*** أكثر التنظيرات المعادية للاسلام والمروجة للسياسات الغربية والصهيونية صدرت عن باحثين يحتلون رتبة الاستاذية في أرقى جامعات الغرب
*** تحت عنوان الجهاد الاسلامي صنعت امريكا مع حلفاء عربا ومسلمين يحاربون نيابة عنها الاتحاد السوفييتي في افغانستان
كان لا بد لي أن أتعرض لموضوع الإرهاب كجزء أساسي من المحاضرات التي ألقيتها في صيف عام 2009 على طلاب الدراسات العليا في كلية الحقوق - جامعة فريبورغ في سويسرا, وذلك لما وجدته من ارتباط جوهري بين موضوع الإرهاب وموضوع الحقوق والحريات في الأنظمة السياسية المعاصرة الذي كان علي تدريسه. وزاد من أهمية هذا الربط إلى الحد الذي أصبح واجباً عندي, قيام بعض المنظرين الأمريكيين والماكنة الإعلامية الأمريكية والغربية بوجه عام, بربط الإرهاب بالإسلام على نحو يشكل تزويراً لواقع معاش وافتراء على دين المسلمين, فكان لا بد من أن أقول ما أوصلني إليه البحث أمام طلاب, بل وأساتذة حضروا بعضاً من محاضراتي, متعطشين لمعرفة الحقيقة.
وقد وجدت من المناسب أن أعرض بأكبر إيجاز ممكن لقراء العرب اليوم جانباً مما قدمت.
وفي هذا المجال أقول, شهد القرن العشرون, شعارات عدائية موجهة ضد حكام أو أنظمة حكم ظالمة, مثل مقاومة الاستبداد والسلطان المطلق, ومقاومة الاحتلال النازي, ومقاومة الاستعمار, لكن البشرية في العصر الحديث, لم تكن تتصور أو يخطر ببالها, أن يأتيها يوم تسمع فيه شعارات ضد دين من الأديان السماوية أو حتى غير السماوية, أو حضارة هذا الدين. ورغم ذلك, فإن هذا الذي لم يكن متصوراً أو يخطر على بال, قد حدث, وتكرر حدوثه ضد الإسلام وحضارته, وأدى التكرار إلى أن أصبح الشعار الذي رفع ضد الإسلام وحضارته أمراً عادياً في أدبيات العالم الغربي ووسائل إعلامه, وذلك تسويقاً للسياسات الغربية والصهيونية الهادفة إلى تشويه الإسلام. وكان الأكثر بشاعة, ما كتبه بعض الباحثين ومن يحتلون رتبة الأستاذية في أرقى الجامعات. ورغم محاولات تبرير شعار الكره للإسلام انطلاقاً من تنظيرات شتى, أو التخفيف من سوء مدلولات الشعار باستخدام مسميات لا تخفي سوء القصد, فإن تلك التنظيرات وهذه المسميات لا تستطيع ستر الغايات الخبيثة لهذا الذي يحدث. ذلك أن أمريكا, قيادة العالم الغربي, اختلقت مفاهيم نسبتها إلى الإسلام, ظاهرها رحمة وباطنها عذاب, وسخرت قيادات لدول إسلامية جنّدت مسلمين تحركوا وفق تلك المفاهيم, لتكون المحصلة خدمة أمريكا من ناحية والإساءة إلى الإسلام من ناحية أخرى.
على هذا النحو أصبح الإسلام عند أمريكا دين إرهاب, وأصبح من يقاوم المحتل لوطنه إرهابيا. وحتى قواعد القانون الوضعي التي طورتها البشرية عبر القرون لتجعل مقاومة المعتدي والمحتل عملاً مشروعاً, غدت محلاً للتشويه وأفرغت من مدلولاتها, ما دام المعتدى عليه ينتمي إلى الإسلام الحق وحضارة الإسلام الحقة.
وسوف نبين فيما يلي تفصيلاً لما أجملنا:
1- التنظير الأمريكي لكره الإسلام:
بتاريخ 19/10/1992 ألقى صامويل هنتنغتون (Professor Samuel Huntington) الأستاذ في جامعة هارفارد محاضرة في مؤسسة المعهد الأمريكي لبحوث السياسة العامة,(American Enterprise Institute for Public Policy Research), ويشار إليه عادة ب¯ AEI). وكان عنوان المحاضرة صراع الحضارات (Clash of Civilizations).
وقد جاءت هذه المحاضرة في أعقاب الحرب التي شنتها أمريكا على العراق إثر دخوله إلى الكويت في 2/8/.1990 وقد لقي مضمون المحاضرة ترحيباً كبيراً لدى الاتجاه اليميني المتطرف في أمريكا, مثلما لقي العديد من الردود السلبية عليها. وكان من شأن الترحيب بالمحاضرة, أن قام الأستاذ هنتنغتون بإضافة بعض التفصيلات إليها لتنشرها مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية الفصلية (Foreign Affairs) في عدد الصيف Summer لعام ,1993 ومن ثم لتصبح محطاً لأنظار الساسة والباحثين في العالم, وبشكل خاص أصحاب الفكر المسيحي الصهيوني المتطرف في أمريكا وأتباعهم. وقد شجع ذلك الأستاذ هنتنغتون إلى تطوير دراسته لتصبح كتاباً تولت نشره دار نشر في نيويورك عام 1996 هي (Simon & Schuster).
يقع الكتاب في 368 صفحة, وينطلق من تقسيم للحضارات الإنسانية القائمة في عالم اليوم, حيث يرى أنها سبع حضارات أساسية هي: الغربية التي تقف على رأسها أمريكا, الكنفوشية (الصين واليابان, السلافية الأرثوذكسية (روسيا...), الهندية, والإسلامية, وأمريكا اللاتينية. وبالنسبة لإسرائيل فقد اعتبرها الأستاذ هنتنغتون حالة فريدة لها حضارتها الخاصة ولكن مع تشابه كبير مع الحضارة الغربية عندما أكد أن:
"Israel Could be Considered a unique state with its own civilization, but one which is extremely similar to the West".
ويضيف هنتنغتون أن هناك شعوبا من المحتمل أن تكوّن حضارة, وتستخدم كلمة (probably) في هذا المجال, مثل شعوب أفريقيا ما عدا غربها الذي يدخل ضمن الحضارة الإسلامية, مستكثراً على أفريقيا التأكيد بأن لها حضارة, وقد لا تدخل هذه الشعوب السوداء في نظره ضمن البشر والجماعة الإنسانية.
أما العالم الإسلامي, فيتكون من شعوب دول الشرق الأوسط الكبير (ما عدا: أرمينيا, قبرص, اليونان, إسرائيل, كازاخستان, مالطة والسودان) ويشمل العالم الإسلامي أيضاً غرب أفريقيا, ألبانيا, بنغلادش, بروناي, أندونيسيا, ماليزيا, باكستان, جزر المالديف, وجمهورية الكوموروس الإسلامية الاتحادية. ويرى هنتنغتون أن العالم الآن يعيش مرحلة صراع الحضارات, وعلى أمريكا وعالمها الغربي التنبه لذلك. وفيما يتعلق بموضوعنا, الإسلام, يرى أن الصراع المهم هو بين العالم الغربي والعالم الإسلامي الذي انفلت تزايد سكانه من عقاله, وأن هناك تحالفاً يلاحظ ملامحه بين الحضارة الإسلامية والحضارة الصينية الكونفوشية ضد أمريكا والعالم الغربي, معتبراً وجه الخطورة في تحالفهما تزايد عدد السكان في العالم الإسلامي واستحواذ العرب على إحتياط بترول العالم, في حين أن وجه الخطورة بالنسبة للصين هو التزايد الكبير في قدراته التصديرية بأسعار لا يستطيع إنتاج العالم الغربي منافستها, مما سيؤدي إلى الاستحواذ على أسواق العالم والسيطرة عليه وبالتالي إحتلال مكان الصدارة على أمريكا وعالمها الغربي.
ويؤكد أن الحديث عن إمكانية قيام ديمقراطية عمادها الحقوق والحريات في العالم العربي أمر عبثي, لسبب جوهري هو أن الدين السائد في الوطن العربي هو الإسلام, في حين أن الدين الإسلامي يتنافر مع الديمقراطية, مستخدماً في العديد من المرات عبارة أن الإسلام (Incompatible With democracy), وبالتالي لا يؤمن بها ولا يمكن أن يستوعبها, إضافة إلى أن هذا الدين ينطلق من فكر إرهابي يسعى إلى تدمير العالم الغربي والحضارة الغربية. كما يؤكد أن تفوق أمريكا والعالم الغربي عموماً وسيادته وسيطرته القائمة لا يستند إلى تفوق مبادئه أو قيمه أو أية عقيدة دينية, وإنما يستند إلى قدرته على تطبيق العنف المنظم والمخطط له من قبل العالم الغربي, ويرى أنه إذا كان المفكرون والسياسيون في العالم الغربي لا يلحظون ذلك, فهم مخطئون, لكن أتباع الحضارات الأخرى, وخاصة الحضارة الإسلامية, يعرفون ذلك جيدا. وفي المحصلة, فإن على العالم الغربي أن يعمل دائماً على تطوير قدراته ليكون له السبق والسيطرة بشكل مستمر, وفي ذات الوقت عليه أن يواصل إستخدام قدراته المتفوقة في ممارسة العنف المنظم, وبشكل خاص ضد الإسلام وحضارته.
هذا هو ملخص نظرية بروفيسور هنتنغتون التي تضمنها كتابه صراع الحضارات بالنسبة للإسلام والعرب بوجه خاص, حيث المحصلة مواصلة العنف المنظم ضدنا.
وقبل أن نوضح بعض الحقائق التي يجهلها هنتنغتون أو يتجاهلها عن الإسلام, نقول إن الحقد الوارد في كتابه عن الإسلام انطلق فيه من محصلة ما كتبه بيرنارد لويس (Bernard Lewis) في مقالته الشهيرة في مجلة أتلانتيك الشهرية (The Atlantic Monthly) عدد أيلول عام ,1990 تحت عنوان جذور الحقد الإسلامي(The Roots of Muslim Rage). وإذا كان بيرنارد لويس قد عُرف بحقده على الإسلام وتزويره للحقائق التاريخية, كوسيلة لنيل الشهرة من خلال تنظيره للمحافظين الجدد واللوبي الإسرائيلي, فإن هنتنغتون وهو من مواليد 18/4/,1927 ظل أستاذاً جامعياً مغموراً في هارفارد ومستشاراً للخارجية الأمريكية وغير معروف عالمياً, إلى حين نشره لدراسته صراع الحضارات الذي تمت ترجمتها إلى 29 لغة من لغات العالم, مستخدماً محصلة ما قاله بيرنارد لويس عن الإسلام, لتظهر آراؤه, أي هنتنغتون, وكأنها نظرية يرد بها على نظرية شاب يعمل أستاذاً للعلوم السياسية في جامعة جون هوبكنز, ولا يتجاوز عمره في حينه (40) سنة, وله أطروحاته, كأستاذ جامعي ومسؤول في الخارجية الأمريكية, هو فرانسيس فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ والرجل الأخير End of History and The Last Man عام ,1992 ويقع على 464 صفحة, حيث تولت نشره دار: (Simon Schusler- New York).
ويرجع أصل هذا الكتاب بدوره, إلى مقالة نشرها فوكوياما عام 1989 في مجلة The International Affairs Journal تحت عنوان نهاية التاريخ (The End of History). وكان من نتيجة اشتهار المقالة في داخل أمريكا وخارجها أن قام فوكوياما بتوسيعها وتطويرها إلى كتاب بالعنوان الذي أشرنا إليه. وفرانسيس فوكوياما هو أمريكي من مواليد شيكاغو عام ,1952 وياباني الأصل, ووضع نظريته على غرار النظرية الماركسية التي تنطلق من نظرية الحتمية التاريخية والجدلية المادية, من حيث أن نهاية التاريخ ستحدث عندما ينتهي الجدل والصراع بين الأضداد, وآخر هذه الأضداد هو الطبقات, في حين أن صراع الطبقات ينتهي عندما تصل البشرية إلى المجتمع الشيوعي, حيث ينتهي الصراع بين الإنسان الذي لا يملك, وضده الإنسان الذي يملك, إذ عندها يكون المجتمع هو وحده المالك ولا يبقى هناك أي صراع بين الإنسان وأخيه الإنسان. وبانتهاء صراع الأضداد الذي يحرك التاريخ وفقاً للمنطق الماركسي, فإن التاريخ يتوقف عند المرحلة الشيوعية.
أما فوكوياما, فيرى أنه بعد انتهاء الحرب الباردة وزوال الإتحاد السوفيتي, فقد زال المعسكر الذي كان في حالة صراع مع المعسكر الغربي بقيادة أمريكا. وإذا كانت نظرية الجدلية (Dialectic) أي صراع الأضداد التي استخدمها كارل ماركس من ابتداع الفيلسوف الألماني هيغل (Hegelin Dialectic), فإن فوكوياما قد استخدم ذات النظرية للوصول إلى القول أن التاريخ قد انتهى مع انتهاء الجدل, أي الصراع بين الضدين, المعسكر الشرقي الذي اختفى من الوجود, والمعسكر الغربي بقيادة أمريكا الذي أصبح الآن سائداً في العالم بنظامه الرأسمالي اقتصادياً واجتماعياً ونظامه الديمقراطي سياسياً, حيث الجامع بين الرأسمالية والديمقراطية, استنادهما إلى ركيزة أساسية هي, الحقوق والحريات الفردية التي على الدولة رعايتها. ومن هنا فإن المحصلة التي وصل إليها فوكوياما هي, أنه لم يعد أمام دول العالم وشعوبه, سوى السير على طريق يوصلها إلى النظام الرأسمالي والنظام الديمقراطي, اقتداءً بأمريكا كنموذج للعالم الغربي, حيث لا يوجد لدى البشرية نظام صالح من الناحية النظرية ويشهد على سلامته التطبيق غير هذا النموذج. وعلى أمريكيا أن تدفع دول العالم وشعوبه قسراً للسير على هذا الطريق.
وقد انتشرت نظرية فوكوياما إنطلاقاً من شواهد اعتبرت سنداً لها وهي: انتهاء الحرب الباردة وزوال الطرف الآخر للجدل وهو المعسكر الشرقي المنافس للمعسكر الغربي, كنظام سياسي واجتماعي من عالم اليوم, وبقاء النظرية الغربية. وأكتسب فوكوياما شهرة في جميع أنحاء العالم, وأصبح يُقارن بكارل ماركس كمنظر للحتمية التاريخية. وأخذت دعوات الكثير من المفكرين والسياسيين في أمريكا تحثُّ الإدارة الأمريكية, وخاصة في عهد كلينتون, على الأخذ بنظرية فوكوياما لسوق دول العالم وشعوبه إلى الأخذ بالديمقراطية والرأسمالية الأمريكية.
أما صامويل هنتنغتون (الذي كان مستشاراً للخارجية الأمريكية في عهد الرئيس جونسون, وعمل قبل وفاته بتاريخ 24/12/2008 مديراً لمعهد الدراسات الإستراتيجية في هارفارد), فقد وجد أن خير طريق يسلكه للوصول إلى الشهرة, رغم تجاوزه السبعين من عمره في حينه, هو التنظير فكرياً لمعسكر المحافظين الجدد في أمريكا (Neoconservatives) من أجل إستخدام العنف عن طريق صراع الحضارات, مستعدياً بذلك أمريكا على الحضارات الأخرى, وبشكل خاص الحضارة الإسلامية التي كرس معظم كتابه للصراع معها, ومتهماً الإسلام بأنه دين الإرهاب ويتنافر مع الديمقراطية, وأن من الضروري استخدام القوة المنظمة ضد الشعوب التي تدين به.
وسواءً بالنسبة لفوكوياما أو بالنسبة لهنتنغتون, فإن كلاً منهما يضع نظرية لتبرير السيطرة الأمريكية الغربية على شعوب العالم. ولكن ظاهر أطروحات فوكوياما هو أن سوق أمريكا لشعوب العالم ودوله للإقتداء بالنموذج الأمريكي, وتبرير إستخدام القوة المسلحة في هذا المجال, يحقق مصلحة لأمريكا ولهذه الشعوب في آن معاً. وهذا يعني أن على الشعوب أن تقبل سوْقها للجنة الأمريكية بالسلاسل التي يحملها عساكرها. أما هنتنغتون, فقد برّر إستخدام العنف المنظم, أي إرهاب الدولة, ضد الحضارات الأخرى, وبشكل خاص الحضارة الإسلامية, وحثّ أمريكا ومعسكرها الغربي على استمرار إستخدام هذا العنف, بما فيه القتل والتدمير, بل والإبادة, كوسيلة تحافظ بها أمريكا على استمرار تفوقها وسيادتها على العالم. وكوسائل توضيح واقعية للإسلام وتخلفه وتنافره مع الديمقراطية والحقوق والحريات, واعتباره أساساً أيديولوجياً للإرهاب, قدم نماذج لذلك حركة طالبان والدولة التي أقامتها على أعقاب خروج الإتحاد السوفيتي منها عام ,1989 والملا عمر قائد طالبان, وأسامة بن لادن زعيم القاعدة وأتباعه كإرهابيين قتلة.
وحقيقة الأمر أن صامويل هنتنغتون يجهل الإسلام وتاريخ الإسلام أو يتجاهله, كما أنه يتجاهل ما يعلمه جيداً, بصفته قريباً من صنع القرار في الإدارة الأمريكية, حقيقة الدور الأمريكي في خلق الإسلام الجهادي في أفغانستان لمحاربة الإتحاد السوفيتي هناك, من خلال جهاديين إسلاميين شرفاء أنقياء, مسحوا من عقول الكثيرين منهم مفاعيل (14) قرناً من تطور البشرية وتقدمها, ليعيشوا في أوائل القرن السابع الميلادي, ولتقتصر الحياة عندهم على جانب واحد مما كان موجوداً أيام الخلافة الراشدية, وهو الجهاد ضد من يحتل أرض المسلمين, بمعزل عن مضمون الجهاد وشروطه وظروفه وسماحة الإسلام وعدله بهذا الشأن, والسلم والسلام الذي ينشده, كما سنرى.
يكفي أن نقول هنا, إن هنتنغتون إنطلق في صراعه مع الإسلام من جهل مطبق بالإسلام وحقيقة الإسلام, إلى الحد الذي أثار حفيظة عالم بالأدب الإنجليزي المقارن وتاريخ الآداب, هو بروفيسور إدوارد سعيد (Professor Edward Said) الأستاذ في جامعة جون هوبكنز, والمعروف عالمياً, وخاصة بعد أن وقّع عدد من أصحاب الفكر اليميني المتطرف, ومنهم فرانسيس فوكوياما, على رسالة موجهة إلى الرئيس جورج بوش الإبن بتاريخ 12/9/,2001 أي في اليوم التالي لتفجير البرجين في نيويورك في أحداث 11 سبتمبر, حيث طالبوه باحتلال العراق, مؤكدين له, أنه حتى ولو لم يكن هناك أي دليل على صلة صدام حسين بالقاعدة, فينبغي اختلاق هذا الدليل من أجل التعجيل في احتلال العراق عن طريق القوة المنظمة. وكما هو واضح هنا, فهم ينطلقون من أن مبدأ صراع الحضارات يبرر لأمريكا ذلك, مما أدى بالأستاذ إدوارد سعيد إلى نشر مقالة له بعنوان صراع الجهل (Clash of Ignorance) في المجلة الأمريكية (The Nation) عدد 22/10/1-200 وفي تفنيده لمقولات هنتنغتون يقول الأستاذ سعيد, إن تقسيم الحضارات على أساس الأديان هو الجهل بعينه, ويضيف, ماذا تقول لعشرات الملايين من المسلمين المؤمنين بدينهم حقاً ويعيشون في أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا, وغيرها من الدول التي أدخلْتها في الحضارة الغربية, وهم مواطنون صالحون في كل دولة أعطتهم جنسيتها, أو آوتهم على أرضها, أو يعملون فيها, ومنهم خيرة الباحثين والعلماء في جميع حقول المعرفة, فهل ستعلن حرب حضارتك الغربية عليهم لمجرد أنهم يدينون بديانة غير ديانتك.
2- أمريكا تصنع إرهاباً تغطيه برداء إسلامي:
على أنه إذا كان هنتنغتون في صراع حضاراته ومعه المحافظون الجدد في أمريكا, ينطلقون من أن عدم إمكانية وجود الديمقراطية والحقوق والحريات في العالم العربي يعود إلى أن شعوبه تدين بالإسلام الذي يتنافر مع الديمقراطية, وأن الإسلام هو الأساس الأيديولوجي الذي ينطلق منه الإرهاب الإسلامي, فقد نسي هؤلاء أو تناسوا, أن أمريكا نفسها هي التي درّست ودربت وشكلت الكتائب الجهادية الإسلامية وفقاً لإسلام وضعت أمريكا مناهجه ومفاهيمه, وذلك من أجل طرد الاتحاد السوفييتي من أفغانستان نيابة عنها, وحشدت المليارات لتمويلهم, وبعد أن تحقق لهم النصر, أصبح يطلق عليهم إرهابيين وقتلة.
وفي هذا المجال, فقد نشرت مجلة وجهات نظر, العدد ,37 فبراير,2002 مقالاً للأستاذ محمد حسنين هيكل بعنوان "واشنطن تؤذن للجهاد في كابول", بين فيه دور المخابرات الأمريكية (CIA) وعدد من الأنظمة العربية والإسلامية في خلق الجهاد الإسلامي في أفغانستان من أجل محاربة الإتحاد السوفييتي على أعقاب الإنقلاب على النظام الملكي هناك ودخول القوات السوفيتية كابول, مشيراً إلى ثلاثة مراجع استند إليها. وعدت إلى هذه المراجع بالإضافة إلى مراجع ودراسات أخرى من أجل موضوعي, لاستخلاص موجز لما يعلمه صامويل هنتنغتون وغيره من المحرضين على الإسلام, عن الكيفية التي صنعت بها أمريكا مع حلفاء عرب ومسلمين, مقاتلين يحاربون نيابة عنها الإتحاد السوفيتي في أفغانستان تحت عنوان الجهاد الإسلامي, لتصبح أفغانستان فيتنام الجديدة التي سيلاقي بها هذا الاتحاد حتفه, ومن ثم ليخرج من ساحة الصراع, بحيث لا يبقى متربعاً على عرش العالم سوى أمريكا. ورغم معرفة صامويل هنتنغتون بحقيقة الوقائع والتفصيلات, باعتباره قريباً من صنع القرار في الإدارة الأمريكية, إلا أنه مع ذلك يتجاهل ما يعلم, من أجل أن يختلق نظرية لتبرير اعتداء أمريكا والعالم الغربي على المسلمين ودينهم. ومراجعي لما سأعرضه من موجز هي التالية:
1- كتاب الكسندر كوكبير وجيفري كلير, التنظيف: المخابرات الأمريكية, والمخدرات والصحافة فيرسو, لندن 1-200
Alexander Cockbur and Jeffry St. Clair, Whiteout: The CIA, Drugs and the Press, reprinted, Verso, London, 2001,
2- كتاب ستيف كول, حرب الأشباح - التاريخ السري للمخابرات الأمريكية, أفغانستان وبن لادن - من الغزو السوفييتي حتى سبتمبر 10/,2001 بنغوين برس, 2004.
Steve Coll, Ghost of Wars the Secret History of the CIA, Afghanistan and Bin Laden, from the Soviet Invasion to September 10, 2001, Penguin Press, 2004
3- كتاب أحمد رشيد, طالبان: الإسلام القتالي, النفط والأصولية في وسط آسيا, مطبعة جامعة ييل, 2001
Ahmed Rashid, Taliban: Militant Islam, Oil and Fundamentalism in Central Asia, Yale University Press, 2001
4- كتاب محمد يوسف ومارك أدكن, اصطياد الدب, حرب أفغانستان التي لم تروى بعد, لي كوبر, لندن 1992
Mohammad Yousof and Mark Adkin, The Bear Trab, AfghanistanZs Untold Story, Lee Cooper, London, 1992
5- كتاب لاري جودسون, حرب أفغانستان التي لا نهاية لها: فشل الدولة, السياسة الإقليمية وبروز طالبان, مطبعة جامعة واشنطن, 2001.
Larry D. Goodson, Afghanistan Endless War: State Failure, Regional Policies and the Rise of Taliban, the University of Washington University Press, 1992
6- كتاب جون كولي, الحرب غير المقدسة, أفغانستان, أمريكا والإرهاب الدولي - مع مقدمة بقلم ادوارد سعيد - الطبعة الثالثة, بلوتو برس, لندن 2002 .