف من يتامى المجلّدات..رحل هشام واحزن كل «الحجّاج» الذين كانوا يطوفون بــ»كشكه» كل يوم يستعيرون الكتب او يستبدلونها أو يلتقطون صوراً معه لأنه ورّاق عمان القديم والمتواضع والنديم القريب لكل من يريدون ان يضعوا أرجلهم في «كار الأدب»..

* * *

أنا لا أؤمن بالتطير ولا بالتشاؤم ، لكن عندما احترق مستودع مكتبة الجاحظ قبل شهر تقريباً واستحال أكثر من عشرة الآف كتاب إلى رماد ،وذابت العناوين وعرق المؤلفين في فم اللهب ، وضعت يدي على قلبي ، لم أكن أفكّر برحيل هشام المعايطة وقتها ، كان خوفي على عمان نفسها..بالأمس عندما قرأت نعي الراحل هشام المعايطة عرفت أن الكتب كانت فِراش رحيله، وان ما سبقه إلى الغياب من عناوين نادرة وكتب قيمة ما هي الا «حور عينه» التي أبت إلا أن تسبقه إلى الرحيل..

محزن منظر الكشك الذي يعجّ بالحياة كل يوم، أن يلف «بستار» الموت ويواري جثامين الكتب عن قرّائها ، وان لا تجد الرفوف من يريح ازدحامها ، والحبر الوفي سيسيل دمعاً أسود من بين الصفحات ونبرره نحن العاديون أنه «سوء طباعة»..وتلك القطة التي أتلفت آلاف المجلدات وجلست في حضن هشام فلم ينهرها ولم يطردها بل كافأها بأصابعه تهدئ من خوفها عندما لاحقتها السنة اللهب..ستفتقد هشام وستفتقد «فروته» ولحيته الكثة ورائحة دخانه الذي كان يشعرها أن ما زال في البشر من يحبّون الحياة..

رحل هشام الجاحظ مزفوفاً بالآف العناوين وآلاف المؤلفين يمشّون خلفه ويحملونه على أكفّ الشكر والامتنان..رحل هشام مكفّناً برائحة الورق ليوارى بين دفتي غياب..لأنه سادن الثقافة ولأنه وجه الكتاب..

الرأي





  • 1 عادل حواتمة 05-03-2018 | 07:38 AM

    شكرا جزيلا اخ احمد ورحمة الله عليه جاحظنا

    بدنا مقالات من هضولاك تبعات ابو يحيى وبكيت الجولدستار

  • 2 abdalla 05-03-2018 | 07:49 AM

    حقيقة يا استاذ احمد انك كاتب رائع لااحد يستطيع الكتابة بكل الالوان مثلك...في السياسة,الهزل,العامية....وها انا اقرأ لك في الرثاء...كلام رائع ...رحم االله الرجل


تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :