كورونا الان! تابع اخر الاحداث والاخبار حول فيروس كورونا اقرأ المزيد ... كورونا الأردن
facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





عن أي وطنية تتحدثون ؟؟!!


سامر حيدر المجالي
27-06-2009 12:10 PM

المعاني الكبيرة تنحدر قيمتها إلى حضيض حين يكثر الحديث عنها وتلوكها الألسنة . منها - مثلا متعلقا بواقعنا - الوطنية ، ذلك الشعور الفطري الجميل المسالم ، الذي يسكن الضمائر ، هادئا مطمئنا راسخ البنيان ، دافعا إلى الإنجاز والعطاء والتكافل والمحبة ، فإن حاق بالوطن خطر تأجج واشتعل ، وجمع الصفوف ووحد القلوب والأفئدة . خالقا في الحالتين طاقة تعلو على حسابات الربح والخسارة ، ومتعلقات المنطق والسببية ، بل تعلو على عالم الشهادة كله ، فتغدو أرخص بضاعة يقدمها المرء حينها الكلمات ، لأنها تصف ما لا يوصف ، وترمي إلى تجسيد ما يتعالى على الزمان والمكان .

وحتى لا ينزلق المقال نحو ثرثرة لا تضيف شيئا ، ولا تقوم شاهدا على وطنية حقة أو مزعومة ، سنفكر معا و نسأل السؤال الكبير مباشرة : هل شعورنا بالوطنية شعور إيجابي ؟ وكيف نفسر اجتماع الروح المتأججة بالوطنية ، مع التشرذم والفرقة والإنكفاء على الذات ؟ أما السؤال عن الشعور الإيجابي فليس هدفه السلب أو المنح ، فهذان مناطهما النية ، وما نظن بنوايا أحد إلا خيرا ، وما نطرح السؤال إلا على شركاء واخوة ، لهم في الصدق وحب الوطن باع طويل . وأما التشرذم والفرقة فهما الشاهد الحي ، المنتصب أمام أعين الجميع ، إلا من أنكر ذلك استعلاء على الحقيقة ، أو قصورا في الفهم والإدراك .

سأنطلق من مقدمة لا ألزم بها أحدا ، فحواها أننا نعاني هزيمة من العيار الثقيل ؛ هزيمة حضارية وروحية وإنسانية ، تتبدى شواهدها في كل شيء ، في المنجزات التقنية ، والبحث والتدريس ، والفنون والاداب ، والرياضة والاقتصاد ، فنحن بالنتيجة عالة على الزمن ، نأخذ منه ولا نعطيه ، ونقيم على تخوم الحضارة دون أن يكون لنا من الولوج إليها نصيب .

هل تريدون برهانا على هذا ؟ سأترككم إلى شاشات الأجهزة التي تقرأون هذا المقال عبرها ، لتحدثكم عن مبتكريها وصانعيها ، بل إلى ازرار اللوحة التي قد يستخدمها أحدكم للتعليق على هذا المقال . سأترككم إلى سياراتكم وملابسكم وجوالاتكم ، بل إلى بيوتكم وشوارعكم ، وما فيها من هندسة وروح عبقرية ، نظمتها وأقامتها على قواعد وأسس . سأترككم إلى طبكم وحشوات أسنانكم وغرف العمليات الجراحية إلى مطاراتكم وطائراتكم ، إلى النظام الذي يتخلل كل شيء ، فيجعل منه أعجوبة الزمان والميزان الدقيق الذي جمع العالم تحت قانون واحد ، وإجراء لا يختلف مهما تعددت الأمكنة ونأت المسافات .

فإن لم يعجبكم هذا ، سنتحدث عن جائزة نوبل ، ولن نتطرق إلى فروعها في الكيمياء والفيزياء والطب ، لأن حظنا في هذه المجالات صفر مرفوع إلى القوة مليون ( على أن لا يحاول أحد أن يقنعني بأن أحمد زويل ، ذا الجنسية الأمريكية ، الذي أجرى بحوثه في جامعة أمريكية ، وبأموال بحث أمريكية عبر راع من القطاع الخاص الأمريكي قدم له هبة مقدارها 20 مليون دولار للإنفاق على بحثه ، لا يحاول هذا الأحد أن يقنعني بأن الجائزة مصرية أو عربية ، لأنه سيكون أعمى البصر والبصيرة ومتجنيا على نفسه قبل الآخرين ) بل سنتحدث عن جائزة الآداب - وهي منجزنا الوحيد عبر نجيب محفوظ – لنقول أن هذه الجائزة قد سبقتنا إليها دول مثل نيجيريا وغواتيمالا وبولندا ، قبل أن نشم رائحتها ، عبر إنجاز يتيم ، لا ندري هل سيتحقق ثانية ، أم أن الزمان الذي ابتسم مرة قد ندم على ذلك ، ولن يغادر عبوسه واكفهرار وجهه .

بل هنالك ما هو أدهى وأمر ، في الرياضة هذه المرة ، هل تصدقون أن دولة مثل كوبا قد حصلت في دورة أولمبية واحدة على عدد من الميداليات يفوق ما حصلت عليه الدول العربية مجتمعة منذ أول دورة أقيمت حتى يومنا هذا . يا للهول !! ألهذا الحد نحن عاجزون عن تحقيق الإنجاز ؟؟؟

إنه واقع ممتليء بؤسا وكمدا ، لا يكاد المرء يفكر فيه ثانية واحدة ، حتى يفر من عقله إلى شيء آخر .. والطامة الكبرى هي هذا الشيء الذي نفر إليه !!

فأمام واقع كهذا تبدو المسافات فيه شاسعة والمقارنة معدومة ، يخسر العقل المهزوم المتهالك مكانه ، فيفر الانسان إلى الغريزة ؛ أي إلى " مسبقات البرمجة فيه " بحسب قول بعض الفلاسفة ، ليسلك مسلك الغريزة لا العقل في تعبيره عن انتمائه إلى الوجود . والمساحة التي يفرغ فيها هذه الغريزة ، هي الأسوار الأربعة التي أحاطته بها قوة استعمارية ما ، فألزم هو نفسه بهذه الأسوار ، بما يفوق الذي خطط له الاستعمار أضعافا مضاعفة .

نحن ببساطة نهرب من مقارنة أنفسنا بالعالم الحقيقي الفاعل المنتج ، فنلقي عليه ستارا من الصفح ، ونكتفي بما نتلقاه منه من أسباب العيش الناعم المرهف ، لنقيم لأنفسنا عالما صغيرا ، بسيطا وبدائيا ، نحسبه كل شيء ، وما سواه ظلال على جدران كهفنا ، لا نستطيع بل لا نريد تفسيرها لأنها ليست من شأننا .

هكذا تغدو الوطنية هروبا من العالم ، ومتنفسا تفرغ الغريزة فيه كل طاقاتها ، سلبا وايجابا ، وإقصاء لكل ذئب شارد نحسبه يتربص بالكهف وأهله . فنقدس الظلمة ونرخي الزمام للظالمين . بل يؤله المجتمع هذا في بعض الأحيان نفسه – وحاشا لله أن يكون له الى حقيقة هذا المعنى من سبيل – فتكثر فيه الأفكار المتسلطة ويسهل العبث ، فنتوه في صحرائنا كما كنا منذ آلاف السنين ، صحراء الغربة عن الوجود ، ونعتصم بالعصبية المفرطة من جديد ، وهل للصحراء إلا العصبية التي تربح الرهان كسلاح أخير في صراع البقاء ، حتى لا يفنى صاحبها ويغادر العالم إلى غير رجعة .

هل يمكننا هذا الكلام من تفسير كثرة الأوطان وقلة البركة ؟ هل يضع أمام أبصارنا السبب الذي يجعل من الوطن قبيلة كبيرة غير أنها قابلة للتشرذم والانقسام من جديد ؟ هل وضّح الكلام السابق الفرق الدقيق بين الانتماء والعصبية ؟

ربما يكون في ما سبق تفسير جيد ، وربما يكون الذي فيه محض مبالغة واختراع . لكنكم تشاهدون وتتابعون ، ولكم أن تسألوا وطنيتكم عن الفساد المقيم ، عن سلبكم اختيار المقاومة من أكثر المتشدقين بالوطنية حين تفشل جيوشكم في الدفاع عن أوطانها ، عن ديمقراطياتكم الصورية الباهتة التي تنتج أشخاصا يعيشون على امتصاص دمائكم ثم يسبونكم ويشتمونكم ويتعالون عليكم ، عن الدين الذي يحوله بعضهم إلى شعوذة ، وبعضهم الى وسيلة كسب ، وبعضهم الآخر الى مجرد طقوس ومراسيم ، عن صحافتكم وسلطتكم التابعة لا الرابعة ، عن الجدران التي لها آذان ، عن التخاذل أمام إهانة معتقداتكم ، عن الأقزام الذين يُعملقون ، وعن العمالقة الذين يُهمَشّون ... عن كل شيء ، ولأجل كل شيء يحق لي أن اسألكم ... عن أي وطنية تتحدثون !!؟؟

سبحانك لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة الا بك .

Samhm111@hotmail.com




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :