facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





فنّ التنازل


ربا زيدان
14-06-2009 01:37 AM

جميعنا نأتي الى هذه الحياة محمّلين بالعديد من الآمال والأحلام، وتمتلئ قلوبنا بالأماني والرغبات التي لا يساورنا أدنى شك في امكانية تحقيقها..حتى لنكاد أن نلمسها بأصابعنا لشدّة تفاؤلنا ، أو براءتنا..أو في بعض الأحيان، سذاجتنا.. ولكل من اولوياته التي يعتقد جازما أنه لن يتنازل عنها مهما حدث، ويحميها داخله، واعيا أو دون وعي..لكيلا تتحطم عند أول عائق حقيقي تفرضه مجريات حياتنا.

جميعنا نأتي وفي قلوبنا ايمان راسخ بأن حياتنا باكملها لنا..وأنها ستمنحنا جل ما نريد، كيفما نريد ووقتما نشاء. لكن هذا التفاؤل المميت سرعان ما تمتصّه الايام ليتحوّل بالتدريج الى رغبة خجلى تتشبث بالاضلع..أو استخفاف جاد بالأحلام البكر، وقد ينتهي عند البعض بوهم كبير يظّل يطارده ويفقده روعة تأمل الأشياء الاخرى التي وهبته اياها الحياة..ويبقى أسيرا لحلم أو أمل لم تظهر بعد بوادر تحقيقه..
جميعنا نأتي برغبات شتّى واحلام كبيرة ..لكن البارع منّا هو من تلقنّه الدنيا أبجديات فن التنازل. أبرعنا هو من يتعلم سريعا لعبة التأقلم مع الظروف لا البكاء على الاطلال.. أعتقد أن أولئك الذين يتقنون فن التنازل المحسوب مبكرا يحققون أكبر قدر من المكاسب التي يريدونها. فنحن ندرك متأخرا أن الحياة للأسف ليست بالعذوبة التي تخيلناها حين كنا صغارا ولا بالسهولة التي اعتقدناها قبل أن نضطر لمواجهة تحدياتها الكبيرة ..واحدا تلو الأخر..نحن ندرك بالتدريج أثناء مسيرتنا أنه لا بد من التخفف من حمل الأحلام المؤجلة التي تؤرق مضاجعنا كل يوم، تعلمنا الحياة أن جزءا يسيرا جدا من الرغبات الأولى تلبى وما تبقى لنا الخيار اتجاهه اما أن نعتقه من صناديق قلوبنا أو نبقى أسرى لوهم تحقيقه.

نعم... بارعون هم من يتقنون فن التنازل، فمن الصعوبة بمكان – على الأقل بالنسبة لي- أن أقرر عمّا سأتخلى أولا..هذا ان استطعت. فكل حلم من أحلامي قد لبث معي زمنا طويلا..كل رغبة وكل امل امتدت جذوره ضاربة في القلب، حتى يهيئ لي اننا نولد مطبقين باكفنّا الغضّة على باقة الأماني تلك,, والتي ما تلبث أن تتسرب من بين أيدينا المتعبة يوما بعد يوم..

لهذا كله، أعتقد أن التنازل بحد ذاته فن. فبعض التنازلات غير المحسوبة قد تفقد المرء جزءا من كرامته أو شخصيته أو حتى احترامه لذاته..ولهذا يجب علينا أن نتعامل مع مثل هذه المعادلة بذكاء..عمّا نتنازل..ولمن؟ وبأي ثمن؟ هل من الممكن أن نحقق ربحا ما في تنازلات كهذه؟ أو يعدّ التنازل ضربا من القوة أو نوعا من الضعف؟

نأتي مشحونين بآمال بحجم السماء..وقناعة أكيدة بأن اجنحتنا قادرة على الطيران..وبأن الشمس ستكون حانية علينا..لكننا لا ندرك مدى شدة الريح الا عندما نكبر قليلا.. أنكبر حقا؟ أم أن أحلامنا هي التي تشيخ وقلوبنا هي التي تذبل؟
بارعون هم جدا من يستطيعون أن يحددوا بسهولة عمّاذا بامكانهم أن يتنازلوا وبأي ثمن.. فبعض التنازلات قد تكون أغلى من غيرها ..واعظم. بعضها قد يفتح أبواب للحياة امام الآخرين.. فقد يتخلى البعض عن حلم بشهادة لاطعام افواه..وقد يترك البعض أرضا يرى فيها براعم احلامه ليكون بقرب من يحتاجه اكثر..وقد يترفع الغير عن وعد بالثروة لكسب احترام الذات.. أنا اعلم أن تنازلات كهذه هي قوة جبارة وليست ضعفا..
بعض التنازلات رغم هذا قد تكون قاتلة..
حين نتنازل عن حقنا في الحرية لارضاء رغبات شخص..حين نغلق نوافذ الهواء الطّلق لتعزيز شعور أحدهم بالسيادة..
حين نضطر الى ربط اقدارنا بأول عابر طريق خوفا من الوحدة..
وحين نضطر لاخفاء قناعاتنا الداخلية وبواطن انفسنا اتقاء لاتهام..
بعض التنازلات ضرورية..تجنبا لخلافات..ودفعا لكراهية وحقنا لدماء..وحفاظا على الوحدة.. لكن ماذاعن تلك الوعود الي شكلّت شخصياتنا..وتلك الآمال الي استندنا عليها لنتجاوز أحلك لحظات حياتنا..؟
ماذا عن باقة الأحلام التي نلجأ لعبيرها حين تطحننا ظروف الحياة الاصعب؟ ماذا عن تلك الرغبات الدفينة بتشكيل عالم أفضل بآلام أقل.. ماذا عن الامل بايجاد أولئك الذين فقدناهم على الطريق... أو الاستدلال على أولئك الذين مازلنا ننتظر اطلالهم في حياتنا لتصبح اجمل؟؟

بعض التنازل فن.. محظوظون هم من يبرعون فيه.




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :