facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




وقف عثمان بن عفان .. حين تتحول الثروة إلى أثر لا ينطفئ


كابتن أسامة شقمان
05-04-2026 09:09 AM

في مساء هادئ، وبين حديث عابر لا يحمل في بدايته أي استثنائية، وجدت نفسي أقف أمام فكرة لم تسمح لي أن أتجاوزها. كنت أجلس مع ابني زيد، الذي يشق طريقه في عالم القطاع الخاص، نتبادل الحديث عن النجاح، عن المال، عن السباق الذي لا يهدأ في هذا الزمن. وبين سؤال وجواب، توقفنا فجأة عند اسم عثمان بن عفان.

لم يكن الاسم جديدًا، لكن الطريقة التي حضر بها كانت مختلفة. لم نتحدث عنه كشخصية تاريخية، بل كفكرة… كقرار… كأثر ما زال حيًا. سألني زيد: كيف يمكن لاستثمار قام به إنسان قبل أكثر من 1400 سنة أن يبقى قائمًا إلى اليوم؟

كان السؤال بسيطًا، لكنه أصاب عمقًا لم أكن أتوقعه. شعرت أنني لا أملك إجابة جاهزة، بل أملك رغبة في التأمل. وربما لهذا السبب، وأنا الطيار المتقاعد الذي اعتاد أن يرى العالم من الأعلى، وجدت نفسي هذه المرة أحاول أن أراه من الداخل… من عمق المعنى.

كانت القصة تبدأ من حاجة الناس للماء. بئر يملكها رجل، يبيع ماءها لمن يستطيع الدفع. مشهد يبدو عاديًا، لكنه في زمنه كان يعني الحياة نفسها. هنا يظهر عثمان، لا ليأخذ، بل ليغيّر المعادلة كلها. يشتري البئر، نعم… لكن المفاجأة ليست في الشراء، بل فيما بعده. يحرر الماء من الثمن، ويجعله حقًا للجميع.

قد يبدو الأمر بسيطًا عند النظر السريع، لكنه في الحقيقة قرار غيّر معنى الملكية. لم يعد الشيء ملكًا لأنه يُحتجز، بل لأنه يُمنح.

لكن القصة لم تتوقف عند الماء. وكأن الفكرة بدأت تكبر… تتنفس… تبحث عن شكل آخر للاستمرار. أُضيفت الأرض، وزُرعت النخيل، وتحول العطاء من ماء يُشرب إلى رزق يُحصد. لم تعد المسألة بئرًا فقط، بل أصبحت منظومة كاملة، تعمل بهدوء، دون ضجيج، ودون أن تطلب شيئًا في المقابل.

وهنا يبدأ المشهد الحقيقي الذي يستحق التوقف. ليس ما فعله عثمان، بل كيف فكّر. لقد رأى ما وراء اللحظة. أدرك أن العطاء الذي ينتهي ليس عطاءً كاملًا، وأن الأثر الحقيقي هو الذي يستمر دون أن يُطلب منه أن يستمر.

تمر السنوات… ثم القرون… تتغير الوجوه، تتبدل الأزمنة، لكن الفكرة تبقى. الأرض ما زالت تُثمر، والعائد ما زال يُدار، والمشاريع تتجدد.

اليوم، لم يعد الأمر مجرد نخيل وبئر، بل أصبح استثمارًا يمتد إلى عقارات ومشاريع حديثة، تُدار بعقلية جديدة، لكن بروح قديمة لا تتغير. الأرباح تُوجّه للناس، للفقراء، للخدمات، وكأن اليد التي أعطت في البداية ما زالت ممتدة حتى الآن.

وهنا، يقف الإنسان أمام نفسه. ليس ليسأل عن المال، بل عن المعنى. ماذا نفعل بما نملك؟ هل نستهلكه؟ أم نحوّله إلى شيء أكبر منا؟
في حديثي مع ابني، شعرت أن الفجوة بين الأجيال ليست في المعرفة، بل في زاوية النظر. جيل يرى النجاح في السرعة، في الأرقام، في الوصول السريع. وجيل يحتاج أن يتذكر أن بعض الأشياء العظيمة لا تُبنى بسرعة، بل تُبنى لتبقى.

إن الدرس الذي يخرج من هذه القصة ليس درسًا في التاريخ، بل رسالة هادئة تقول: ما تعطيه اليوم قد ينتهي… لكن ما تؤسسه قد يستمر. ليس المهم كم جمعت، بل كيف جعلت ما لديك يعيش بعدك في حياة الآخرين.

أدركت أن ذلك الحوار العابر لم يكن عابرًا أبدًا. كان تذكيرًا بأن أعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان ليس شيئًا يُرى، بل أثرًا يُحس. وأن الحكمة ليست في امتلاك الفرص، بل في تحويلها إلى خير لا ينقطع.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا لكل واحد منا: هل نعيش لنملك… أم نبني ليبقى لنا أثر لا ينطفئ؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :