facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





فنجانك يا وطن


د. محمود بني دومي
14-12-2018 05:00 PM

لم اعد أطيق كل تلك الكتب التي قراتها والتي تتناثر هنا وهناك، وذلك لأنها لم تساعدني في تلك اللحظة التي كنت أحاول أن ارسم فيها معالم الغد وما سيحويهبسبب الفوضى والنظرة السوداوية للوطن، وما تبع ذلك من فساد واضمحلال في الأخلاق. لقد كانت الكتب كثيرة ومتنوعة، فمنها الكتب الدينية والاجتماعية والسياسية والفلسفية والفلكية والعلمية، وكتب كثيرة أخرى. فعلى الرغم من كل تلك الكتب وما قرأته فيها، إلا إنني أخفقت، وربما أخفقت الكتب نفسها في بناء أي تصور عن الغد. ولمرارة الموقف فقدوصل الأمر لاتهام الكتب بالزور والكذب والبهتان، وخاصة فيما تعلق منها بالغد، إذ أن كل ما فيها مرتبط بالأمس. فقد وجدت ، وبعد التمعن والتمحيص، أن هذه الكتب لا تحمل أي شيء سوى قصص وخرافات من الماضي السحيق التي لا علاقة لها لا بالحاضر ولا بالمستقبل. وقد أيقنتمؤخرا أنقراءتي لـ عنترة بن شداد وروميو وجولييت وحرب داحس والغبراء وملحمة جلجامش والإلياذةوالأوديسةلهوميروس لن تساعدني في أي شيء. فحتى المؤامرات التي تحاك هنا وهناك اكبر مما قاله ارسطووافلاطون وفولتير وديكارت وابن عمنا اينشتاين أو حتى ما يقوله المخبول ترامب. عندها بدا لي أن جلوس حببتي أمام ناظري لأمشط شعرها لتحترق وتحرقني بشعرها ومشاعرها افضل من كل هذا القصص والروايات والأخبار التي لا تدفع إلا إلى اليأس والإحباط. كما وجدتأنه من الأفضل التفكير بالكائنات الفضائية واحتمال غزوها للأرض علنا نستفيد على الأقل من ثقافتهم وحضارتهم وأشكالهم وطريقة عيشهم وتفكيرهم. كل هذا لأني لم اعد استطيع أن أقول أي شيء عن الغد. فلا أدري إن كان سيكون هادئا أو غاضبا، مفرحا أو محزنا، غائما اممشمسا، حارا أو باردا. كما إنني لم استطع أن اعرف أين سأكون غدا، أو ما إذ كنت سألتقي بحبيبتي أم أن احد غيري سيلتقي بها، وفيما اذا كنت سأكون غدا مغميا علي في احدى المستشفيات أو متربعا سائحا في منتح سياحي أو تحت أشراف بعض المجانين في مستشفى الأمراض العقلية أو متهم بجريمة. فما الذي يمنع من أن أكون من المتهمين الذين شاركوا في قوات الكماكازا التي أغارت على قواعد بيرل هاربر، أو من أن أكون من اطلق النار على جون كندي، أو من أن أكون المسؤول عن أحداثتشيرنوبل أو عن آخر عملية اغتيال أو مؤامرة في دولة الحشاشين. بصراحة، كنت أحاول أن أتوقع مثل الناس، ولكن يا للأسف فقد خاب ظني في ذلك، إذ وجدت نفسي عاجزا كل العجز عن التنبؤ بأي شيء. وقد يكون ذلك لأنني لم ادرب نفسي على التنبؤ أو التنظير كالناس أو لانشغالي بالتاريخ والجغرافيا التي كنت اعتبرها حقائق ثابته، فانا شخصية مغلقة، وليس هناك من يستطيع أن يغير أفكاري وخاصة تلك التي نقلتها عن صبري وأبن بي صبري
ولما وجدت نفسي مشغولا في الغد، ووجدت أن الكتب كلها غير مجدية، قلت في نفسي: لماذا لا اجرب شيئا آخرا. كالتأمل مثلا. ولكن يا للخسارة فقد جربت التأمل مرارا وتكرارا ولكنه لم ينفع على الإطلاق. والحقيقة أن ما كان يدفعني لذلك اكثر هو الشعور أو الإحساس بان شيئا كبيرا سيحدث وخاصة انني لم أكن أدري إنكانذلكالشيءمفرحاأومفجعا.
ورغم ذلك فإنني لم ايأس. ولكن، ما هي إلا لحظات حتى لاح في الأفق بعضا من الأمل، وذلك عندما استذكرت تلك الفتاحة، أو قارئة الفنجان. وعلى الرغم من اني لا اؤمن بقراءة الفنجان إلا إنني سرعان ما أخذت افكر في أن استعين بها على معرفة الغد. عندها بدأت بالتفكير والتساؤل الجاد عن أمهر قراء الفنجان في البلدة. ويا لحسن الحظ، فقد خطر على بالي تلك العجوز الشمطاء العفراء المحدبة الظهر رثة الثياب. قابلتهذه العجوز في ليلة مقمرة وهي تناجي القمر بكل أشكال التمتمة والهمهمة. لقد تعرفت عليها من عجوز كان يعشقها أيام شبابها وقد هجرها لدماثتها حسب ما قال لي .وقد قال لي أيضا أنها كانت من اجمل نساء الأرض وبانه لا حسب ولا نسب لها، وانها عديمة الأصل والنسل، وانها شيطانة تفتح بالمندل وتقرا الحظ والطالع بالكف والفنجان. وهنا فرحت كثيرا اذا شعرت بانني قد وجدت ضالتي. ولذا فسرعان ما قررت الذهاب الهيا. وما هي إلا لحظات حتى وجدت نفسي اقف على باب بيتها وانا أنادي: أيتها الفتاحة، أيتها الفتاحة
افتحي
افتحي.
وما أن فتح الباب حتى سقطت على الأرض، لما رايته في عيونها من سخط وكذب وغضب وكره، وحتى إذا صحوت وجدت نفسي ملقى على الأرض وهي تربت على صدري تارة وعلى راسي تارة أخرى تهمهم وتتمتم وتصب علي الماء والزيت وقد أشعلت كل أنواع البخور. حاولت أن اقف أو أن اجلس على ذلك الكرسي إلا أنها أشارت إلى بان ابقى مكاني فبقيت. حاولت أن أقول شيئا إلا أنها هصت علي بغضب فسكت. وما هي إلا لحظات حتي بدأت باسمي واسم أمي واسم نجمي وسبب مجيئي إليها، وما إلى ذلك من مشاعر وأحاسيس حتى شعرت بانها اعرف مني بنفسي.
قالت: قل لي ماذا تريد مني غير قراءة فنجانك؟
قلت لها: لا شيء، بربك قولي لي ما الذي ترينه في فنجاني؟
قالت: وماذا أقول لك غير انك خائف ومحبط ويائس ولا تملك من أمرك شيئا؟ قالت ذلك دون أن تنظر في أي فنجان
قلت: أريد أن تقرئي علي من الفنجان، فما لك لا تقرئين علي من الفنجان كباقي الفتاحات؟
قالت: ولم اقرأ عليك من الفنجان؟ وهل في الفنجان غير القهوة والغبرة والكحل والسواد؟
قلت: هكذا أرى الفتاحين والفتاحات يفعلون
قالت: صحيح انهم ينظرون إلى الفنجان ولكنهم في الحقيقة لا يقرؤون حظك أو طالعك أو أخبارك إلا مما في عيونك وملامح وجهك ولغتك الخائفة وجسدك الهزيل وأفكارك ووسوساتك التي سرعان ما تنفتح عليهم بها
قلت: وكيف يعرفون ويخبرون عن الغد؟
قالت: لا أحد يرى الغد
قلت: ولكنهم يخبرون عنه، الم تخبري عن طلاق فلان؟ وموت علان؟ وسرقة بلان؟
قالت: ولكنني لم أكن أنظر للغد عندما فعلت ذلك
قلت: إلى ماذا كنت تنظرين إذن؟
قالت: أنا وأمثالي من الفتاحين لا نقرأ من الغد شئيا. إن كل ما نفعله هو أننا ننظر إلى اليوم ونقرئه قراءة جيدة لان الغد يعيش في اليوم وآتيٌّ منه لا محالة. فكل الذي يحدث هو أن الأشياء أطول أو أقصر في الغد عما هي عليه اليوم. وكذلك الأمر بالنسبة للونها وطعمها وشكلها وحجمها
قلت وكيف يكون ذلك؟
فقالت: هذا العالم ملي بالرموز والإشارات التي تقود إلى بعضها. وهذه الإشارات ليست بالطلاسم التي يستحيل تفسيرها. فكل الأشياء والأحداث متصلة ولا انفصال بينها. فالرعد إشارة إلى السخط، والمطر إشارة إلى اللغط، والفوضى إشارتها الشطط، والوطن إشارته الغبط، والنظام إشارته النقط، والنمط يتبعه النمط. والأمر لا يختلف بالنسبة للغد الذي هو امتداد لليوم الذي هو امتداد للامس والأمسّ منه.
قلت: وكيف أقرأ الغد إذن؟
قالت: إن كل ما عليك فعله لقراءة الغد هو النظر إلى أجوائه لتتنبأ بحالته الجوية، والنظرإلىتكتلاته البشرية لتتنبأ بوضعه الاجتماعي، والنظرإلىحراكاته الشعبية لتتنبأ بمستقبله السياسي، والنظرإلىقياداته الفكرية الحقيقية لتتنبأ بمستوى رقيه وتقدمه. ولكن أن تضرب بالرمل أو أن تقرأ بالفنجان أو أن تقرا بالكف فلن يقودك إلا إلى ضرب الكف على الكف
قلت: وكيف يكون ذلك؟
قالت: إن كل ما عليك هو تتبع الناس بأفعالها لا بأقوالها، وان تتعلم على قراءة الأحداث والأحاديث والشعارات التي غالبا ما تحوي أقاويلا فارعة. فاقرأ وتعلم كيف تقرأ، وإياك أن تتأمل خيرا من قوم لا يقرؤون إلا ما نقل أو كتب على الشعارات وهم على أمل بأن يكون صحيحا. وهل يختلف هذا عن الضرب بالرمل، أو قراءة الكف أو الفتح بالفنجان؟ وإذا ما أردت أن تبحث عن رموز ومفاتيح الغد، فانظر ألي يومك هذا لأنه البذرة التي يبزغ منها ، ولان الأحداث والأزمات والحراكات المترامية هنا وهناك ما هي إلا رموز وأشكال تمكننا من قراءة الغد والكشف عن أسراره وما فيه من أفراح وماسي. وتذكر بأن بصيص الضوء الذي تلمحه تارة ولا تلمحه تارة أخرى يكفي لإنارة الطريق.
وما أن أنهت كلامها حتى لمحت بصيص ضوء راح يشتد ويشتد حتى اظهر تلك العجوز على حقيقتها، واذا بها في منتهى الجمال والشباب والرقة والأنوثة. ما اجمل صوتها وأعذبه. وما أروع حديثها عن أهلها وحسبها ونسبها. وما أروع وطئ أقدامها ووطنها ومواطنيتها وما تبع ذلك من قصتها عن معاناتها وإبحارها ضد تيار الفتنة والفساد الذي جرفها إلى حافة الطريقة لتجد نفسها مقيدة لا حيلة لها ولا وسيلة إلا قراءة الفنجان.
ولا زلت اقلب الصور، الصورة تلو الصورة من جمالها واحاديثها الرائعة المشوقة والتي تدفع على الأمل والتفاؤل حتى راحت تختفي من أمام ناظري شيئا فشيئا بينما كنت أحاول اللحاق بها علّى امسك بشيء منها. ولكن يا للأسف، فقد ذهبت، وقد أكون ذهبت معها ،ومن حيث لا ادري، وقد قالت كل ما قالت عني وعنك وعن الوطن.
فمن يدري بما ادري عن الذي يخبئه لك فنجانكياوطن. وفنجانك يا وطن!




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :