facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




"سُريّا" .. الهاربة من الموت


نشأت الحلبي
30-08-2009 12:09 AM

في اللحظة الأولى التي حطت فيها قدماي أرض المطار في مدينة كالغوري بمقاطعة ألبيرتا الكندية، كانت عيناي تحاول أن ترى كل شيئ لتتعرف على كل شيء، سواء ذاك الذي ما فتئت احلامنا منذ الطفولة تتبع قصصه وحكاياه من حرية الكلام والسمع والبصر، حتى حرية الطيران كأننا فجأة سنصبح في بلاد الأحلام هذه عصافير من غير أجنحة، الى أشكال البشر الذين طوعوا كل ما في الحياة ليصبح عبدا للإنسان، وبعد أن إنتهيت من كل معاملات الدخول، توجهت الى الفندق، وكنت أرقب لحظة الوصول لأتعرف على أول الكنديين وأخاطبه وأطرح كل ما في جعبتي من أسئلة، ولعل الترحال علمني بأن ما تقرأة وما تسمعه عن اي مكان في الدنيا، ليس كمثل أن تسمع من الناس وترى بأم عينك، فلعل الحقائق أحيانا تزور، ولربما نخدع نحن بعالم ما وراء البحار حتى نحط فيه ونستكشف بأنفسنا حقيقة ما هو على الارض.

على كل حال، وصلت الى الفندق، وانتظرت أمام موظفي الإستقبال حتى أتم معاملاتي، ولفت نظري بأن واحدة ممن يعملن في الإستقبال، فملامحها لا توحي بأنها من اصول كندية أو اوربية، وبعد أن إقتربت منها أكثر، لفت نظري إسمها، فإسمها "سريا" وهذا إسم قريب على الاغلب من الاسماء العربية، فقلت في نفسي بأنني لربما لم أقرأ الإسم بشكل جيد، وخاطبتها بإسمها فردت علي، فالإسم اذن صحيح، وهي سريا، فسألتها فورا : من أي بلد أنتي يا سريا؟ فردت : من أفغانستان، وللحظة إعتقدت بأنني لم أسمع إسم البلد بشكل صحيح، فأعدت عليها السؤال وأصرت هي على الإجابة مع إبتسامة خفيفة للتأكيد علي إذ لمحت الإستغراب على ملامح وجهي، ولعلها أرادت من تلك الإبتسامة أن تقول لي كل شيئ، ومن غير أن أسألها خجلا أو لربما لعدم رغبتي في نكئ جراحها، وقادتني تلك الإبتسامة لأتخيل افغانستان لحظة غادرتها سريا، تخيلتها وهي تهرب من رصاصة إخترقت على حين غرة باب منزلها وقلبت ذلك السكون الى صخب ممزوج بالدماء، أو لعلها هربت من صاروخ سقط فجأة في وسط مائدة الطعام التي إلتفت حولها الأسرة لتتناول فطورها أو طعام غدائها، وفي حين تنافرت الدماء .. دماء الأب والأم والأخ، ولربما الحبيب، هربت سريا .. ولعل الحظ ساعدها أيضا إذ نجت من ملغومة زرعها بعضهم على جانب الطريق، وأكثرمن ذلك، لربما تمكنت من الإفلات من كمين نصبه مسلحون على الطريق الى باكستان، حيث الحدود الاقرب التي تمكنها من الوصول الى طريق المطار .. طريق الهرب من الموت الى الأمان، ولعلني ذهبت في خيالي الى ابعد من ذلك .. فتخيلتها ودموعها تنهار على خديها اذ تتذكر آخر نظرات أبيها أو أمها قبل أن يسلم كل منهم الروح الى باريها.

هي سريا، التي تحكي قصة الكثيرين من ضحايا القتل المجاني، والحرب غير معروفة الأهداف، سوى أهداف السلطة والتضحية بكل البشر الأبرياء ليس لشيء الا من اجل الكرسي والحكم والنفوذ وتحت أي مسميات أو ايديولوجيات كانت، ولعل سريا تذكر في مرة إذ كان الموت أقرب من رمش عينها اليها، فلربما ساقوها يوما الى ملعب كرة القدم في كابول الذي حولوه يوما الى "ملعب إعدام" حتى يعدموها بعد أن رأوا خصلة من شعرها، أو بعد أن لمحوها وهي تنتظر أن ترى حبيبها، لكن الاقدار أسعفتها في اللحظة الأخيرة، ورغم ذلك، فإنها لربما تتذكر صديقة لها لم تنقذها الأقدار وراحت برصاصة لا تساوي ثمن علبة سجائر!!

ما أتمناه أن تكون هناك الآلاف مثل سريا وقد تمكن من الهرب من الموت، ونجون من الرصاصة والصاروخ والملغومة، لكن ويا للأسف، فهناك ألف سريا وسريا ما زلن تحت النار، وفي كل يوم تقتل منهن العشرات ولربما المئات، وما أتمناه أن تصل يد الله الى كل سريا وسريا حتى يفلتن من المقصلة ولا يرين ساحة الإعدام تلك، والى الأبد.

Nashat2000@hotmail.com





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :