facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





الكورونا نعمة حضارية وليس محنة


د. عادل يعقوب الشمايله
18-04-2020 11:14 AM

توقفت الاقدام ونشطت العقول هذه اول النعم. كثر عدد الموتى وقل عدد القتلى هذه نعمة ثانية.
يقدم لنا التراث الديني نموذجين متناقضين تعرض لهما البشر. النموذج الاول: هو النموذج الاجتثاثي الذي تعرض له قوم النبي لوط وبيئتهم، أما النموذج الثاني فهو النموذج الاحيائي الذي تعرض له قوم نوح وبيئتهم. لن تكرر الكورونا النموذج الاول الاجتثاثي بل النموذج الثاني الاحيائي، وسترتقي الدول المتقدمة درجة اعلى على سلم التقدم.

تقدمت الكورونا بمشروعها الحضاري الذي مثل تحديا سافرا لعلوم وتطبيقات الادارة العامة وادارة الاعمال والبيئة والاقتصاد وقطاع صحة الانسان والكمبيوتر وتكنلوجيا المعلومات. كما تضمن مشروعها طلب تغيير الانماط السلوكية والاستهلاكية. وهناك طلب مخصص لشعوب الدول الغربية التي شاخت، ان استغلوا ليالي الحظر لتتجددوا ولتشبوا. ولذلك فإن من المتوقع أن تطرأ زيادة كبيرة في اعداد المواليد اضعاف اعداد الموتى. وهذه نعمة اخرى. كما فرضت الكورونا هدنة إستثنائية لتعافي البيئة، وتجربة علمية عملية لإقناع غير المقتنعين بالاثار التدميرية لسلوكيات البشر على البيئة.

لم يعرف الاردنيون حظر التجول منذ انشاء الكيان السياسي الاردني قبل مائة عام، على خلاف ما خبرته معظم الشعوب العربية. حيث كان حظر التجول احد البنود الرئيسية لبيانات الانقلابين الذين كانوا يتداولون السلطة بواسطة المجنزرات والرشاشات.

حظر التجول يمثل حالة تفاعل كيميائي ما بين الضبط والانضباط. العرب ومنهم الاردنيون طبعا، لا تعرف طبيعتهم الانضباط، بل تأبى الانضباط. وهذا ما يشهد به القرآن في وصفه للاعراب: "وأجدر ان لا يعلموا حدود ما انزل الله". اي يجهلون القوانين ويرفضونها. اليس العرب من قالوا: الا لا يجهلن احد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا. ونشرب ان وردنا الماء صفوا ويشرب غيرنا كدرا وطينا. وإن أنا الا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد. وقد ربطت الآية القرانية بين الجهل والرفض للقوانين وبين الوضع الحضاري. فقد خصت به من كانوا خارج المدينة في البادية. وكثيرا ما نقلت لنا السيرة النبوية سلوك الاعراب مع النبي ومع الخلفاء حينما يطلبون شيئا بل وحين يمدحون الخلفاء في شعرهم.

كانت عمان ومثلها بقية المدن الاردنية لا تنام قبل الكورونا والحظر. السيارات تخرج من كل مكان والى كل مكان. ازمة في الشواراع الرئيسية والدخلات والحارات. كانوا كأيجوج وماجوج من كل حدب ينسلون. ومع ان معظم من يقودون تلك السيارات ينتمون لفئة قليلي الدخل الى متوسطه، المشتكين من ارتفاع اسعار البنزين، الا انهم بطريقة لا نعلمها، يتدبرون مَعِداتِ سياراتهم ولو على حساب مِعَدِ أسرهم. وهي ذات حالة اللاعقلانية حين يقدمون التدخين على سائر حاجيات الاسرة الملحة. كانت عمان وسائر المدن الاردنية تعيش حالة توتر مريعه. لا مواقف ولا طرق تكفي التزايد المستمر في اعداد المركبات، ويتبخر الوقت في طوابير المركبات مع تبخر البنزين الذي لا يتوقف. في داخل غابة السيارات تنامت بذور العنف اللاحضري الذي وصفه القران والمُخزنُ داخلنا. تلوثت اجواء المدن، وتلوثت طمبونات السيارات بدماء الاردنيين، وتلوثت السجون بمن لا يعقلون القانون وبمن لا يحترمونه " أي من لا يعرفون حدود ما انزل الله وما شرع البشر."
يحصل التحضر تدريجيا. ويترافق التحضر مع مكان الاقامة وطبيعة العمل ومستوى التعليم وصرامة تطبيق القانون. ورغم تحقق الشروط الثلاث الاولى للتحضر في الاردن، فإن التحضر لم يحصل بعد، بسبب ضعف الشرط الرابع وهو صرامة تطبيق القانون.

هنالك ركنان لعدم تحقق صرامة تطبيق القانون في الاردن. الاول : عودة الحياة النيابية منذ عام ١٩٨٩ والتي جلبت معها شتى انواع الاختراقات والمخالفات والتشوهات السياسية والادارية والقانونية والاقتصادية. ورغم ان دور مجلس النواب هو سن القوانين التي تنظم شؤون الدولة ومراقبة تطبيقها، الا ان هذا الدور قد فقد معناه السياسي والاخلاقي، وتحول الى وظيفية ميكانيكية روتينية مصلحية عند من شعارهم المقدس: ونشرب الماء صفواً ويشرب غيرنا كدرا وطينا. الركن الثاني هو استمرار القبلية. بل، التطور السلبي لدور القبيلة والعشيرة. تلاشت تدريجيا فضائل القبائل والتي كانت مبرر نشوئها . وتنامت ادوار سياسية واقتصادية واجتماعية وقانونية تسري فيها جميعا، دماء الخروج على القانون وشعار البقاء للاقوى. لم يتوقف الصراع ما بين الولاء للقبيلة والولاء للدولة منذ نشأ الكيان الاردني. بل ان الولاء القبلي قد تزايد عما آل اليه فترة من الزمن، اذ اصبح يتقدم على الولاء للدولة منذ عودة الحياة النيابية لأن مجلسي النواب والاعيان في الاردن هما فعليا: مجلسا ممثلي القبائل وأبعد ما يكونان عن أن يُكَونانِ مجلس الامة. هذا الواقع يدل على تراجع رحلة التحضر في الاردن.

وبالرغم من خطورة الوضع الصحي الناجم عن وباء الكورونا المتسم بالتصيد والغدر ، وانتقاله بتصميم قوي لكل من يستدعيه بغفلته وجهله، يتفلت الاردنيون من بيوتهم بدرجة اشد من تفلت المساجين من سجونهم. لم يؤد حظر التجول فعليا الى حالات نقص حقيقية في الغذاء والدواء، بفضل الاجراءات الحكومية الناجحة الى حد كبير. الا ان التفلت الذي يشاهد في الشوارع، والذي تعكس حالات الاعتقالات والمخالفات جانبا منه، الى ان الصورة تبدو اوضح على وسائل التواصل الاجتماعي. حالة التعارض بين الوعي والرغبة والمطالب والاحساس بالخطر، رغم قصر فترة الحظر وحالات الانفراج العديدة التي تخللتها، تمثل حالة اضطراب نفسي حضاري.

تعتبر حالة الطواريء التي نعيشها وتطبيق قانون الدفاع نعمة حضارية وفرصة تاريخية لتسريع تطوير المجتمع الاردني وحضرنته. ويجب حتى تنجح هذه الفرصة التاريخية، حل مجلس النواب وتأجيل الانتخابات الى اجل غير مسمى وتقوية دور السلطة القضائية لتكون هي المراقب على الاداء الحكومي.

يلعب حظر التجول وقانون الدفاع دورا تكميليا لدور الجيش الاردني منذ نشأته في استيعاب القرويين وسكان البادية، وبذر بذور التحضر والانضباط فيهم. كان الجيش مدرسة، ويجب ان يعود كذلك وأن يتم توسيع نطاق استيعابه.




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :